ناثر القمح - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ناثر القمح

  نشر في 10 يناير 2018  وآخر تعديل بتاريخ 16 شتنبر 2018 .

كيف انقلب حال القرية ممّا كانت عليه من جاذبية ونشاط إلى تلك الحالة من البؤس والكساد؟ أيّ لعنة تلك التي أصابت القرية فجعلتها تفقد بريقها وزوّارها حتّى خسر العشرات من سكّانها مصادر رزقهم على ذلك النحو المتلاحق والمتعاظم كلّ يوم كالوباء...

هي قرية صغيرة آمنة نبتت بين حضني تلّتين كلسيّتين متعانقتين في قلب الصحراء ترصّع إحداهما نقطة مراقبة عسكرية بناها المستعمر للسيطرة على الطرق الصحراوية من ناحيتي الجنوب والشرق، فيما تنتصب على رأس التلّة الثانية زاوية يرقد فيها ولي صالح. وما بين هاتين العلامتين تتناثر منازل القرية نزولا إلى غاية بطحاء البلدية حيث تقع عين مياه طبيعية. تولّي القرية وجهها باتجاه الشمال، مسندة ظهرها إلى حزام كثيف من أشجار الكالاتوس والدفلى يقيها زحف الرمال بفعل الرياح الهوجاء ربيعا ولسعات سموم الشتاء الباردة ولظى الشهيلي صيفا... ووراء ذلك الحزام النباتي بدأت تتشكّل كثبان من الرمال ما فتئت تعلو حتى غمرت جذوع الدفلى... هكذا تحوّل مناخ القرية مع مرور السنين إلى ما يشبه المناخ الرّطب في قلب الصحراء بفعل الأشجار والمياه والحرارة... وصارت جالبة لسكّان جدد من بدو الصحراء الرحّل.

جئنا إلى هذه الدّنيا لنجده كهلا أشيب يعيش هناك في بطحاء القرية حيث أقامت البلدية نافورة ماء تتغذّى من العين الطبيعية. ينام في المسجد باللّيل ويتفيّأ تحت جدار الكنيسة القديمة بالنهار. كان حذرا لا يطمئنّ إلى مخالطة البشر رغم ما كان يبدو على محيّاه من بشاشة ومرح. وكان يشغل وقته بنثر القمح للحمام مرّتين في اليوم عند النافورة، فترفرف تلك الطيور وتنزل من السطوح والأشجار معبّرة عن سعادتها بسمفونية من الهديل وهي تدور ملتقطة الحب ومطلقة زقّها في الساحة... وقد نشأت ألفة بين الرّجل والحمام، جعلت تلك الطيور تحط على أكتافه وعلى كفيّ يديه، ثمّ صار يكلّمها فتفهمه، كأن يطلب منها أن تنتقل من كف إلى كف فتستجيب، أو أن تطير لتحط على قبة المسجد فتفعل، إلخ.

ومع الوقت صار علامة مميّزة للقرية تباع صوره مع الحمام كبطاقات بريدية، وأصبح نقطة جذب للسياح. كلّ صباح ترسي السيارات الرباعية الدّفع المتّجهة صوب الصحراء، فينزل ركّابها ليلتقطوا لهم صورا معه إلى جانب الحمام، ثمّ يدسّون في يده بعض الدراهم فيرميها في حوض النافورة وهو يردّد مبتسما: "هذا رزق الحمام"

كان ينزل داخل حوض النافورة آخر جمعة من كلّ شهر مهما كان الفصل، فينظّف الحوض ممّا يكون قد علق به من أوساخ ويجمع القطع النقدية المعدنية ثمّ يستحمّ ويغادر. والناس من حوله يشجعون ويضحكون والحمام يرفرف فوق رأسه وبعض السياح يلتقطون له الصور. ويسمّى ذلك اليوم "يوم حمّام الحمام"...

عندما مات ناثر القمح، ظنّت البلدية أنّ الأمر لا يحتاج أكثر من انتداب عامل جديد ليحلّ محلّ أيقونة القرية وصديق الحمام، ويتولّى تنظيف الحوض ونثر القمح لجلب الحمام والسياح الذين يقتات من وراء قدومهم صاحب المقهى وباعة السندويتش وباعة الهدايا وبعض التجّار الآخرين... لكنّ الحمام كان له رأي آخر... فقد هجر المكان وأعرض عن قمح البلدية ولم يأنس للعامل الجديد، حتّى فقدت البطحاء بهجتها وجعل عدد السياح يتناقص شيئا فشيئا وأغلقت دكاكين عديدة.  وما بقي من تلك الحياة سوى بطاقات بريدية تزيّن بهو البلدية...



   نشر في 10 يناير 2018  وآخر تعديل بتاريخ 16 شتنبر 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا