الاكراه على اعتناق الاسلام؟ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الاكراه على اعتناق الاسلام؟

  نشر في 17 مارس 2019  وآخر تعديل بتاريخ 23 يوليوز 2019 .

أولا: الاكراه على اعتناق الاسلام؟:

فهمنا لموقف الاسلام من اجبار الفرد على اعتناق الاسلام يطيح بكل الشبهات المتعلقة بالجهاد وانتشار الاسلام بالسيف و الفتح الاسلامي....

الإكراه: هو حمل الغير على قولٍ أو فعلٍ لا يريده عن طريق التخويف أو التعذيب أو ما يشبه ذلك (1)

أما الدين فالمراد بالدين دين الإسلام، والألف واللام فيه للعهد(2)

وَ"الدِّينُ" يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الْخُضُوعِ وَالذُّلِّ. يُقَالُ: دِنْته فَدَانَ أَيْ: ذَلَّلْته فَذَلَّ وَيُقَالُ يَدِينُ اللَّهَ وَيَدِينُ لِلَّهِ أَيْ: يَعْبُدُ اللَّهَ وَيُطِيعُهُ، وَيَخْضَعُ لَهُ فَدِينُ اللَّهِ عِبَادَتُهُ وَطَاعَتُهُ وَالْخُضُوعُ لَه(3)

حيث قال تعالى قول الله سبحانه تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾

قال ابن عاشور: " وَنَفْيُ الْإِكْرَاهِ خَبَرٌ فِي مَعْنَى النَّهْيِ، وَالْمُرَادُ نَفْيُ أَسْبَابِ الْإِكْرَاهِ فِي حُكْمِ الْإِسْلَامِ، أَيْ لَا تُكْرِهُوا أَحَدًا عَلَى إتباع الْإِسْلَامِ قَسرا، وَجِيءَ بِنَفْيِ الْجِنْسِ لِقَصْدِ الْعُمُومِ نَصًّا، وهِيَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى إِبْطَالِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الدِّينِ بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ(4)

وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ يونس: 99 (5)

صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لو شاء إيمان جميع أهل الأرض لآمنوا كلهم جميعا، وهو دليل واضح على أن كفرهم واقع بمشيئته الكونية القدرية، وبين ذلك أيضا في آيات كثيرة(6)، كقوله تعالى: ﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ (الكهف: 29) أي: لم يبق إلا سلوك أحد الطريقين، بحسب توفيق العبد، وعدم توفيقه، وقد أعطاه الله مشيئة بها يقدر على الإيمان والكفر، والخير والشر، فمن آمن فقد وفق للصواب، ومن كفر فقد قامت عليه الحجة، وليس بمكره على الإيمان(7)

عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال كانت المرأة تكون مقلاتا فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا: لا ندع أبناءنا فأنزل الله - عز وجل -: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾ (البقرة: 256) قال أبو داود المقلات التي لا يعيش لها ولد فالآية الكريمة نزلت عند إجلاء بني النضير لما نقضوا عهدهم وذلك في السنة الرابعة للهجرة أي في ظل قوة المسلمين وبعد فرض الجهاد بسنوات، ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أكره أحدا على الدين بل ثبت عكس ذلك، وهو أن بعض الأنصار أراد أن يكره ولده على الإسلام فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك(8)

ولم يثبت أن المسلمين في عصر من العصور أكرهوا أحدا على الدخول في الإسلام، ولو كان المسلمون أجبروا غيرهم على الدخول في الإسلام ودخلوا الإسلام مكرهين فكيف يَثْبتوا عَلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ عَنْهمُ؟!! فثباتهم عن الإسلام رغم زوال الإكراه عنهم لدليل على أنهم دخلوه برضاهم لا مغصوبين، وأن المسلمين لم يجبروهم على الدخول في الإسلام

ثانيا: الإكراه في الإسلام على الدين والعقيدة منفي من عدة جهات:

الأولى: أن من آمن مكرها، فإن إيمانه لا ينفعه ولا أثر له في الآخرة، فلا بد في الإيمان أن يكون عن قناعة واعتقاد صادق واطمئنان قلب.

وقد جاء في القرآن الكريم: عن فرعون حين أدركه الغرق أنه أعلن الإيمان والتصديق بالله ربا ومعبودا، ولكن ذلك لم ينفعه ﴿ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ يونس: 90، (9) أي تؤمن وتسلم لتنجوا من الغرق وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ أي كفرت بالله من قبل الغرق وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ أي الضلال والإضلال، والظلم والعتو(10) وجاء في حكاية قوم آخرين: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ﴾ غافر: 85، أي: عاينوا وقوع العذاب بهم، وحدوا الله وكفروا بالطاغوت، ولكن حيث لا تقال العثرات، ولا تنفع المعذرة(11)

بل التوبة من الذنوب والمعاصي لا تكون مقبولة إلا إذا كانت عن اختيار وعزم صادق.

الثانية: وظيفة الرسل والدعاة من بعدهم مقصورة على البلاغ وإيصال الحق إلى الناس، وليسوا مسئولين عن هدايتهم واعتناقهم للدين واعتقادهم الحق، فالمهمة هي البلاغ والإرشاد والمناصحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما الاهتداء والإيمان فليس إلى الرسل ولا الدعاة.

وهذا يؤكد جانبا من جوانب الحرية ألا وهو تحرر الإنسان من كل رقابة بينه وبين خالقه، فالعلاقة مباشرة بين الإنسان وربه من غير واسطة أو تدخل من أحد مهما كانت منزلته، سواء أكان ملكا أو نبيا أو غير ذلك.

ومما يؤكد ذلك في القرآن الكريم ما جاء في حق محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ﴾ الغاشية: 21، 22، يقول: إنما أرسلتك إليهم مذكرا لتذكرهم نعمتي عندهم، وتعرفهم اللازم لهم، وتعظهم. وقوله: ﴿ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ﴾ يقول: لست عليهم بمسلط، ولا أنت بجبار تحملهم على ما تريد. يقول: كلهم إلي، ودعهم وحكمي فيهم(12)

الثالثة: واقع غير المسلمين في بلاد المسلمين: عاش الذميون وغيرهم في كنف الدولة الإسلامية دون أن يتعرض أحد لعقائدهم ودياناتهم، بل لقد جاء في الكتاب الذي كتبه النبي محمد صلى الله عليه وسلم في أول قدومه المدينة ليرسم به منهجا ودستورا في التعامل: "ومن تبعنا من يهود فإنه له النصرة والأسوة.. لليهود دينهم وللمسلمين دينهم.. وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم(13)" ، وأقرهم على دينهم وأموالهم كما كان الحال مشابها مع نصارى نجران.

وصحابة الرسول من بعده ساروا على طريقه في معاملة غير المسلمين، فكان من أقوال خليفته أبي بكر رضي الله عنه لبعض قواده: " أنتم سوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له ".

ومن وصايا الخليفة الثاني عمر: " أوصي بأهل الذمة خيرا أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من وراءهم، وألا يكلفوا فوق طاقتهم ".

ومن أقوال علي الخليفة الرابع: "من كانت له ذمتنا فدمه كدمنا وديته كديتنا "(14)

وتاريخ الإسلام الطويل شاهد على أن الشريعة وأهلها قد كفلوا لأتباع الأديان الذين يعيشون في ظل الإسلام البقاء على عقائدهم ودياناتهم، ولم يرغم أحد على اعتناق الإسلام.

ومعلوم لدى القاصي والداني أن هذا لم يكن موقف ضعف من دولة الإسلام، بل كان هذا هو مبدأها حتى حين كانت في أوج قوتها أمة فتية قادرة، ولو أرادت أن تفرض على الأفراد عقيدتها بالقوة القاهرة لكان ذلك في مقدورها، لكنها لم تفعل.

الرابعة: المسلم إذا تزوج كتابية، فإنه لا يلزمها بالتخلي عن دينها والدخول في الإسلام، بل لها الحق الكامل في البقاء على ديانتها وحقوق الزوجية محفوظة لها كاملة.

(يـــتبــع)

_________________

لائحة المصادر و المراجع:

1- التفسير الوسيط لمحمد سيد طنطاوي 1/ 588.

2- التفسير الوسيط لمحمد سيد طنطاوي 1/ 588.

3- مجموع الفتاوى لابن تيمية 10/ 152.

4- التحرير والتنوير لابن عاشور 3/ 26.

5- في ظلال القرآن 1/ 291.

6- أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، المؤلف: محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي (المتوفى: 1393ه)، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت – لبنان، عام النشر: 1415 ه- - 1995 م.

محمد الأمين الشنقيطي (1393 ه) الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي، ولقبه آبّا بتشديد الباء من الإباء. ولد عام خمس وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة بشنقيط، من أعمال دولة موريتانيا، وتعلم بها على يد مشايخ عصره منهم: الشيخ أحمد بن محمد المختار والعلامة أحمد بن عمر والفقيه محمد بن زيدان والعلامة الكبير أحمد فال. حج سنة سبع وستين وثلاثمائة وألف للهجرة، واستقر مدرسا في كلية الشريعة واللغة العربية في الرياض، وأخيرا في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية. كان رحمه الله يتمتع بأخلاق ومزايا فاضلة أكسبته الثقة والاحترام في أوساط أولي الأمر وكبار أهل العلم، وكان أديبا ضليعا. تلقى العلم على يديه أفواج لا يحصون من طلاب العلم ومن أبرزهم: الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ عبد المحسن العباد والشيخ محمد بن صالح العثيمين والشيخ صالح الفوزان والشيخ محمد عطية سالم والشيخ محمد أمان الجامي وغيرهم كثير. " إتحاف النبلاء بسير العلماء (1/ 117 - 147) والمستدرك على معجم المؤلفين (607)"

7- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (ج 1 - ص 475)

8- مناظرة بين الإسلام والنصرانية ص 337.

9- تسهيل العقيدة الإسلامية لابن جبرين ص 602.

10- محاسن التأويل (ج 6 - ص 58).

11- تفسير القرآن العظيم (ج 7 - ص 160).

12- جامع البيان في تأويل القرآن (ج 24 - ص 389)

13- سيرة ابن هشام ج- 2 ص 148 - 149 وتاريخ ابن كثير ج- 3 ص 246 - 247.

14-راجع نصب الراية 3/ 381.



   نشر في 17 مارس 2019  وآخر تعديل بتاريخ 23 يوليوز 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا