ثقافة الاقتباس - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ثقافة الاقتباس

اللذة المؤقتة

  نشر في 10 يوليوز 2019  وآخر تعديل بتاريخ 08 غشت 2019 .

إن التعليم الأكاديمي ليس شرطا ليكون الشخص في مصاف المثقفين والأدباء، إذ بمقدور القارئ المثقف  أن يكون عصامي التكوين ،إذا أحسن اختيار الكتب التي تكون قناة لإرواء فكره، وأداة لصقل مواهبه.و يستطيع هذا القارئ  توسيع دائرة معارفه في كل المجالات، شريطة أن ينهل من الكتب بطريقة مباشرة تجعله مستيقنا من معلوماته ومرجعياتها. أما أن يعتمد الشخص على اقتباسات مُتشعِّثة، وفقرات متناثرة،  ومنشورات فيسبوكية  أو تغريدات  لقيطة من هنا وهناك، ثم يعتلي صهوة الفكر ويلبس خوذة المثقف، فذلك ما يؤاخذ على هذا الجيل الذي يهوى حرق المسافات، ويتكاسل في نيل المطالب غلابا .

تطالعنا اليوم الكثير من الاقتباسات ، حتى صارت ثقافة البعض مبنية بالأساس على مقاطع من جمل وعبارات تجعلهم يظنون أن بالإمكان الاستغناء بها عن قراءة كتاب كامل مادام قطف ثماره دانيا..

ويرى البعض  أن الثقافة الموسوعية لا تحتاج منا إفناء الوقت في قراءة كتب ومجلدات،  خاصة في عصر أتاح لنا الوصول إلى المعلومة بكبسة زر..فهل يجوز إطلاق لقب المثقف على شخص يقتصر في منابع فكره على الاقتباسات والمقتطفات،  أو حتى ملخصات الكتب؟ أم أن صفة المثقف قد تنتفي  عنه حين ذاك؟

للتوسل بالاقتباس مزايا لاينكرها أحد، خاصة عندما نريد إقناع شخص في موقف محدد وفي وقت ضيق، أو أثناء الحديث العابر عن موضوع، في جلسة أدبية أو محادثة فكرية،  يدلي فيها كل بما  يعرف ، او في التعليق على موضوع بما يراه مناسبا من أقوال المفكرين والأدباء ..حينها يمكن أن نكتفي بالاقتباس من كتاب مع ذكر المصدر واسم المؤلف ليعود إليه السامع أو القارئ متى أراد ذلك ..وقد ظهرت  موجة الاقتباس هذه وانتشرت مع وسائل التواصل الاجتماعي خاصة، أما فيما مضى فقد كان الكاتب يستدعي اقتباسا عند الحاجة إليه لدعم فكرة أو نقدها أو التمثيل لها على سبيل تقوية الموضوع بما يناسبه..ولم يكن الاقتباس من أجل الاقتباس كما هي الحال في أيامنا هذه . 

و للاقتصار  الدائم على الاقتباس كوسيلة للثقافة سلبيات أذكر منها :

- للاقتباس  معنى مكثف لكن لذته مؤقتة، بخلاف الكتاب الذي تقرأ منه ويصحبك وقتا طويلا تنهل منه مدة أطول وتستفيد من صفحاته الكثير، بل إن كل قراءة تفتح أمامك ما استغلق في القراءة السابقة ، وبذلك يكون الاقتباس -كما قلت- رغم كثافة المضمون، مؤقت اللذة، محدود العطاء.

- الاقتباس سريع المرور بذهن القارئ،  يبرق بلمعة سريعة الإنطفاء ، فلا يبقى منه في الذاكرة إلا المعنى، بينما تتلاشى الصياغة التي قد تكون أجمل ما فيه .. فإذا  أخذ الاقتباس من نص أو مقال أو كتاب تمت قراءته بتمعن كان من السهل الاحتفاظ به في الذاكرة.

-إن  القارئ الذي يعتمد على الاقتباس يكون مشتت الفكر، كثير المعلومات،  فإذا استدعى فكرة لم تسعفه، لأنه  اعتمد في تجميع أفكاره ومعارفه على الكم ولم  يعتدّ بالكيف، ولم يأخذ وقتا كافيا لترسيخ كل معلومة قبل الانتقال إلى أخرى. 

أيها القارئ الكريم! إن في بطون الكتب ماينتظرك من طيبات يحجب عنك لذتها ذلك الفُتَاتُ الذي  يفسد شهيتك ويحرمك من المتعة الكاملة..ذلك أنك تكتفي بقراءة اقتباس قصير يجعلك من رواد عصر السرعة واللذات المؤقتة ..فهل أنت واع بما يفوتك من خير؟  

 


  • 13

   نشر في 10 يوليوز 2019  وآخر تعديل بتاريخ 08 غشت 2019 .

التعليقات

ربما تكمن الإشكالية الأساسية في كم الأفكار وزخم المعلومات.. التي أضحت ذلولةً في الطّلب مذلّةً في الدَرك.. فقُدّم للإنسان مائدة لم تتح لسلفه من شتى المعارف وغزارة الفكر.. على أنه مع الأسى استغرق في الجزئيات والثمار العارضة.. فنسى الخارطة والنسق والرؤية.. وتناسى الآلة والمعيار والغاية.. حتى أصبحنا ولا فضل لمتعالم قد تجرع عشرات أو مئات الكتب على دابة حمولٍ تتنقّل وفوق ظهرها مكتبة.. كلاهما يحمل ثقلًا لا يعرف تمامًا قدر مسئوليته.. ولا يملك فوق تجرّعه والتغنى بصداه وحُلّته.. فلا أضير بصاحب ثقافة الاقتباسات الذي يتبنى مبدأ "الفاست فود" في المعرفة.. بقدر ما أفعل مع الأخير.. وكلاهما محسوب على وسم الثقافة ولا يتحمّل بجديّةٍ مسئولية الوعي.. القضية ليست جزئية أبدا.. القضية في نقد نسق أكبر..
سعدتُ بهذا الطّرح الأنيق.. حييتم..
2
عين دال
عندما قرأت انطباعك أخي محمد عبد المعبود قفزت مباشرة إلى ذهني نظرية رولان بارت التي قلبت مفاهيم جذرية في عملية النقد الأدبي ، وهي نظرية " موت المؤلف" . ولعل السبب في استحضاري لهذه النظرية الخلاقة هو سعادتي بكون المقال المتواضع الذي كتبته أصبح الآن متحررا من سطوة قلمي ليصبح ملكا لكل من يقرؤه ويضيف إليه بمقدراته الفكرية والإبداعية ما لم يتسع لي إضافته إما لقصور أو لغفلة أو بكل بساطة لأن الأفكار لا تقارب الكمال حتى يضع كل من الكاتب والقارئ لمسته الخاصة .
فشكرا -ولا تكفي- لأنكم أعطيتم من وقتكم لتسهموا في هذا الطرح.
مُحَمّدْ عَبْدالمَعْبُودْ (زَادْ)
ولماذا لا تكون سطوة القلم قد اتّسع نطاقها لتشمل القارئ؟
فهذا تكرّمٌ ولُطفٌ جليلٌ منكم..
الثقافة هي معلومات ، والمعلومات قد تكون مهمة للبعض او لا ، ولكنها معلومة أي نوع من العلم ، العلوم أنواع واعظمها هو العلم الإيماني الغيبي والذي هو مصدره من خالق الكون وعالم اسراره ، فهو المنهج لمن أراد ان يتبعه ، يخبرنا الله تعالى عن العلم فيقول جل شأنه فأعلم انه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم ، وطلب الله منا ان نسير في الأرض لنرى ما مضى لمن انكر وجود الله ولمن عصاه ، وطلب منا ان ننظر كيف بدأ الخلق ، وطلب منا التعارف على الناس والتعامل معهم بالحسنى وأوضح لنا الحياة ، واعتبر ان من هو مثقف على حد رأيك ( مثقف ايمانيا ودينيا ) فهو مكتمل الثقافة ومن لا يدري أمور دينه فهو اعمى أي غير مثقف لان يوم الحساب سيكون الحساب على طاعة الله واوامره او معصيته.
2
عين دال
بورك فيك أخي الكريم .. لاشك أن أعلى درجات العلم أو الثقافة هو ما تتهيأ به للإنسان أسباب دخول الجنة ..وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من يرد الله به خيرا يفقه في الدين. ) وهذا الخير مطلق يشمل الدنيا والآخرة. . جزيت خيرا على الذكرى ونفعنا الله بها .
لمى منذ 4 شهر
سعيدة بقراءة هذا المقال الهادف، تصيب كلماته المعنى المقصود باحترافية وبدون تكلف.
أما أنا أرى من ينتهج الاقتباس لينير فكره لا يصح إطلاق عليه لقب (المثقف) وإنما (المتصفح)...
بوركتِ عزيزتي.
5
عين دال
أنا بقراءتك أسعد، لمى
جمال طارق عرفه
تحياتى لرايك المنصف لمى

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !

مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا