نظرية تطور خلق الانسان: هل اقتباس المسلمين لها مبني على تدقيق عقلي و علمي مستقل أم هو التقليد و الهوى؟ (الجزء الاول) - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

نظرية تطور خلق الانسان: هل اقتباس المسلمين لها مبني على تدقيق عقلي و علمي مستقل أم هو التقليد و الهوى؟ (الجزء الاول)

  نشر في 23 يوليوز 2015 .


عمد المفسرون للقرآن في زمن من الأزمان الى الإسرائيليات لشرح ما استعصى عليهم تفسيره من الآيات القرآنية التي تتحدث عن الظواهر الكونية و عن الخلق، خلق الكون و الانسان! و الإسرائيليات هي الأخبار المنقولة عن الكتب الدينية لليهود (بالدرجة الاولى) و النصارى.

و مع انهزام الكنيسة أمام الثورة العلمية و العلمانية في أوروبا ابتداء من القرن الثامن عشر/التاسع عشر، فقدت الكنيسة سلطانها السياسي في اوروبا، كما فقدت أسفار التوراة و الإنجيل سلطانها الفكري على عقول الناس و تصوراتهم.

و كانت الضربة القاضية للتوراة و الإنجيل حين قَدَّرت الأبحاث الجيولوجية عُمر الارض بملايين السنين، في حين كان كبار أساقفة الكنيسة يقدرون عمر الارض، مستندين على حسابات غير مباشرة من أسفار التوراة، بحوالي 4004 سنة حتى ولادة عيسى عليه السلام (اي عمر الارض اليوم حسب حسابات الأساقفة حوالي 6018 سنة) (راجع مثلا The Annals of the World, A.D. 1658 لرئيس الأساقفة جيمس أُوشِير James Ussher).

و حسب نفس الحسابات المعتمدة على أسفار التوراة، و التي تقول أن آدم خلق في اليوم السادس بعد خلق الارض، فإن أقدم انسان على وجه الارض، و هو آدم، عمره يقل بأيام فقط عن عمر الارض، اي حوالي 6018 سنة! ...

و مع تطوير طرق تقدير عمر الأحافير (fossils) التي تعتمد على قياس قوة النشاط الإشعاعي للنظائر الطبيعية المتراكمة في الأحافير، تم تقدير عمر الهياكل العظمية التي عُثِرَ عليها و التي تُشبه الانسان بحوالي عشرة آلاف من السنين (مثلا هيكل Cro-Magnon، الذي اكتشف سنة 1868 بقرية بجنوب شرق فرنسا، و الذي قدر عمره بحوالي 23000 الى 27000 سنة)، و بالتالي أقدم بكثير من عمر آدم، أول انسان على الارض حسب نظر الكنيسة!

هكذا سقطت مصداقية أسفار التوراة و الإنجيل تماماً، و التي كان يعتمد عليها المسلمون لتفسير آيات الخلق و الكون في القرآن، فبدأ المسلمون ينقبون عن مصادر جديدة لإعادة تفسير تلك الآيات المتشابهات! فانكبوا على الأسفار الجديدة لليهود و النصارى، هذه المرة ليست أسفار الكنيسة و لكن أسفار أَنتجتها معاهد الأبحاث العلمية المختلفة، من علوم الحفريات و علوم الأحياء و الفلك و غيرها .. ! ...

و من بين ما اقتبسه بعض المسلمين من أسفار علوم الغرب الحديثة، هو نظرية تطور الانسان، حيث يقول علماء الغرب أن انواع الكائنات الحية لم تُخلق منفصلة عن بعضها على الحالة التي نراها عليها اليوم، و لكن كل الفصائل الحية هي نتاج لعملية تطور بيولوجي تدريجي من مخلوق واحد جد بسيط التركيبة ابتداء من اول مادة حيوية و هي خلية بسيطة ظهرت لاول مرة قبل حوالي 3900 مليون سنه ! ...

فأفرزت عملية التطور عبر مئات ملايين السنين إنتاج فصيل الجنس الإنساني (Homo)، و الذي ظهر لاول مرة، حسب النظرية، قبل حوالي 2,5 مليون سنة! و كان أول نوع من هذا الجنس الإنساني، هو نوع من أشباه انسان سُمِّي "الانسان الماهر"، فتطور عنه "الإنسان المنتصب"، ثم "أسلاف أشباه بشر"، ف"أشباه بشر هايدلبيرغ"، ف"صبغي آدم Y"، الخ ... الى أن تَأَنَّسَتْ أحد انواع أشباه البشر ليتطور عنه "الانسان العاقل الحديث" (homo sapiens) قبل حوالي 200000 سنة!

فجاء من المسلمين من اقتبسوا هذه النظرية بكل حذافيرها، و صاروا يأولون الآيات القرآنية المتعلقة بخلق آدم لتنسجم مع نظرية تطور الانسان! ... و لعل أهم الكتب التي تبنت فكرة تطور الانسان و أولت الآيات على أساسها هو كتاب "أبي آدم، قصة الخليقة بين الأسطورة و الحقيقة" لعبد الصبور شاهين.

لجأ عبد الصبور شاهين أولا الى كلمتي بشر وإنسان ليفصل معناهما عن بعضهما، فيقول، ما مجمله، ان لفظ "البشر" عام اطلق على مخلوقات كانت تمشي على قدمين. أما "الإنسان" فلفظ خاص ببني آدم الذين كلفهم الله بالعبادة،... و ان نوع "الانسان" اخرجه الله (تطور) من البشر، و استدل بآية {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}(سورة آل عمران) ليأولها على أن الله اصطفى آدم عن المخلوقات التي قبله، عن البشر! ... و جاء بآية {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}(سورة البقرة) ليأولها على انها دلالة على وجود بشر على الارض قبل آدم، إذ تُخبر الملائكة بوجود مخلوقات تفسد و تسفك الدماء، ....

على كل حال، المحصلة من كتاب عبد الصبور شاهين، و غير من المسلمين، أن القرآن يُقر نفس نظرية التطور للإنسان التي وضعها الغرب، فهناك مخلوقات بشرية غير آدمية قبل آدم، و هؤلاء هم البشر، و الذين سماهم الغرب "أشباه بشر"، ثم تطور عنهم الانسان (Homo sapiens)، و أول انسان الذي تطور من فصيل أشباه بشر هو آدم! هكذا ببساطة تُأَوَّل آيات القرآن! ..

نظرية تطور الانسان انبهر بها بعض المسلمين و آمنوا بها، و تبنوا تأويلات عبد الصبور شاهين للآيات القرآنية المتعلقة بخلق الانسان (و البشر!؟)!... و غالبا ما يكون رد المسلمين الذين تبنوا هذه النظرية إذا تم انتقادهم، على ان المسلمين لا يقبلون الجديد، متحجرين على تفسير السلف للقرآن!

و الحقيقة الاولى، انهم -اي اتباع نظرية التطور- لم يأتوا بأي جديد من عند انفسهم، بل اقتبسوا أفكارا و نظريات طورها الغرب! ... بل فكرة تطور المخلوقات ليست حتى من ابتكار الغرب نفسه، انما كانت الفكرة، بشكل أو بآخر، موجودة عند أمم سابقة كالصين قديما و اليونان قديما و غيرهم، فقد ألف عدة فلاسفة، مئات السنين قبل ولادة عيسى عليه السلام، أفكارا عن تطور الخلق، كأرسطو (Aristotle) و بلاتو (Plato)!

و الحقيقة الثانية، ان المسلمين الذين آمنوا بفكرة تطور خلق الانسان، لم يفحصوا علميا و بالتجارب صحة هذه النظرية، و لا درسوا تفاصيل الوسائل و نوع التجارب التي استند عليها علماء الغرب في أبحاثهم لاستنتاج نظرية التطور، و لم يتفحصوا -اي المسلمون- نتائج أبحاث علماء الغرب هل تسمح مثلا بالتفسيرات التي ذهبوا اليها! .... بل حتى الغرب نفسه لم يقدم أي أدلة على صحة نظريته، و انما كل ما في الامر انه أَوَّلَ تشابهات وجدها بين هياكل عظام و انقراض انواع من المخلوقات "بطريقة يقول انها متسلسلة"، أَوَّلَها على أن أنواعا جديدة من الخلق تتطور من نوع قديم لتحل محله في الوجود! و تطور نوع من نوع يفسر بالتالي التشابه بين الانواع المتعاقبة للمخلوقات الحية!

فرفضنا لنظرية تطور الخلق، ليس لتحجرنا و رفضنا المبدئي لأي جديد، فليس تمة جديد اصلا، ... و لكن نرفض أن يقتبس المسلمون، بطريقة عمياء و عشوائية، نظريات طورها الغرب على اساس شبهات، فيحملونها -اي المسلمون- على نصوص متشابهة في القرآن! ... فتزداد شبهات على شبهات!..

و نحن حين نرفض نظرية التطور لا نحتاج لدليل على رفضنا لها، لأنه ببساطة يرى كل انسان على الارض، و منذ القدم، ان الانسان يلد انسان، و القرد يلد قرد، و السمكة تلد سمكة، ... الخ، ... فالذي يدعي أن نوعا من المخلوقات الحية يتطور لِيَلِدَ بعد حين نوعا آخر من المخلوقات، هو الذي يخرج علينا بشيئ غير معتاد، شيئ لا يقبله العقل، و بالتالي هو الذي يجب ان يأتينا بالأدلة على ادعائه، فعليه أن يرينا تحول مخلوق من نوع الى نوع آخر حتى نصدقه ! ...

المسلمون أخطئوا حين استعانوا بأخبار الغيبيات من التوراة دون توفرهم على اي أدوات يستطيعون بها قياس صحة تلك الاخبار أولا قبل أخذها، فتبين لهم بعد حين حجم الورطة التي وقعوا فيها بتأويلاتهم الباطلة المستندة على الإسرائيليات، ...

و على ما يبدوا لم يتعلم المسلمون من أخطاء السلف، فانكبوا يستعينون بأخبار و نظريات و شبهات نتائج علمية ينتجها الغرب، ليفسروا بها الآيات المتشابهة في القرآن، دون أن تكون بأيديهم اي أدوات علمية و تجريبية يستطيعون بها فحص مدى حقيقة ما توصل له الغرب، قبل أن يقبلوا بها و يستوظفوها في تفسير القرآن أو في اي نشاط حيوي دنيوي! ...

و لعل السبب في ذلك، كما ذكر ابن خلدون في المقدمة، و ينطبق على حال المسلمين اليوم : [... أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية. فإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات، وبدء الخليقة، وأسرار الوجود، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى. ....]اهـ. .....

...



   نشر في 23 يوليوز 2015 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا