لا تخسر نفسك - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لا تخسر نفسك

  نشر في 02 شتنبر 2019 .

الخسارة الحقيقية، هي خسارة النفس... الذات... الشخصية... خسارة للداخل، فخسارات الخارج ليست قاتلة ومن المُمكن أن لا نتأثر بها إلا قليلًا، ولكن خسارة النفس تُشبه موت نهائي... ولكن، ما هي خسارة النفس؟ وكيف تحدث؟ وكيف من المُمكن تفاديها؟؟

خسارة النفس هي نتيجة نهائية لمجموعة أحداث خارجية أكثر وداخلية أقلّ تضافرت وإتحدت لتُنتج تلك الهزيمة الفادحة والفظيعة... تلك الخسارة التي ما بعدها خسارة، وعند حدوثها تُحوّل الإنسان لكائن "مهزوم" و"فاقد لأيّ عزيمة ورغبة..."، الأمر يُشبه سقوط مدينة بيد إحتلال حاصرها طويلًا وأنهك قواها، فأستسلمت بالنهاية وباتت مدينة تحت الإحتلال!

الإنسان يُولد ليجد نفسهُ في عالم يتوقع منه الكثير ويفرض عليه الكثير، يجدُ نفسهُ ضمن جماعة لها عاداتها وتقاليدها ويتربى كل مولود وفق تلك القواعد الإجتماعية الخاصة... وتختلف الأُسر في تنشئة عِيالهم، ومن هنا يكون التمايز والإختلاف الثانوي بين الأفراد، ثمة شكلٌ عام يتشابه به الجميع، وبالمُقابل ثمة إختلافٌ حتميّ بين الأفراد، ولكل فرد ذاته المُتميزة، هذه الذات التي تكتسب شكلها العام من التربية الأسرية ومن ثم تتشكل وتتغير في المراحل اللاحقة(المدرسة الإبتدائية والثانوية، والدراسة الجامعية أو سوق العمل...)، والتنشئة ليست سوى تشكيل لما هو مُمكن التشكيل(ذات الطفل)، هذه الذات كأنها في البداية مُجرد صفحة بيضاء أو عجينة بلا أي نتوءات أو ندوبات... وتبدأ الصفحة البيضاء تمتلأ شيئا فشيئًا بالخطوط والكلمات والألوان... وتبدأ يدٌ أو أيدٍ بتشكيل العجين كيفما تُريد تلك اليد أو الأيدي، وهكذا تتكون النفس كنتيجة عوامل وتأثيرات خارجية، ومن ناحية أخرى هُناك عوامل وتأثيرات داخلية، وكذلك ليس للنفس شكل أو صفحة مليئة تمامًا... دائمًا ولآخر يوم بالحياة، هُناك تغيير يحدث وتشكيل جديد يرتسم على صفحة النفس ومُجسمها الطريّ. 

كيف تحدث خسارة النفس؟ 

للخسارة هُنا آليّة لا يُمكن تعميمها، ولها أشكالٌ عديدة ومُتنوعة، لكنها عمومًا تحدث عندما تُصبح النفس وكأنها فُقدت... ويكون الإنسان كأنه لا يعرف من هو؟ 

فقد تماهى تمامًا مع الخارج، وبات مُجرد مرآة تعكس ما يقفُ أمامها! 

ولو سُئل مَن هو؟ لقال انا فُلان وأعمل في كذا وعمري كذا... ومن هذه الإجابة نرى فُقدان النفس، في إسم وعمل وعُمر، ولكن مَن أنت؟ اسمك الذي لم تختاره، وعملك الذي أجبرتك الظروف والواقع على مزاولته وعمرك الذي لا تملك منه إلا عُمرك الآنيّ، فنهايته مجهولة، وبدايته قسريّة! 

يتضح مما سبق، بأن أكثر خسارة للنفس شيوعًا، هو فقدان الإنسان لذاتيتهُ... وبأن يكون شكلًا خارجيًا مجبورًا عليه(الاسم، العمل، العمر..)، ولا ننسى أيضًا أمرًا مألوفًا في حياتنا وهو تلك الرغبة المُلحة في نيل رضى وقبول ومحبة الآخرين، ولستُ هُنا أعيب سلوكاتنا الإجتماعية العفوية، ولكن ألفت الإنتباه لحالة الإنصهار بالمجموع وفُقدان الثقة بخياراتنا الشخصية... فأنا أقصُ شعري كما هو مألوف، وأتهافت على ما تتهافت عليه الأغلبية، وأرتدي الموضة الدارجة... الخ

لذلك بات المُجتمع "مكان" يضمُّ الأشباه والمُكررين والذين يسيرون وفق خُطط مرسومة ومُحددة جيدًا، والويل لمن يَحيد عن الخُطة، الويلُ لمن فكّر في قيمة الأشياء ومعناها، لذلك نجد بأن الذي "يختلف" إيجابًا أو سلبًا، يتعرض للنبذ والإقصاء، ويعيش ذلك المنبوذ "قَلق الإقصاء" وعلاجهُ العودة لشكله الإجتماعي المألوف والمُتوقع منه، 

فتجد حياة الفرد تفتقد للمعنى الجوهري والقيمة الحقيقية، فكلُّ شيء مألوف ومعروف وواجب، وتكون الحياة مُجرد ساحة تنافس بين الأقران وسعي مُستمر وراء تحقيق رغبات وظنون الآخرين (أهل، عائلة، أقارب، مجتمع..)، ويكون الخوف والقَلق من الفشل الاجتماعي وتلك التساؤلات الذاتية عن الذات والآخرين، نمط حياة وعائق أمام فُرص وعَيش حياة حقيقية بحلوها ومُرها... 

إذن وبعد هذا الشرح المُختصر، كيف نحمينا من خسارة أنفسنا؟

في الحياة نحن في مواجهة مُستمرة مع المجهول، وبحوزتنا ما قد حفظناه وفهمناه، من تجارب شخصية ودروس نظرية تعلمناها من شتّى المصادر، تلك المعلومات النظرية تُساعدنا في عيش الحاضر ومُحاولة إتقان ذلك العيش قدر المُستطاع، فنحن نتفادى المُشكلات المُتوقعة وقد نقع في ورطة ما، ونُدرك بأننا لم نكن نمتلك وعي لذلك تورطنا، وهكذا... 

ونبدأ من مرحلة البلوغ، نُحاكم ذواتنا، ونُقدم على الحياة وحدنا، وبسرعة نبدأ نمتلك مهارات وقُدرات ومواهب خاصة، وهو ما يُشكّل نظرتنا لأنفسنا وبالطبع نتأثر بالخارج... والوسيلة التي أراها أفضل وسيلة لحمايتنا من خسارتنا، هي المواءمة ما بين ذواتنا والخارج، وإدراك أنفسنا وما بها من إيجابيات وسلبيات ومواطن قوة وضعف... والإدراك وحده كفيل بأن يجعلنا مُحصنين من شر الخارج ولا نعيش خائفين هاربين من ما نظنه شرًا، ونصبح مرضى بالإرتياب والشك والخوف والتردد، وعندما نُدرك ضعف أو خلل ما يعتري أنفسنا، نكون قد بدأنا خطوة العلاج الأولى لذلك الضعف أو الخلل...

وفي النهاية أقول: الحياةُ ليست وردية ولا تُعاملنا كما يُعاملنا الأهل والأحبة... ونحتاج لنحيا حياة صحية وقيّمة أن نكون "مُنفتحين" على الحياة بشخصياتنا المُميزة ودون أن نكره أنفسنا، وما يكره الإنسان إلا خسارته...!


  • 4

  • هاشم عبدالله الزبن
    أنا واحد من مليارات العابرين، وجودي أثر أتركه ورائي، وأنا أتقدمُ رُغمًا عني نحو فنائي الحتميّ/القسريّ. سؤالي الأعظم: لماذا؟
   نشر في 02 شتنبر 2019 .

التعليقات

Malak منذ 2 أسبوع
فعلا خساره النفس والذات ابشع خساره يصبح انسان حينها مجرد جثه هامده يكرر نفس روتين ونفس عمل لايهتم بما تريده ذاته اورغبته اونفسه استمر بالكتابه
3

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا