بين يدي ( الأرض الطيبة ) - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بين يدي ( الأرض الطيبة )

  نشر في 23 يناير 2019 .

بين يدي ( الأرض الطيبة )

بقلم لطيفة أسير

رواية الأرض الطيبة للأديبة الأمريكية بيرك باك من الروايات الراقية والرائعة التي لا يكاد المرء يشعر بالندم على مكابدة قراءتها رغم طولها، لأنها تحمل كل مقومات الرواية الناجحة ، رواية اجتماعية إنسانية تحمل القارئ العربي إلى عالم جديد وبيئة جديدة تختلف في بعض تفاصيلها عن بيئته العربية ، فهي تحكي عن الريف الآسيوي الذي شاهدنا بعض ملامحه في الدراما التلفزية، فكان من الميسور تخيل كثير من الصور الوصفية التي حكت عنها الكاتبة ، من أصناف الأكل وألوان اللباس ونمط العيش.

الرواية سُطرت حروفها بترجمة عربية جميلة لصاحبها خالد الحسيني، لذا فإن القارئ يجد متعة وهو يتنقل بين سطورها ويقتفي أثر أحداثها المتطورة والمتسارعة بطريقة تشد الأنفاس.

بين ( وانغ لنغ الفلاح ) و ( وانغ الرجل الكبير ) أو ( الرجل الثري )، تعاقبت سنوات وأجيالٌ ، وحملت الرواية مفاجآت جمّة وهي تنتقل بنا بين المراحل العمرية لبطل الرواية ، الابن الطموح ثم الأب المكافح فالزوج الشهواني وأخيرا الجد الحنون ، مشاعر كثيرة انتابتني وأنا أرافق وانغ لنغ، بين مُحبة لكفاحه ورقة طبعه، وناقمة على سوء أدبه وقلة وفائه ، ومندهشة لحرصه على الإحسان لأقاربه ومن هم أكبر منه سنا .

الرواية حملت بين ثناياها مشاهد كثيرة تستحق أن نقف عندها، سأختصرها فيما يلي:

- وضع المرأة في تلك البيئة القروية الصينية ، والذي بلغ حدًّا من الإسفاف والامتهان يجعل كل أنثى تشعر بالامتعاض من تلك النظرة الدونية للأنثى، فهي جارية وإن كانت من نسل الرجل، ولا يستحق أن يُحتفى بميلادها كالذكر، وهذا ما دلّ عليه قول أولان نفسها حينما أنجبت ابنتها ( البلهاء ): ( لقد انتهى الأمر .. وهي – في هذه المرة – ليست سوى جارية لا تستحق الذِّكر )، مما يؤكد أن هذا الاحتقار لم يكن من الجنس الآخر فحسب، بل كانت هناك قناعة ذاتية عند الأنثى هناك أنها ( لا شيء ) بجوار عظمة الرجل. ولعل هذا الأمر لم يكن حكرا على البيئة الصينية، بقدر ما كان يشكل قناعة لدى أمم وأجيال على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم.

- معيار الجمال عند الرجل يبقى الأولى عند اختيار شريكة الحياة، فلا التضحيات ولا والوفاء ولا بذل الغالي والنفيس يمكن أن يشفع لزوجة دميمة ، أمام دُمية تحرص على تلميع نفسها وإن كانت مومسا وبغيا ،لهذا لاحظنا البون الشاسع في تعامل بطل الرواية مع زوجته الأولى ( أولان ) وزوجته الثانية ( لوتس ). فالأولى كانت كالدابة التي أخذت على عاتقها مهام الإنجاب والحرث والقيام بشؤون الأسرة ليلا ونهارا ، لهذا لم تكن تهتم بمظهرها وهي تدور كالرحى هنا وهناك، و( لم يكن وانغ لنغ ينظر إليها إلا كما ينظر إلى المائدة أو إلى مقعده أو إلى شجرة في الفناء ) ولم تكن في نظره غير ( امرأة لا يمكن لإنسان أن يصفها بغير ما كانت عليه، غبية تافهة، تدب على الأرض في صمت، دونما تفكير في المظهر الذي تبدو عليه فيه للغير ). والثانية كانت كالجوهرة الثمينة التي يخشى عليها من الرقباء وإن كانت في أصلها بغيا ، ويعتبرها ملكة متوجة كل طلباتها مجابة وإن غلا ثمنها .

فانظر لفساد طبع وانغ مع زوجته الدميمة التي كان مستأنسًا بقبحها حال فقره ، فلما اغتنى بدت له كل سوءاتها وصار يمتعض من النظر إليها، وقِسْ ذلك بما حكاه الرافعي في مقاله الرائع " قبح جميل "عن مسلم بن عمران حين تحدث لأحمد بن أيمن كاتب ابن طولون عن حبه لزوجته الدميمة فقال: ( ما أحبّ إلا امرأة دميمة قد ذهبت بي كلّ مذهب، وأنستني كل جميلة في النساء، ولئن أخذتُ أصفها لك لما جاءت الألفاظ إلا من القبح ، والشَّوهةِ، والدّمامة، غير أنها مع ذلك لا تجيء إلا دالة على أجمل معاني المرأة عند رجُلها في الحظوة، والرّضا وجمال الطبع، وانظر كيف يلتئم أن تكون الزيادة في القبح هي زيادة في الحسن وزيادة في الحب، وكيف يكون اللفظ الشّائه ،وما فيه لنفسي إلا المعنى الجميل، وإلا الحسُّ الصّادق بهذا المعنى، وإلا الاهتزازُ، والطرب لهذا الحسّ. ) .

فربّات الحسن و الجمال عندهن خلقن للمتعة والزينة ، والدميمات دواب تدبّ على الأرض لتملأ البطون الجوعى ، وتخدم آل البيت وتوفر لهم ظروف العيش المريحة، ولعلها ثقافة تتوارثها الأجيال وليست قناعة شخصية أحادية بدليل قول الجد :

( وماذا نفعل بالمرأة الجميلة، يجب أن تكون امرأة تعنى بشؤون البيت وتنجب الأطفال وهي تعمل في الحقول، فهل تفعل ذلك المرأة الجميلة، إنها ستظل أبدًا تفكر في ثياب تلائم جمال وجهها !(

- أولان جسّدت بقوة دور المرأة البدوية الكادحة التي تتفانى في خدمة زوجها وأولادها ، الزوجة الصبورة، والأم الرؤوم ، التي ما كانت تشتكي حتى في أشد لحظات الألم ، سواء في مخاضاتها المتكررة ، أو حين بدأت الأمراض تفترس جسدها النحيل ( الطحال متمدد .. والكبد معتل . وفي الرحم صخرة كبيرة بحجم رأس الإنسان، والمعدة متحللة ، والقلب يتحرك بمشقة ..ولا شك أن فيه ديدانًا ). لهذا لا يمكن للقارئ إلا أن يتعاطف معها ويشعر بالشفقة عليها، وكأنها تؤدي ثمن قبول زوجها لها رغم دمامتها !!

- الأرض بالنسبة للفلاح دمه ولحمه ، لهذا ما كان وانغ يشعر بكينونته إلا وهو بين أحضانها، وما كان يشعر بقيمته إلا حين يضم أرضا إلى أملاكه، ويقلب تربتها ويستنشق هواءها . وكانت رحلته القسرية للمدينة جحيما سرعان ما فرّ منه ليلوذ بأرضه الطيبة التي منحته الحياة السعيدة التي كانت يرنو إليها.

- البيت بوجود أنثى واحدة ليس كالذي به إناث كثر، فـــــ ( وجود أكثر من امرأة واحدة تحت سقف واحد لا يتماشى مع مقتضيات السلام والأمن )، ولهذا عانى بطل الرواية من مشاكل النساء حين كثر عددهن في بيته بين زوجات وبنات وزوجات أبناء وجواري .

- للعم دوما حكايات كثيرة تنحى منحى واحدا، وهي عداوته لأبناء أخيه، ولعل هذا تجسد في علاقة وانغ بعمه الشرير الذي استغله أبشع استغلال رفقة أسرته التي تفتقد كل مقومات الكرامة والعفة.

- للحياة سنن كونية، ولكل مجتهد نصيب، وما تراه مستحيلا قد يغدو ممكنا متى توفرت الإرادة والمثابرة والعمل الجاد، وهذا ما فعله وانغ الفلاح الفقير الذي كان يقف على أعتاب السيد الكبير بذِلّة ، لكنه ما كان يرتضي لنفسه هذا المستوى، فقرر أن يكافح من أجل تحسين مستواه ، فكان له فوق ما أراد، ودارت الحياة دورتها.

على العموم فالرواية ممتعة جدا ، وشريط أحداثها يشوبه التشويق والمفاجآت التي تكون أحيانا صادمة، أو محزنة حدّ البكاء ، كمشهد إقبال البطل على زوجته الأولى وهي منهمكة في أشغال البيت مطالبا إياها بمنحه اللؤلؤتين لأن الزوجة الثانية أولى بهما فهي جميلة واللؤلؤ لا يليق إلا بها !! شخصيا علق بذهني هذا المشهد لأنه اختزل الكثير من المعاني : جحود الزوج لزوجته التي ساندته في كفاحه، صبر الزوجة رغم شعورها بالظلم والاحتقار، الشهوة حين تتملك الرجل تحجب عنه الكثير من الأمور ، فلا يهدأ له بال حتى يقضي وطره منها ، لسان حاله: ( شهوتي وبعدها الطوفان ) !!

الأرض الطيبة .. رحلة طيبة .. مع رواية طيبة .. فشكرا جزيلا لقائد سفينة ربيع القراءة أستاذي القدير ربيع السملالي على الاقتراح الجميل ، وجزاه عنا خير الجزاء.



  • لطيفة أسير
    كاتبة ، نشرت لي مقالات بكثيرمن المواقع منها مدونة الجزيرة وموقع الألوكة وطريق الإسلام وهوية بريس وغيرهم، صدر لي كتاب منذ سنة بعنوان ( فسحة قلم ) وكتاب آخر مخطوط بعنوان ( رجع الصدى ).
   نشر في 23 يناير 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا