انتقام الفراشة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

انتقام الفراشة

أثر الفراشة لا يرى .. أثر الفراشة لا يزول .

  نشر في 18 ماي 2016 .

كان قد تحمم لتوه عندما وقف أمام  النافذة الزجاجية  المغلقة  في غرفته  يتابع الحياة المنهمكة في الخارج ، زحام  يفزع روحه كلما ألقى نظرة من  فوق الحافة التي يسكن فيها ، شقة مكونة من غرفة  واحدة  مطبخ وحمام وفسحة يسميها - على استحياء  - صالة  بها تلك النافذة المربعة الكبيرة بزجاجها الذي يراه  هو أحيانا شاشة عرض   لبث حي ومباشر  .. 

من بين البث الحي  المزدحم   كانت هناك طفلة صغيرة  تسير برفقة أمها وبيدها  أصيص به زهرة  ذابلة  حزينة تترنح يمينا ويسارا على وقع خطوات الطفلة ، ظل يتابعها بعينه حتى التهما الزحام الممتد في شارع من شوارع القاهرة  كتب عليه ان يسكنه  ريثما ينتهي من  دراسته .. 

انه لا يعرف من أين أتت  وكيف وقفت أمامه على زجاج النافذة وكأنها تشاركه متابعة البث ، كان لها جناحان بنيان دقيقان ، لم تكن ذبابة كما أنها ليست فراشة ، أو ربما ليست فراشة كفراشات كتاب القراءة  الملونة التي تقف دائما على زاوية  من الصفحة أو في وسط غلاف لكراسة الرسم  .. هو يعرف شكل الفراشة بالطبع لكن ، من يدريه أن الفراشات ما زالت محتفظة بشكلها الجميل وأجنحتها الملونة ، وقف متجمدا في مكانه أمامها وهو يفكر هل هي فراشة وتلك هي حقيقة ككل الحقائق التي أخفيت عنه في صغره وما زال يكتشفها  كلما تقدم به العمر أم أنها حشرة  قبيحة  جريئة  تلبست  شكل الفراشة التشريحي ومن ثم جاءت تحتل من مجال رؤيته  سنتيمترات ؟!

جاءت ؟ .. من أين !  شقته الصغيرة محكمة الغلق  لا يوجد بها  أي منفذ لتدخل منه كائنة كهذه ،  عندما نبت السؤال في عينيه عن مصدر  حضورها اتجه بطريقة آليه نحو  المطبخ ، كان يسير  إلى المطبخ ولكن عينه عالقة على زجاج النافذة ، دقيقة غاب فيها عن الصالة فأخذت الفراشة تدور في  الفضاء وكأنها  تعاين السكن الجديد الذي ستحتله  بدلا من هذا الشاب .. عاد  وبيده  مبيد حشري  كان قد اشتراه لابادة الصراصير التي ترعبه  ليلا  وهو يترنح بلباس النوم   ، مد يده وعلى وجهه حزم مقاتل  ثم ضغط  على رأس زجاجة المبيد لينبعث ذلك الصوت  ، صوت الزذاذ المحمل بسموم قاتلة موجهة نحو  الفراشة  في الفضاء الصغير كطلقات رشاش يوجهها يهودي نحو طفل  بفلسطين ! 

أحزنه المشهد وشعر أنه قاتل ، قاتل  مجرد من كل  رحمة وإنسانية ، شعر بالأسى نحو الفراشة وهي تطير وتدور حول نفسها  بحركات سريعة عنيفة في البداية ثم رويدا بدأت حركاتها تخمد  وتتلاشى .. لكن فجأة  وهو يتأمل موتها في صمت  انتفضت  وقامت  وكأن شيئا لم ، خيل إليه ان حجمها  تضاعف  لكن الذي أفزعه حقا أنها  اتجهت نحوه  فتراجع للخلف نحو المطبخ  فاقتربت أكثر   وهو لم يزل يتراجع  وقد  شخصت عيناه وانخفضت يده على الرغم من انه متشبث بزجاجة المبيد ،  كاد يرفعها ليرشها بها مرة أخرى في دفاع عن نفسه إلا أن الفراشة تراجعت وراحت تدور أمامه في خيلاء شديدة ثم وقفت على الزجاج تشاهد البث الحي .. زفر الشاب أنفاس الخوف التي حبسها قبل ثوان واستدار وهو منكس الرأس نحو المطبخ ليعيد المبيد إلى مكانه ، لكنه رأها على الارض أمامه .. ظلها الممتد كجناحي وطاط يكاد يبتلعه ، تحلق في الفضاء فوقه ، تطارده  ، التفت فزعا  لكنه لم يجدها ! 

ترى هل هي مجرد تهيؤات  ؟؟ أم هو شعوره بالذنب لانه قتلها وهي الضعيفة الصغيرة ؟؟  كيف يقول لنفسه قتلها وهي تقف بالصالة  تشاهد المارة  بالاسفل ؟ شعر بالخوف يتعاظم بداخله  وهو يتسمر بالمطبخ  يخشى العودة لميدان المعركة .. 

حاول أن يمد عينيه إلى هناك لكنها كانت  هناك ! 

وكأنها تقف وراء الجدار  منتظرة عودته كي تبدأ في رد الضربة إليه ، عندما ضبط نفسه  وهو يرقب بحذر  حركات فراشة تود الانتقام منه  ابتسم ساخرا من نفسه وحاول أن يرخي  عضلاته ويتجه نحو غرفته  كي  يرتدي ملابسه ، بالفعل اتجه نحو الغرفة بخطوات شبه آمنة  حتى بلغ ما قبل الغرفة بخطوة  ثم رآها وكأنها تلتفت نحوه ، لم تكن مجرد فراشة وإنما كائن رابض على زجاج نافذته  يلتفت نحو فريسته  ، عاد الخوف يبعثر ضربات قلب الشاب وفي جزء من الثانية ولج إلى غرفته وأغلق الباب من خلفه .. 

ماذا سيفعل  في هذه الورطة التي وضع نفسه بها ؟  راوده  شعور بالندم  على ما فعل ، لماذا لم يتركها تشاركه متابعة البث بسلام  ؟؟ لكن نفسه انقسمت لشخصان يتشاجران أحدهما يقول ما قاله بينما يرد الآخر بعدوانية : ولماذا تدخل إلى شقتي ؟ من سمح لها ؟ 

غرق في السؤال والجواب حتى  وخزه شئ ما ، ربما كانت تريد أن يخرج ، تقول هيا تعال إلي أيها الحقير كي نخوض جولة قتال أخرى ،انتهي من ارتداء ملابسه  فقد تأخر على صديقيه اللذان ينتظرانه بالاسفل على المقهى ..  سيفتح الباب ثم يتجه بحركة سريعة نحو باب الشقة  ، عليه ألا يلتفت ، عليه ألا ينسى  ويضع قدمه في فردة حذاء بيضاء وأخرى سوداء ، من الأفضل أن ينزل بشبشبه هذا ، صحيح أنه شبشب الحمام لكن لا يهم ، لن ينتبه له أحدا  .. هناك  معضلة أخرى ، لم يغلق محبس الماء الذي في الحمام وقد تغرق الشقة ، لتغرق  ، لا يهم  .. المهم هو الهروب من ذلك الوحش الرابض بالخارج .. فرجة صغيرة فتحها من باب الغرفة وهو يطالع ، يراقب بحذر .. يبحث عنها .. لم يجدها 

ترى ماتت ؟؟ 

تنهد  بعمق وفتح الباب وهو يقول لنفسه  يالك من أحمق ، لم تمتد برهة الطمأنينة كثيرا فقد شعر أنها قد تكون مختبئة في مكان ما ، وراء الأريكة أو في تلك الزاوية المظلمة ، إنها تنتظر غفلته كي تنقض عليه ، تنتظر فقط اللحظة المناسبة .. سريعا دخل إلى الحمام وأغلق المحبس ثم  هرب نحو باب الشقة .. صاحب البيت لم يغير المصباح المعطل منذ اسبوع ، ها هي فرصتها .. شعر بها تقف وراءه ، تتقدم نحوه في الظلام  وهل من فرصة  سانحة أفضل من هذه ؟! 

هرول ، الخوف يثلج أطرافه وضربات قلبه تكاد تفجر صدره ، وهي تتلاحقه ، يشعر برفرفة أجنحتها ، تلك البنية الصغيرة التي ما إن كان يلسمها حتى تتفتت كرماد .. الآن أصبحت  قوية  كصفحتي نحاس ممتدين على نحو مفزع ، ينزل عبر السلم الضيق المظلم أسرع ، يذكر أن شقته كانت في الدور السابع ، لماذا يشعر أنه هبط مائة دور إضافي ؟!  ما زالت  تلاحقه  لتنتقم منه ، عرقه يتفصد  وأنفاسه  تضطرب ، ساقاه يطيران فوق عتبات السلم ، ما زال يهبط  وهو غارق في ظلمة  أوجعته بما فيها من خوف ووحشه .. أهذا هو الجحيم الذي كان يدفع الفراشات إليه  عندما كان يطاردهن في حديقة جده ؟؟ 

أعادت هذه الفراشة القاتلة كي تنتقم لكل الفراشات اللاتي احترقت في نهاية مطاردته لهن ؟ على ما يبدو أن هذه هي الحقيقة التي  لابد أن يخضع لها ،  توقف الشاب عن الهرولة على السلم وشعر أنها تقترب ، ستقترب حتى تطبق عليه بجناحيها النحاسيين كي تسحقه كما كان يسحق مثيلاتها  وهو صغير بكفيه .. توقف وأغمض عينيه وأنتظر أن تسحقه  .. ماثلا أمام  نهايته كمذنب .. لكن يدا وضعت على كتفه  وارتفع صوت  يقول " ظننا أنك لن تنزل عندما انقطعت الكهرباء "  .. لقد كان في الشارع  أمام المنزل وهو الان برفقة صديقيه ، يبدو أن الفراشة أرجأت انتقامها حتى يعود من نزهته . 



  • 6

  • ياسمين حسن
    باحثة عن النور الذي على هداه قد أجد نفسي ! * بين الذكر والذكرى *
   نشر في 18 ماي 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا