نحتاج إلى أخلاق تحارب الفساد قبل تطبيقات تحاربه - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

نحتاج إلى أخلاق تحارب الفساد قبل تطبيقات تحاربه

  نشر في 27 مارس 2021 .

تحتل قيم النزاهة مقاما عاليا في منظومة القيم الأخلاقية، لأنها هي المسؤولة عن بروز مجموعة من سلوكيات الإنسان السوية، إذ لا تستقيم تصرفات المرء بدونها، وتتمثل قيم النزاهة في: الأمانة والشفافية والمصداقية والمساءلة…، والتي تقتضي بالدرجة الأولى التوفر على مجموعة من المبادئ الإيجابية التي تعزز السلوك الشريف وتشجع الممارسات السليمة أخلاقيا، انطلاقا من الرقابة الذاتية التي تمكن الفرد من الترافع عن كل تصرف منحرف يخل بموازين العدل والمساواة.

بمعنى آخر أن النزاهة هي نوع من الالتزام بالواجب الأخلاقي الذي يفصل بين المصلحة الشخصية والنزعة الإنسانية حينما يوضع الفرد في موقف اختباري حقيقي؛ على سبيل المثال الرشوة: هل سيقبلها المرء حينما يقدمها له صديق مقرب في صورة هدية بطريقة لا تظهر في العلن؟! هنا تظهر حقيقة قيم النزاهة في تحكيم الضمير وتقديم المبدأ لا في التبجح بتلك القيم في حين أن أفعال المرء خالية منها بل هي على نقيضها.

وتبرز قيم النزاهة بشكل واضح في المجتمعات الغربية لأنها تحظى باهتمام كبير تنظيرا وتطبيقا من منطلقاتهم الأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، أما نحن المسلمين فمعنيون بهذه القيم أكثر منهم لكن مع ذلك فهي غائبة في حياتنا بالرغم من أن دافعها الأساس ديني قبل كل شيء. فلا يوجد بلد محصن ضد الفساد ومع ذلك فإن الدول غير المتقدمة هي الأكثر تضررا من فقدان قيم النزاهة؛ للغياب التام فيها لما يمنع الفاسدين من بث سمومهم، وأخطرها التي تكون سببا في تفشيل مبادرات الإصلاح وجهود التنمية، فعدم تواجد هذه القيم ناجم بالأساس عن فشلنا في صون أنفسنا عن مواقف الريبة والشك وتنزيهها عن الوقوع فيما فيه ظلم للآخرين، فحين تزول من معاملاتنا النزاهة تختفي معها مقومات الإنصاف والثقة في أي مجال من المجالات الحياتية.

عندما تصاب الأمم بالأمراض المعنوية والأدواء الأخلاقية يضعف شأنها وتقوض دعائمها، وليس هنالك شيء أضر بها من أن يقوم المسؤولون فيها بسلوكيات تضر الشعوب بغير وجه حق. فمن جراء فقدان قيم النزاهة انتهكت مظالم كثيرة وضيعت حقوق وواجبات، وفقدت ثروات وهدمت أسر وبيوت، وأهدرت كفاءات وضيعت طاقات، وكل هذا يشير إلى شعوب تنهشها اللاأخلاقية التي خلفها فقدان هذه القيم. وتجدر الإشارة إلا أن قيم النزاهة لا تكمن فيما هو مادي فقط، لأنها في إطارها العام تكون الدافع إلى النفور من كل ما يجذب النفس للطمع فيما ليس لها، وهي التي تمنع المرء من التجرؤ على انتهاك حقوق الآخرين المادية والمعنوية.

وراء اندثار قيم النزاهة أزمة أخلاقية كبيرة تعرفها مجتمعاتنا والتي صارت تتخد صورا وأشكالا متعددة، بدءا من كلامنا ومرورا بتعاملاتنا؛ بانتشار الفساد بيننا كالرشوة والمحسوبية والمحاباة والواسطة والابتزاز والاعتداء على حقوق الآخرين؛ فأدى بنا كل ذلك إلى التقهقر والرجوع إلى الوراء، فتهدمت أركان النهوض والتنمية وأضحينا في ذيل الدول المتقدمة، سواء على مستوى الاقتصادي أو التعليمي أو الصحي أو غير ذلك.

ويتجلى فقدان قيم النزاهة بشكل واضح حين تكون السلطة في أيدي من ليسوا أهلا لها، لهذا يتم استغلالها استغلالا بشعا من خلال استخدام النفوذ أو التحايل الخبيث على الأنظمة والقوانين القائمة؛ أي استعمال السلطة في غير الغايات التي وجدت من أجلها، مما يؤدي حتما إلى ممارسة مختلف أشكال الظلم والفساد التي بسببها تضيع حقوق كثيرة بتضارب المصالح أو المكاسب غير المشروعة، وهذا بالذات ما يمثل الخطر الحقيقي الذي يهدد الأوطان ويخرب البلدان، ويفسد الشعوب ويدمر العلاقات، ويقتل الثقة ويزرع اليأس.

إن التواجد في وطن تفتقد فيه قيم النزاهة يعني العيش في بيئة غير آمنة لأن الحقوق فيه تكون مهضومة وغير مصانة نظرا لضياعها في دهاليز المحاكم والمحسوبيات لعدم استقلالية القضاء فيه، ولهذا وقع سلبي كبير على المواطنين الذين ينتمون لهذا البلد، بل وقد يكون السبب في فساد الكثيرين منهم؛ فبغياب النزاهة تنعدم المصداقية والثقة الشيء الذي يدفع المتضررين إلى إتباع أساليب غير مشروعة لإرجاع ما أخذ منهم بغير حق.

ولعل أغلب أصحاب الكفاءات والخبرات الموجودين خارج موطنهم الأم لم يهاجروا عبثا وإنما لفقدانهم النزاهة في بلدانهم الأصلية التي تخلفت شعوبها وانحدرت إلى حافة الإفلاس الأخلاقي، فأصبحت مفتقرة إنسانيا لا تعرف إلا لغة التحايل وبسط القوة لأنها حادت عن جادة الاستقامة، نتيجة لطغيان البرغماتية والنرجسية على أفرادها في مختلف تصرفاتهم، الشيء الذي أدى إلى بروز أجيال لا تفكر إلا في مصلحتها الشخصية ولو على حساب تجردها من كل ما له صلة بالقيم الأخلاقية، وهذا ظاهر بوضوح في تواجد كثير من المسؤولين الفسدة الذين يسنون شرائع خارجة عن دائرة الصواب الأخلاقي، والمصيبة الكبرى في اعتقادهم بأن الأرحام لم ولن تغيض بأمثالهم، وعلى قول المثل: "أخذوا زمانهم وزمان غيرهم"، غير آبهين بحاجة الأجيال اللاحقة إلى قيم النزاهة.


  • 2

   نشر في 27 مارس 2021 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا