ذات غضب - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ذات غضب

أنت من يصنع المارد

  نشر في 12 شتنبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 19 أكتوبر 2018 .

في أول يوم من العمل  بعد عطلتها الصيفية ،ارتدت والدتي ملابسها المعتادة و حضرت لنا فطورنا المعتاد و كان لوالدي رؤية مختلفة كالمعتاد أيضا .

وضعت معجون الأسنان على الفرشاة و غسلت أسناني ،و حركت رأسي مع أنغام السمفونية المعهودة "بدأ الدخول والخروج ، ماذا تضعين على وجهك ؟، أليس لديك شيء آخر ترتدينه؟

 مشيت إلى الخلف لأرى وجه أمي  الهادئ الجميل،خفضت عينيها متأملة فنجان القهوة ،تساءلت لو أنها في إحدى المرات قررت اعتزال العمل هل كان سيسمح لها ؟لكن بدل شكرها سيجد ما يلومها عليه تماما كما يلومها على ذوق الطعام "اللذيذ" وعلى المصاريف "القليلة"و على أي شيء تفعله أو تقوله.

_هيا ماما سنتأخر .

_ متى ستتأدبين و تقولين لوالدك صباح الخير ،و لكن من ستشبهين غير والدتك .

_صباح الخير أبي العزيز ، أولا  أنا لا أشبه أمي بل أشبهك أنت ،  ثانيا أمي لا تضع شيئا على وجهها ، ولباسها أنت اشتريته لها ، ثالثا لا تصرخ كثيرا مازال الوقت مبكرا ستفقد صوتك قبل المساء .

نظرت إلي أمي بغضب مازالت تذكرني في كل موقف بآخر مرة صفعني و مازلت أتذكر قوة الضربة و أرى ما حدث يومها  كلما سمعت صراخه.

 لم أطل الوقوف ،حملت كيس النفايات(بدلا عن أمي التي حملته لسنوات) و سبقتها  في نزول الدرج صارت تمشي بخطى متثاقلة ،تعبت كثيرا بعد سنوات من التدريس، لكني لست متأكدة من سعادتها لحصولها على التقاعد ،سيتوجب عليها رؤية أبي أكثر ،يا للمسكينة! هل ينبغي عليها التحمل ؟أتساءل دائما عن الحزن الذي يصنعه الانسان بنفسه ،بأقل جهد ينتقل من فئة السعداء إلى فئة التعساء ،من يوزع الشقاء يمنة ويسرة هو شخص تعيس أيضا و ابتسمت حين فكرت بأن كمية الشقاء كبيرة جدا لم تنته لعشرات السنوات .

حالما جلست إلى جانبي في السيارة بدأت بنصحي  بضرورة إحترام أبي و تفادي مناقشته و تحديه و أجبتها بأنني لن أجادله مجددا .وكنت صادقة بالفعل،حدثتها دون كلام :" بمجرد أن أراه يعاملك بقسوة أنسى كل وعودي بالصمت"، أخبرتها بأنني أحبها كثيرا وهي تنزل من السيارة محذرة إياي من أخطار السرعة .

نظرت إليها و هي تدخل من باب المدرسة ، المعلمة الفاضلة والمبتسمة دائما ،حسبتها  قوية جدا ، لا تبكي، أو تمنيت أن تكون كذلك في قرارة نفسي ، رأيت دموعها قبل أعوام لما دافعت عنها "أبي ،أرجوك ،هي لم تفعل شيئا"حينها صفعني  وارتطم رأسي بقوة  بالحائط ، ضحكت و ضحكت و تفاجأت و أنا أراها تحتضنني وهي تبكي ،اعتقدت أنني جننت.(لم أجن) ،تعجبت لأن الضربة لم تكن قاتلة ،لم تكن مؤلمة إلى الحد الذي توقعته ،ضحكت وأنا أرى صنم أبي يتحطم أمامي ،رأيت بابا يفتح ،أملا بأنني قادرة على تغيير واقع فرض علينا لسنوات بسبب الخوف  ، أتذكر وجهه عندما وقفت ،تفاجأ و كأنه يراني لأول مرة ،مهتزا ،حائرا ،خائفا ،قبلت يدي أمي المرتجفتين و اخبرتها بأنني صرت محامية كي أدافع عنها ،كي لا أسمح لأي شخص بظلمها ، أنني مدينة جدا لها و بكل شيء ،مدينة لها بسعادتي ، رأيت ابتسامتها  في كل يوم  ،كم كانت طفولتي مشرقة بوجود ضحكتها ،كم كنت ساذجة و أنا أصدق قصصها الرائعة  ! غادر المكان لأول مرة ،انسحب ،و بكت والدتي كطفلة صغيرة متعبة جدا و مطمئنة جدا ،و أحسست بأنه يجب علي أن أكون "أنا ".

تغير الوضع في البيت كثيرا ،أبي الذي لا يخشى أحدا صنع المارد يوما بعد يوم و في أول فرصة خرجت من القمقم ، حتى مشاكله صارت نادرة ، للأسف صرت أنا الحكم ، و ارتاحت أمي قليلا و ربما ارتاح أبي أيضا من لعب  دور الشرير.


لما وصلت الى المكتب وجدت صديقتي و شريكتي بالعمل ترتشف فنجان قهوة مع موكلتي .تفاجأت لحضورها دون موعد و توقعت أنها تصالحت مع زوجها.

فتحت ملفها و نظرت إلى الصورة التي تظهر الكدمات التي اختفت تقريبا من وجهها و تقرير الطبيب و حاولت أن أستفسر عن سبب قدومها بلطف ،كان توقعي خاطئا فسبب زيارتها و ارتباكها هو "الأجر"، طمأنتها بأن هناك فاعل خير دفعه سلفا  عن قضية كل امرأة مظلومة ، لم أخبرها بالتأكيد  أنه "أبي" و بأنه القضية الوحيدة التي خسرتها طاعة لأمي.

فتحت الكتاب الموضوع منذ مدة في الدرج و نظرت مليا إلى الوردة المخبأة بين صفحاته ،حرصت عليها جدا ، حين أهدانيها  عمر ،نعم كان إسمه عمر ،أحسست أنها وردة مسمومة،رأيت وجه أبي في ملامحه رغم أنه لا يشبهه .

أبي أحب أمي أيضا  و استمات للفوز بقلبها ،لم يفهم عمر أبدا سبب رفضي و لم  أحاول أن أشرح له .

ماذا كنت سأخبره !أنني  كنت أجلس في آخر مقعد بالقسم منتظرة أمي  التي حاولت أن تزرع القيم في نفوس الأطفال لسنوات ،  أنها شرحت مفهوم الأسرة بطريقة جعلتني أعي جيدا بأنها كانت كل أسرتي و بأنني كل أسرتها،  أو ربما بأنني بقايا انسان ، لم أكن لأجعله ضحية ل...الأسرة .

 في كل القضايا التي مرت علي لم  أتساءل كثيرا عن مجتمعنا و كيف صار وحدث و أصبح بكل هاته السلبيات ،فقط حاولت أن أبدأ حياتي بضمير و انتبه كي لا أظلم معتقدة أنني  الأقوى،  لو صنعت المارد بقسوتي وظلمي أو حتى بضعفي و استسلامي فسيلتهمني ذات غضب . رفضت الجميع لأنني خائفة من عدم قدرتي على تحطيم أصنام أخرى ، أغلقت الكتاب ووضعت رأسي على المكتب سأرتاح قليلا قبل عودتي إلى أمي ،كل أسرتي.










  • 18

   نشر في 12 شتنبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 19 أكتوبر 2018 .

التعليقات

Alaa Bobaly منذ 4 يوم
أمي كل أسرتي ❤
0
Salsabil Djaou
هي أول حضن و أول حب و أوفى الناس ،حفظ الله والديك ، تحياتي و مودتي آلاء .
Alaa Bobaly
و حفظ أحبابك ، قصة اكثر من رائعة .
نور جاسم منذ 1 شهر
رائعة جدا. تأثرت جدا بشخصية البطلة الرائعة. سلمت يداكِ
2
Salsabil Djaou
سعدت كثيرا بمرورك نور ،نورت صفحتي ،سلمك الله كاتبتنا المبدعة.
نور جاسم
شكرا لكِ يا سلسلبيل. وأنتِ مبدعة جدا
Salsabil Djaou
أشكرك جدا نور
لم ولن يدرك الأب أن قسوته حتماً ستنتقل إلى أحد أبناءه دون أن يكون هناك رغبة في ذلك من الابن ..
جميلة هي كلماتك ، والأجمل منها تلك الأنامل التي خطّت لنا هذه الكلمات الرائعة
دامت كلماتك وخواطرك أيتها الفتاة القاسية رغماً عنها ..
1
Salsabil Djaou
حقا أحيانا تنتقل القسوة إلى الأبناء ،لكن أجد بطلة القصة منصفة ، بالتأكيد أنا كاتبة القصة و لست بطلتها ،فوالدي أروع من أن أكتب عنه و أكبر من كل حروفي ،مرحبا بكاتب من أرض فلسطين الغالية على منصتنا الرائعة ،وفقك الله أخي الكريم.
موسى ابراهيم
أهلا وسهلا بكِ أخت سلسبيل
راوية وادي منذ 1 شهر
تصوير صادق كمرآة لكثير من البيوت العربية، حيث المطلوب هو التأقلم مع الواقع على رغم مرارته و ليس محاولة تغييره كما فعلت بطلة القصة. أن تبدأ بنفسك و تدفع الثمن من قدرتك و مشاعرك و قراراتك المستقبلة تضحية كبيرة و جسيمة و لكنها مهما تكون ستبقى أهون من تسكت على الظلم و الهوان. جيل جديد من فتياتنا يرفضن الخضوع تحت مظلة الحب المقنع أو الأمومة أو الأبوة المزيفة لأنهن يرفضن أن يكن مثل أمهاتهن أو أن يرتبطن بأزواجن كآبائهن. لا يمكن أن نعتبرهن متمردات أو خارجات عن نظام المجتمع و العادات لأن الأسرة و المجتمع أجبرهن على هذا القرار الظالم لهن بالدرجة الأولى. هذه القصة من أجمل و أصدق ما قراءت، بالتوفيق و بانتظار المزيد سلسبيل.
1
Salsabil Djaou
و الله أسعدني مرورك جدا و تشرفت به سيدتي ، كلماتك الطيبة مشجعة حقا ، أشكرك على التعليق الذي أثرى المقال ، تقبلي فائق تقديري أستاذة راوية .
أسلوبك في الكتابة ، القصة، السلاسة في الكلام كل ذلك ينُم عن جمال و روعة ابداعك و قدرتك الكتابية الرائعة ...
دمت وجها للجمال في الأدب و الكتابة
1
Salsabil Djaou
تشرفت بكلماتك الطيبة أختي أشواق ، سعيدة لأن كلماتي نالت استحسانك ،أرجو لك أيضا كل التوفيق ،بانتظار مقالاتك القادمة ،فائق تقديري.
أحسنت..استمري ، فالقلم يترنم تحت أناملك
1
Salsabil Djaou
أقدر لك دعمك جدا دكتورة سميرة فتشجيعك و آخرين من الكتاب الرائعين في البداية شجعتني على الاستمرار ،أشكرك على مرورك العطر ،أسعدتني ،كل التقدير والإحترام سيدتي الكريمة.
hiyam damra منذ 2 شهر
الله ما أروع القصة وانسيابها الجميل والذكي ولغتها وأسلوب المعالجة، وما أروع ما حملته من معاني سامية ومن بث ايجابي لتقدير دور الأم في وطننا العربي التي يعظم دور الرجل المتسلط ويصفه بالقوة والرجولة وهو عنها بعيد.. لقد أنصفت الأم المقهورة التي تقدم التضحيات المتواصلة ولا تجد من الزوج سوى الجحود فالأبناء هنا عليهم ألا يزيدوا على الأم متاعبها وأن يكونوا منصفين لحقوقها عليهم حماة لها.. أبدعت عزيزتي وأجدت المسار
1
Salsabil Djaou
و ما أروع مرورك سيدتي القديرة، أحمد الله جدا لأنه أكرمني بأب نادر الوجود ، و قد سمعت ملاحظة لسيدة عن أبيها فاجأتني و أوحت إلي بفكرة القصة ، فالغصة بقيت رغم مرور السنوات ،الأب هو الصديق والناصح و الحازم اذا ما تطلب الأمر لكنه الحنون لزاما ،تعليقك أثرى المقال و أسعدني أوافقك تماما على انصاف الأم و حمايتها اذا ما تعرضت للأذى ،كل تقديري أستاذتنا الفاضلة.
ابو البراء منذ 2 شهر
قد اكون تأخرت قليلا عن قراءة مقالك ولكني اجزم انك صاحبة قلم متألق .. بالتوفيق ومزيد من التقدم .
1
Salsabil Djaou
تشرفت بمرورك أستاذ أبو البراء ، سعيدة بالتعليق المشجع من صاحب أحد أروع الأقلام على المنصة ،أشكرك جدا على المتابعة ،بانتظار مقالاتك ،فائق التقدير سيدي الكريم.
Abdou Abdelgawad منذ 2 شهر
قصة مركزة معبرة وجميلة فى موضوعها واسلوبك البليغ فى التعبير لفت نظرى وجعلنى اتعايش بكل احاسيسى مع كل كلمة فشعرت وكانك لاتكتبين قصة بل تروين سيرة ذاتية وهذا التقمص هو النجاح الحقيقى لكاتبة متمكنة الا ان الخاتمة جعلتنى افيق واشعر بشخصيتك باسلوب خطابى فيه النصيحة وقلبت القصة مقالا ، وكان من الأحرى جعل كل هذا الحوار داخليا فى اعماق بطلتك أو من خلال محاورتها مع احد شخوص القصة .
وهذا فى النهاية مجرد رأى متواضع هدفه الرغبة فى مزيد من التقدم لكاتبة جميلة ، فكلامى لن يقدم أو يؤخر شيئا فى كونك متألقة دائما بأفكارك ، أرجو لك وللجميع كل التوفيق
2
Salsabil Djaou
أشكرك جدا أستاذنا على النصيحة و سأتبعها بإذن الله فهي في محلها ،هي ملاحظات تفيدني جدا ، اشكرك على تشجيعك و على تعليقك القيم أستاذ عبد الجواد ،بانتظار مقالاتك ،تقبل فائق تقديري.
Salsabil Djaou
لقد تابعت بأسلوب السرد في آخر فقرة ،و أجد القصة فعلا أحسن أشكرك جدا على النصيحة القيمة و سأحاول اتباعها في كتاباتي.تحياتي استاذنا.
المعتقدات القديمة التي يعيشها الفرد محاولاً ألا يعيشها مستقبلاً في حياته الخاصة تنعكس وتحدث بأشكال أخرى دون أن يكن يتمنى لها أن تحدث ، هناك الكثير من الدراسات النفسية أثبتت ذلك ،، قصتكِ رائعة وجميلة ،القطعة الأخيرة من النص ليست وحدها كل دروس القصة ، هناك دروس أخرى في أحداث القصة ، رائعة أنتِ،، استحوذت عليّ قصتك ببلاغتها ، وعمقها ، وجمالها ، حتى أنني قرأتها أكثر من ثلاث مرات يا سلسبيل ،، ابدعتي أتمنى أن أقرأ لك الاجمل جميلتي .
2
Salsabil Djaou
صباح الخير يسرى ،كلماتك هو أول ما قرأته في هذا الصباح الجميل جمال روحك ،أشكرك على تعليقك المحفز ،بالفعل ما يعيشه الفرد خاصة في اولى سنوات عمره أو بعدها يؤثر مباشرة على طريقة تفكيره و رؤيته للأمور ،بانتظار مقالاتك يسرى ، فائق تقديري.
روحي لله أبثها
ماااشاءالله روووعة عجبتني حقاا القصة
سلمت الانامل التي خطت هذا الجمال .
ونسجت من الاحرف بديع اللوحات
دام عطائك العذب
ودمت نجما لامعا فى سماء الروقان

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا