كتقلبات الفصول , أصبح هو حال الإنسان .. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

كتقلبات الفصول , أصبح هو حال الإنسان ..

  نشر في 03 نونبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 16 نونبر 2018 .

لهيب لا ينطفأ تشتد به نيران الغضب , نسمات هادئة لا تنم عن قيام أي عاصفة وهياج لن يهدأ , بدايات برود لا يُثير العنف والضيق , ثم الصقيع الذي لن ترى الإنسان فيه إلا مجرد جسد يغدو في الحياة بلا أي إنفعال أو رد فعل .. 

كلها مراحل تمر به وهو لا يشعر بذلك , هو فقط يسير مع التيار ويحسبه نتيجة أفعاله , ولكن الحقيقة مختلفة وما خفي كان أعظم , فإذا كانت للحياة فصول تتغير بموعد مُحدد , ويستحيل أن يتبدل فصل مع فصل أخر , أو يجئ في موعد قبل موعده المُقدر , أو حتى يعتذر عن القدوم تحت أي عذر من أعذار الطبيعة , فـ البشري أيضاً له فصول تجئ طبق موعدها المُحدد , وبحسب كل فصل تتضح ملامح وتكوين شخصيته أشد الوضوح , بل وتجد أن لغزه بدأ ينكشف أمامك بمنتهى البساطة , كيف ذلك ؟ , كيف يُمكن لإنسان لا حول له ولا قوة أن يكشف أسرار النفس البشرية لإنسان أخر يختلف عنه كل الإختلاف ؟! , نعم أنت لا تتفق معي وأنا لا أتفق معك , أنا وأنت لنا شخصيتنا المستقلة , الآن أنت تمر بفصلك الخاص , وأنا كذلك , فكيف نتفق إذاً والحالة مُتنافرة كل التنافر ؟! , ولكن إن أردت أن تكتشف السر فاتبعني , قد تجد الحل لهذا اللغز الأصعب من لغزك أنت من الأساس ! ..

أنت , ضائع بين لحظاتك الغريبة تلك !

أتتذكر تلك اللحظات بين كل فصل و الأخر ؟ , بين فصل الصيف وفصل الخريف على سبيل المثال ؟ , تجد ان الوضع يتغير وتشعر بذلك التغيير , تشعر أن الطقس بدأت حرارته تنخفض , وأوراق الأشجار التي لطالما زينت الطبيعة بألوانها الخلابة , خضراء لامعة تنتشر عبر الطرق وتبعث فيك كل معاني الجمال , وبرغم حرارة الجو القاسية وخيوط الشمس التي لم تكتفِ بفرض سيطرة أشعتها الذهبية عليك , بل وجعلك تفقد توازنك أياماً لشدتها , إلا أنك تجد في ذلك الفصل نوعاً من أنواع البهجة , ملحوظة " كلامي موجهة لأنصار فصل الصيف وفقط فإن كنت من أنصار الشتاء فعليك التغاضي عن كلماتي التي لا جدوى لها لديك " , زهور , حمراء قوية اللون , تسر الناظرين , وتُبهرنا بقدرة الخالق في إبداع لا ينتهي , ولن يُكرر , هي لوحة الطبيعة التي لن تقوى كل أيادي الفنانين على وضع ريشتهم الفنية بها , هي لوحة إستثنائية , حرارة الفصل لن تترك بحالك ! , مع الأسف أنت مُجبر على الخروج يومياً لتواجه ذلك الطقس بمفردك , تُعافر من أجل الوصول لمقصدك , إن كان عملاً أو مكان لتلقي العلم , وفي الحالتين لن تجد سوى شعور واحد وفقط " الضيق والتعب والإجهاد " , الشعور الذي يولد داخلك بمجرد أن تستيقظ من نومك حتى ! , فما بالك بتلك المعركة العنيفة ؟ , التي تستقل فيها زمام الأمور وحدك وساحتها " طريق الحياة " , تعود إلى منزلك فتُغير محل إقامتك وتصبح " ثلاجتك " , نعم , فما لك سواها بعد تلك الرحلة المُهلكة لأعصابك كل يوم , فهل تجد شيئاً أجمل من أن تقضي ساعات وساعات وأنت تروي عطشك بماء مُثلج ؟ , هو الإنتصار الذي تطمح له منذ أن حل عليك هذا الفصل المُخيف رغم تفتح زهوره رائعة الألوان ! , وبعد أن تقضي أياماً واسابيعاً وشهوراً وأنت تُعافر تلك الحالة القاسية , وتتقاذفك رياح دافئة مُقدمة من الحياة , ثم يأتي الغيث فجأة , ورغم معرفتك ودرايتك بموعد قدومه ولكنك يأست في قدومه أشد اليأس ولم يكن في حُسبانك أن يفي بوعده وينقذك أخيراً , فقد أصبحت شمعة تحترق وأنت تبغض أن تحترق من أجل شئ , انتشلتك بعض النسمات الباردة , كأنها قطرات ماء إخترقت جوفك بعد أن قضيت قروناً ضائعاً بين رمال صحراء جرداء لا زرع بها ولا ماء ! , هذا الإختراق هو المحبب لقلبك حينها , وتلك النسمات هي الأقرب لروحك أيضاً , فقد جف عرقك الذي فاض على جبينك كأنه يحاول إغراقك فيه ولكن كتلتك ظلت تطفو على سطحه في مقاومة حتى مجئ طوق النجاة , وقد جاء , فلتبتهج إذاً الآن , فهو الخريف يا سادة , الذي يُبدل شعورك بالضيق والحنق إلى القليل من الراحة والهدوء , ولكنه هدوء ليس مُكتملاً ! , في الخريف أنت مُشتت , لا تدري , هل تخرج للحياة بملابسك الصيفية أم الشتوية ؟ , هو فصل وسطي , يفصل بين نيران الغضب , وبرودة الأعصاب , فقط فيه قليلاً من التوازن , الذي ستألفه , ولكنه فصل الحيرة , فصل التردد , كيف تغدو بتلك الحياة إذاً بعد أن تغيرت الأحوال هذا التغير وإن كان طفيفاً , لقد تعودت على حالة الضيق , والخروج بكامل غضبك وأنت مُرغم على مُقاتلة شمس الكون , وحرارتها التي لا تعرف معنى للرحمة بصغارها البشر , فبعد كل ذلك تجد أن الشمس بدأت تهدأ وتستسعيد خيوطها بعد أن نثرتها عليك , وحرارتها قد إستيقظ ضميرها وانسحبت قليلاً حتى تمنحك بعض السعادة " المؤقتة " لرحيلها , كيف تتأقلم على هذا الوضع المُفاجئ وأنت المسكين ؟! , ولكنك مع كل صباح , ومع كل نسمة باردة إلى حداً ما تبدأ بالتأقلم , تتلقى تلك النسمات بصدر رحب , تسمح لها أن تصفع وجهك ولا ترد لها الضربة أضعاف مُضاعفة , أصبحت في تلك الحالة مُستسلماً وهو الإستسلام الوحيد الذي لا ضعف فيه .. أرأيت لقد تأقلمت أخيراً ..

ولكن .. هل تحسب أنها النهاية ؟! ..

الخريف , الذي تسير معه بمرونة وسلاسة , وتنتظر الُمفاجأة التي على وشك المجئ هي الأخرى , التي ينتظرها أنصارها على احر من الجمر الآن وأراهم من وراء شاشتي الصغيرة , ولكن قبل أن تحل المفاجأة , فتبدأ التغيرات الجديدة التي تعصف بك أنت , أتتذكر حينما أخبرتك أنك بنسمات الخريف أصبحت كمن وجد مصدر ماء في عمق الصحراء ؟ , نعم لقد أصبحت هكذا ولكن أتتوقع أن تظل على تلك الحالة طويلاً ؟ , بالطبع لا , فالتغيرات الجديدة أشد قسوة , أكثر صرامة , الطبيعة الآن إتخذت بعض القرارات القارسة التي لا مفر من تنفيذها , ولن تقوى على الفرار منها , قرارات الطبيعة ليست بمجرد قرارات وحسب , فكل قرار له أكثر من أثر على نفسك , أثر إيجابي وأخر أشد من السلبية نفسها ! , القرارات تتمثل في : سلب حرارة الشمس " وهو الأثر الإيجابي والخبر السعيد الذي إنتظرته منذ زمن " , ولكن هل تعتقد أن غياب الشمس سيبعث فيك أي مظهر من مظاهر الدفئ , وإن كانت الأسرة والأصدقاء والبشرية بأكملها يلتفوا حولك في محاولة لتدفئتك ؟! , إذاً أول قرار قد نُفذ , قرارها الثاني : تيارات وعواصف لن تهدأ " لمُحبي البرد , أنتم الآن على موعد مع مطبات هوائية تقذفكم لأخر الدنيا " , قرارها الأخير : هو منحك شيئاً من برودها القارس , نعم لقد عُرف الشتاء ببرده القارس الذي لا يحتمله إلا الأقوياء , أصحاب الهمم القوية والإرادة العالية , وأصحاب المدفأة التي لا تتعطل يوماً أيضاً , ولكن هل مررت بذلك الشعور الذي وجدت فيه " اللامبالاة " قد سيطرت عليك ؟ , لا تكترث لأي شئ ولا تُعطي الأمور أي إهتمام ؟ , حالة من الهدوء , هدوء لم تعهده يوماً , تتلقى خبر إستبعادك من وظيفتك كأنك إستقبلت خبر ولادة إبنك مثلاً , تبتسم وتستمر في سيرك , يمر عليك أخر الشهر وأنت لا تعبأ هماً لما في جيبك , وإن كان فارغاً فما الداعي لتنزعج حتى ؟! , هو مبدأك حينها " طنش تعش تنتعش " , لا تعبأ حتى لملابسك , التي تفننت في نهشها أتربة العالم , وتمادت إطارات السيارات في وضع لمسات الطرق الممتزجة بمياة الأمطار بها كأنها لوحة الطبيعة الآن ولكنها قد وجدت مكاناً أخر لتستقر فيه , بنطالك ! , ولكنك تحت تأثير اللامبالاة لا تشعر أن الطرق تكتظ بتلك السيارات من الأساس ! .. برود قارس , أرأيت كيف أصبحت ؟ ..

تمر الأيام , وتتفتح زهورك من جديد ..

وبعد شهور , تعود الحياة لتتلون بتلك الألوان التي لا حضر لها , كل مشتقات الألوان تجد الزهور تتلون بها , وأنت لا تعرف سوى الأخضر والأحمر والأزرق , أرأيت أنت مسكيناً حتى في العلم بأبسط الأشياء ؟ , ومع تفتح كل زهرة , تعود أنت لحيوتك من جديد , ويبدأ تأثير مخدر اللامبالاة في الإضمحلال والإنحلال حتى تفيق من جديد , وتجد كرنفالات الطبيعة قد بدأت , هنا وهناك , لعب ومرح , الدنيا ربيع , أصوات السندريلا تعلو , وأعياد الربيع تتفتح هي الأخرى , فتستنشق روائح الزهور التي تبعث في نفسك السعادة , والشمس تعود لتُدفئك من جديد ولكن ليس بتلك الدرجة التي تُحرقك فيها كما وجدت في صيفك , الآن أنت في حالة النشوة والسلام , الضيق الصيفي إنحرق , التردد الخريفي إختفى , اللامبالاة الشتوية تحللت , والآن أنت في حالة مختلفة وهي حالة الإزدهار ..

والآن , ما هو موضعك في فصولك أنت ؟ ..

أتشعر أنك تمر بحالة سعادة وترى الحياة كلها أزهار وألوان وحب وإقدام ؟ , ترى الفراشات تنتشر وتغزو عالمك الصغير ؟ , أم تجد أن عاصفة الغضب على مقربة منك ؟ , وعلى وشك أن تُهدد إتزانك وحرارة ضيقك بدأت ترتفع ؟ , أم الحيرة والتردد والضياع أصبح هو المسيطر الوحيد عليك ؟ , ولا تقوى حتى على أخذ قراراً بالإنسحاب عنه ! , أم أنك تنظر لكل هذه الأسئلة نظرة لامبالاة كأنك لا تراه من الأساس ؟! ..

كن على يقين من هذه الحقيقة ..

أنت جزءاً من الطبيعة , والطبيعة تتبدل , فكيف لك أن تظل كما أنت مدى الدهر ؟! , ولكنك تتفاعل مع تغير الطبيعة تفاعلاً ملائماً حتى تستطيع أن تعبره بسلام , وأنت كذلك , تعامل مع التغيرات التي تطرأ عليك بالشكل الأمثل وكما يجب , حينها وفقط لن تجد سوى رحلة مختلفة ممتعة قد مررت بها وخرجت منها بدروس وعِبر , وتذكر , لا تحسب نفسك خارج حدود التغيرات , أنت التغير الوحيد الذي لا ثبات له ..


  • 6

   نشر في 03 نونبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 16 نونبر 2018 .

التعليقات

د.سميرة بيطام منذ 1 أسبوع
كعادتك رائعة ..
أعتقد أن تقلبات الانسان في آخر الزمان كألف فصل بحسب الحاجة و المادة و المصلحة..أتساءل بيني و بين نفسي أين تدور بوصلة القيم و الأخلاق..أرجو أن تكون التلقبات كعدد الفصول الأربعة ربما نستطيع التأقلم مع الحرارة و البرد و الغيم و الشمس
أحسنت يا غالية نورا ..استمري.............قبلة تقدير على رأسك الشامخ شموخ الأهرام.
2
نورا محمد
كلماتك شرف لي دكتورتي الغالية , وتعليقاتك تُزيد المعنى إشراقاً وتوهجاً , فكيف لحروفك الذهبية أن تمر دون أن ترتقي بفكرنا لأعلى المراتب الإبداعية ؟! .. أنتِ لي " منبع الإبداع " غاليتي , دُمتِ لنا فخراً لما تبعثيه من أفكار وأخلاق رفيعة وشخصية لن تتكرر كثيراً بزمننا هذا :)
لينة بغدادي منذ 2 أسبوع
مقال رائع اخت نورا فعلا الطبيعة تحمل الكثير من الصور وكأنها صور مصغرة لنا ...وقد حكت بعض صورها في سطور بصفحتي تحت عنوان عشق الطبيعة أحب لو تقرئيها ان وددت .....دام فكرك اخت نورا يخط لنا أجمل المقالات
3
نورا محمد
صدقتِ سيدة الفكر الراقي .. كالعادة كلماتك مُفعمة بالإبداع والرقي , بارك الله فيكِ وزادك من العلم والثقافة والفكر المُستنير :)

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا