رجال المصباح - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

رجال المصباح

رجال المصباح

  نشر في 23 ماي 2017 .

.........................

تقول الأسطورة ...

أنه في أحدى البُقاع البعيدة القابعة بين الأشجار توجد مدينة لا يطفئ سراجها في الليل ... و كأنها من بعيد أملً أبدي ... نجمةٌ ساطعة وسط ظلام هالكٍ حالك ... لم يقصدها أحد ... لا أحد فيها سوى سُكانها الذين وجِدوا منذ نعومة أظافر الزمان ...

يقول عجائز المدينة كل غريب أتي لا يظهر إلا في الليل ... و يبدأ برحلة إنارة فوانيس المدينة و تبديل الشموع الذائبة ... و يبقى النور في المدينة حاضر ...

في يوم قد ضاقت الأرض بتائه رحلت الحياة عنه ، فحطت قدامه على مشارف تلك المدينة المضيئة المنسية ، فدخل فيها باحثاً عن نفسه و عن أمل قد تاه منه و ضاع ...

ثم أخذ بالتجوال بين الأزقة ، نظر لإحدى النوافذ فوجد عائلة تجتمع حول مائدة للعشاء و الإبتسامة تعلو وجوههم و كأن القمر استل يداه ليرسم على تفاصيلهم الإبتسامة و تعلو الضحكات ...

و بضع خطوات دنى من بيت آخر فوجد فيه عجوزين يجلسان على كرسيين قديمين ، السلال فيهم مهترئة يهتزان على نبضات قلوب ضعيفة ، يمسكان بيدٍ كوب ساخن و باليد الأخرى تتشابك الأيدي ، و قطة عجوز بينهما على مخدة ... و على الجدران صور لأبنهما تملأ كل زاوية و كل طاولة و على البيانو المغلق كأنه أغلق منذ زمن ... و كأن الشمس أسدلت شعاع دفئها على وجوههم الهرمة فتمتلئ بالحب و النور و السعادة ...

فمر ببيت يسكنه فتاة و شاب متزوجان حديثاً ليراه ينزل و يقبل بطنها المنتفخ الذي يقطن فيه المولود المنتظر ، يمسك بيدها و يجلسها على الأريكة و يجلس بجانبها فيمسك كتفها بكل عاطفة و يشدها إليه و يقبل جبينها ، يسود بينهما صمتً لذيذ ... و كأنهما السماء و الأرض كلٌ منهما يحتضن الآخر معلناً بداية قصة عشق أرجوانية .

مشى و اليأس يثقل حركته و يملئ خطواته بالألم ... ليجد مقعداً على أطراف الطريق ، ذهب إليه و جلس و نظراته تبحث عن هويته بين ورق الأشجار المتساقطة ، ليرفع رأسه بعد برهة الضياع تلك و بدقة لاحظ أن بجانب كل بيت مصباحٌ مضيء ، فنهض و وقف على الكرسي و مد جسده ليرى تفاصيل الشوارع العريضة القصيرة تلك ، فرأى أن ترتيب البيوت لكل بيت مصباح زجاجي بداخله شمعة .

وبينما هو يتمعن بالتفاصيل فشاهد من بعيد رجلٌ يمشي متثاقل الخطوات متكأ على عصا و بفمه سيجارته و على خاصرته راديو قديم و على صدره سلسله بها ساعة قديمة و كأنها من العصور الوسطى ، و يحمل على ظهره سلم صغير مطوي ، و بيده الأخرى خشبة مشتعلة و كلبه الطاعن بالسن يمشي و يقف معه ...

كان يمشي قليلاً و يقف عند كل مصباح ، فينزل من على ظهره السلم و يصعد ثم يخرج من حقيبته شمعة جديدة يشعلها و يأخذ بالقديمة و يرميها ، ليننير الضوء الذي انطفئ ، و البيت المطل على المصباح يلوح له من بعيد و يتسمون و يحضرون له ما تبقى من طعام الموائد له و لكلبه ...

أما الشاب كان يراقب من بعيد و بكل فضول لمعرفة من هذا العجوز و ماذا يفعل و ما هي تفاصيل حياته ... قد أنساه الفضول ألمه ... فتتبعه بصمت وهو يراقب كل تحركاته و تبديل المصابيح حلتى آخر مصباح ... ظل يتبعه حتى وصل إلى كوخ صغير على طرف القرية الجنوبي ... و كان العجوز قد شعر أن هناك من يلاحقه و كأنه ظله أو ضميره فصمت و أكمل طريقه و كلبه بهدوء ... فأنز السلم من على ظهره و الحقيبة من على كتفه و وضع الراديو على جذع شجرة ثم أخذ بصحن صغير و وضع طعام لذلك الكلب المتعب و ضحك و قال بصوتٍ ساخر :

" ألم تتعب خطواتك من كثرة الفضول "

الشاب : " فضولي بك أنساني تعاستي سيدي "

العجوز : " هههههههه فكيف إن عرفت ما أتيت من أجله "

الشاب : " سأرحل عنك لعذابي من جديد "

العجوز : " و إن قلت لك لا رحيل بعد المعرفة "

الشاب : " فمك يمطر بكلام يروي لي عطشي سيدي "

العجوز : " لا تلعني بتأثير تعاستك قد أسحرك بسعادتي "

الشاب : " أهكذ يكون بدياة التعارف ! أتعارفٌ هذا أم سجال ؟ "

العجوز : " ههه هو الإثنين يا بني هو الإثنين ، فأنت اليوم هنا و قد كنت يوماً هناك "

الشاب : " لم أفهمك !!! كيف هنا و هناك !!! تتحدث ألغاز يا سيدي "

العجوز : " ألغاز !!! لقد كنت في يوم بمكانك أنت الآن "

الشاب : " لا أدري ، هل أضعتك أم أضعتني بالحديث؟؟؟ "

العجوز : " بل وجدتك و وجدتني "

الشاب : " من أنت يا سيدي "

العجوز ( و قد أخذ نفس طويل و هو يجلس و يتلمس ظهر كلبه ) : " أنا يا بني من أهمله حظه ، و رحل عنه الأمل ، و ناداه قدره و بعدها ... بات سعيداً "

الشاب : " أنت سعيد !!! "

العجوز ( وهو يسعل بقوة أثناء إشعاله سيجارته التي لم يعد يعرف عددها ) : " أن تهب للناس نوراً يضيء حياتهم الكئيبة هذه قمة سعادة التعساء "

الشاب : " أي حياة كئيبة هذه !!! كل البيوت التي رأيت كانت مليئة بالإبتسامة و الحياة و الحب "

العجوز ( يهز رأسه باستهزاء و ينفخ دخان سيجارته ) : " أرأيت تلك البيوت التي اعتقد أن سكانها سعداء كلٌ منهم له تعاسة تغمر قلبه ، لكنهم لم يسلموا أرواحهم لشياطين اليأس و لا لأشباح الظُلمة ، كما حدث لنا نحن ، لذا النور الذي أشعله أنا كل ليلة هو تذكرة العبور لعالم الضياء عالم النور حيث لا ظلال و لا أشباح ولا يأس و لا خوف "

الشاب ( مندهشاً ) : " أتلك العائلة تعيسة ؟؟؟ و العجوزين تعساء ؟؟؟ و الشاب و الشابة ؟؟؟ كيف !!! كيف و أنا رأيت الحياة تشع من بيوتهم و كأن الحب لم يخلق إلا لهم !!! "

العجوز ( مستهزئاً ) : " مسكينٌ أنت يا فتى ، تعاستك مهاما كان أسبابها قد أعمتك عن وقائع الأمور ...

أما عن تلك العائلة ما هي إلا عائلة فقيرة معدومة يأتيها الطعام من البيوت المحيطة بها فينتظروا ذاك الأب المريض العاجز ليأكلو سوياً بأبسط مستويات السعادة لكن بحب .

أما عن العجزوين المحطمين لفقدان إبنهما الذي ذهب للحرب و لم يعد إلا برداءٍ أبيض و دفنوا تاريخه بيدهما ما تبقى تلك الصور ، ذاك الوقت الذي لن يعود ، تاريح رحل مع هجرة الطيور ، كل ما يرتطم بجدار التذكرة هو مجرد صور .

و الشاب و الشابة الذان تزوجا حديثاً و فضلوا حبهما على عصبية الأهل المتصارعة بين ذاتها بين المال و السلطة و المنطقة ، قد كسروا كل القيود و رحلوا هم يعانون ألم الإشتياق بانتظار مولدهما الأول الذي لا جد له و لا جدة .

و ماذا أقول لك عن عجوز القرية التي رحل عنها أولادها و تركوها لوحدها تهذي ألم الذكرى ، أم الخباز الذي فقد زوجته بعد 50 سنة من رحلة عمر ، و الكثير من قصص البيوت الحزينة الذي حارب أصحابها التعاسة و الظلمة و الرحيل بالنور فقط "

الشاب ( بذهول ) : " كيف تعلم كل هذه القصص !!! "

العجوز : " أنا هو ذاك الشاب الذي أتى منذ زمن لا أذكر متى كان ، أتى بتعاسته للقرية التي لا يطفئ نورها و قابلت ذاك العحوز مع هذا الكلب و تلك الساعة بفمه ، و حدثني عن القرية و قصصها كما أحدثك الآن و بعدها رحل عن الظلام و ترك لي كل ما أملك أنا الآن ، قد حان الوقت أيها الشاب قد حان لتأخذ أنت ما أخذت أنا "

الشاب : " ماذا !!!! ما الوقت الذي حان !!!! ماذا سآخذ !!! "

العجوز ( بحنان ) : " ألم أقل لم سابقاً أنت اليوم هنا و أنا قد كنت هناك "

العجوز يكمل : " بين عتم الليل الذي أضئت بشموعي و ظلمة قلوب الناس هناك نور لن يجده إلا باحث تعيس ناسياً ماضيه هارباً من حاضره تاركاً للمستقبل خطاويه التي أحضرته إلى هنا ليصبح واحداً من رجال المصباح "

... ... ... فجأة هبت رياح محملة بغبار مضيئ كضوء القمر ... ... ...

نهض العجوز متثاقلاُ و اقترب من الشاب و طبطب على كتفه بابتسامة و حب ، و تقدم ببضع خطوات متثاقلة إلى الأمام و فتح يديه للسماء و هو ينظر للقمر و تلك الرياح تزداد من حوله و تشكل دوامة تلامس كل جسده ، و كل شيء تلامسه نم جلده يتحول إلى ضياء .

بقيت الرياح تحوم حوله إلى أن نظر إلى الشاب نظرة أخيرة و ابتسم وقال بصوتٍ كالصدى " أكمل " و اشتدت الدوامة إلى أن تحول جسده إلى ضياء يصعد نحو القمر و يزداد به نوره ... حتى اختفى جسده تماماً ...

و بنما وقف الشاب مذهولاً بما قد رأى ، أتاه ذاك الكلب حاملاً سلسلة في فمه بساعة العجوز القديمة ليضعها بين قدمي الشاب و هو ينظر له بعينين ذابلتين و جلس بين قدميه ينتظره ليلتقطها ...

فأخذها الشاب و دخل ذاك الكوخ مع الكلب و أغلق الباب ...

و مر أربعون شتاءً و أربعون ربيعاً و أربعون صيفاً و أربعون خريفً ... حتى أتى شاب تعيس بذات التفاصيل لذات الهدف و ذات الرحيل و ذات الكلب الذي يحمل ذات الساعة .دينة لا يطفئ سراجها في الليل ... و كأنها من بعيد أملً أبدي ... نجمةٌ ساطعة وسط ظلام هالكٍ حالك ... لم يقصدها أحد ... لا أحد فيها سوى سُكانها الذين وجِدوا منذ نعومة أظافر الزمان ...

يقول عجائز المدينة كل غريب أتي لا يظهر إلا في الليل ... و يبدأ برحلة إنارة فوانيس المدينة و تبديل الشموع الذائبة ... و يبقى النور في المدينة حاضر ...

في يوم قد ضاقت الأرض بتائه رحلت الحياة عنه ، فحطت قدامه على مشارف تلك المدينة المضيئة المنسية ، فدخل فيها باحثاً عن نفسه و عن أمل قد تاه منه و ضاع ...

ثم أخذ بالتجوال بين الأزقة ، نظر لإحدى النوافذ فوجد عائلة تجتمع حول مائدة للعشاء و الإبتسامة تعلو وجوههم و كأن القمر استل يداه ليرسم على تفاصيلهم الإبتسامة و تعلو الضحكات ...

و بضع خطوات دنى من بيت آخر فوجد فيه عجوزين يجلسان على كرسيين قديمين ، السلال فيهم مهترئة يهتزان على نبضات قلوب ضعيفة ، يمسكان بيدٍ كوب ساخن و باليد الأخرى تتشابك الأيدي ، و قطة عجوز بينهما على مخدة ... و على الجدران صور لأبنهما تملأ كل زاوية و كل طاولة و على البيانو المغلق كأنه أغلق منذ زمن ... و كأن الشمس أسدلت شعاع دفئها على وجوههم الهرمة فتمتلئ بالحب و النور و السعادة ...

فمر ببيت يسكنه فتاة و شاب متزوجان حديثاً ليراه ينزل و يقبل بطنها المنتفخ الذي يقطن فيه المولود المنتظر ، يمسك بيدها و يجلسها على الأريكة و يجلس بجانبها فيمسك كتفها بكل عاطفة و يشدها إليه و يقبل جبينها ، يسود بينهما صمتً لذيذ ... و كأنهما السماء و الأرض كلٌ منهما يحتضن الآخر معلناً بداية قصة عشق أرجوانية .

مشى و اليأس يثقل حركته و يملئ خطواته بالألم ... ليجد مقعداً على أطراف الطريق ، ذهب إليه و جلس و نظراته تبحث عن هويته بين ورق الأشجار المتساقطة ، ليرفع رأسه بعد برهة الضياع تلك و بدقة لاحظ أن بجانب كل بيت مصباحٌ مضيء ، فنهض و وقف على الكرسي و مد جسده ليرى تفاصيل الشوارع العريضة القصيرة تلك ، فرأى أن ترتيب البيوت لكل بيت مصباح زجاجي بداخله شمعة .

وبينما هو يتمعن بالتفاصيل فشاهد من بعيد رجلٌ يمشي متثاقل الخطوات متكأ على عصا و بفمه سيجارته و على خاصرته راديو قديم و على صدره سلسله بها ساعة قديمة و كأنها من العصور الوسطى ، و يحمل على ظهره سلم صغير مطوي ، و بيده الأخرى خشبة مشتعلة و كلبه الطاعن بالسن يمشي و يقف معه ...

كان يمشي قليلاً و يقف عند كل مصباح ، فينزل من على ظهره السلم و يصعد ثم يخرج من حقيبته شمعة جديدة يشعلها و يأخذ بالقديمة و يرميها ، ليننير الضوء الذي انطفئ ، و البيت المطل على المصباح يلوح له من بعيد و يتسمون و يحضرون له ما تبقى من طعام الموائد له و لكلبه ...

أما الشاب كان يراقب من بعيد و بكل فضول لمعرفة من هذا العجوز و ماذا يفعل و ما هي تفاصيل حياته ... قد أنساه الفضول ألمه ... فتتبعه بصمت وهو يراقب كل تحركاته و تبديل المصابيح حلتى آخر مصباح ... ظل يتبعه حتى وصل إلى كوخ صغير على طرف القرية الجنوبي ... و كان العجوز قد شعر أن هناك من يلاحقه و كأنه ظله أو ضميره فصمت و أكمل طريقه و كلبه بهدوء ... فأنز السلم من على ظهره و الحقيبة من على كتفه و وضع الراديو على جذع شجرة ثم أخذ بصحن صغير و وضع طعام لذلك الكلب المتعب و ضحك و قال بصوتٍ ساخر :

" ألم تتعب خطواتك من كثرة الفضول "

الشاب : " فضولي بك أنساني تعاستي سيدي "

العجوز : " هههههههه فكيف إن عرفت ما أتيت من أجله "

الشاب : " سأرحل عنك لعذابي من جديد "

العجوز : " و إن قلت لك لا رحيل بعد المعرفة "

الشاب : " فمك يمطر بكلام يروي لي عطشي سيدي "

العجوز : " لا تلعني بتأثير تعاستك قد أسحرك بسعادتي "

الشاب : " أهكذ يكون بدياة التعارف ! أتعارفٌ هذا أم سجال ؟ "

العجوز : " ههه هو الإثنين يا بني هو الإثنين ، فأنت اليوم هنا و قد كنت يوماً هناك "

الشاب : " لم أفهمك !!! كيف هنا و هناك !!! تتحدث ألغاز يا سيدي "

العجوز : " ألغاز !!! لقد كنت في يوم بمكانك أنت الآن "

الشاب : " لا أدري ، هل أضعتك أم أضعتني بالحديث؟؟؟ "

العجوز : " بل وجدتك و وجدتني "

الشاب : " من أنت يا سيدي "

العجوز ( و قد أخذ نفس طويل و هو يجلس و يتلمس ظهر كلبه ) : " أنا يا بني من أهمله حظه ، و رحل عنه الأمل ، و ناداه قدره و بعدها ... بات سعيداً "

الشاب : " أنت سعيد !!! "

العجوز ( وهو يسعل بقوة أثناء إشعاله سيجارته التي لم يعد يعرف عددها ) : " أن تهب للناس نوراً يضيء حياتهم الكئيبة هذه قمة سعادة التعساء "

الشاب : " أي حياة كئيبة هذه !!! كل البيوت التي رأيت كانت مليئة بالإبتسامة و الحياة و الحب "

العجوز ( يهز رأسه باستهزاء و ينفخ دخان سيجارته ) : " أرأيت تلك البيوت التي اعتقد أن سكانها سعداء كلٌ منهم له تعاسة تغمر قلبه ، لكنهم لم يسلموا أرواحهم لشياطين اليأس و لا لأشباح الظُلمة ، كما حدث لنا نحن ، لذا النور الذي أشعله أنا كل ليلة هو تذكرة العبور لعالم الضياء عالم النور حيث لا ظلال و لا أشباح ولا يأس و لا خوف "

الشاب ( مندهشاً ) : " أتلك العائلة تعيسة ؟؟؟ و العجوزين تعساء ؟؟؟ و الشاب و الشابة ؟؟؟ كيف !!! كيف و أنا رأيت الحياة تشع من بيوتهم و كأن الحب لم يخلق إلا لهم !!! "

العجوز ( مستهزئاً ) : " مسكينٌ أنت يا فتى ، تعاستك مهاما كان أسبابها قد أعمتك عن وقائع الأمور ...

أما عن تلك العائلة ما هي إلا عائلة فقيرة معدومة يأتيها الطعام من البيوت المحيطة بها فينتظروا ذاك الأب المريض العاجز ليأكلو سوياً بأبسط مستويات السعادة لكن بحب .

أما عن العجزوين المحطمين لفقدان إبنهما الذي ذهب للحرب و لم يعد إلا برداءٍ أبيض و دفنوا تاريخه بيدهما ما تبقى تلك الصور ، ذاك الوقت الذي لن يعود ، تاريح رحل مع هجرة الطيور ، كل ما يرتطم بجدار التذكرة هو مجرد صور .

و الشاب و الشابة الذان تزوجا حديثاً و فضلوا حبهما على عصبية الأهل المتصارعة بين ذاتها بين المال و السلطة و المنطقة ، قد كسروا كل القيود و رحلوا هم يعانون ألم الإشتياق بانتظار مولدهما الأول الذي لا جد له و لا جدة .

و ماذا أقول لك عن عجوز القرية التي رحل عنها أولادها و تركوها لوحدها تهذي ألم الذكرى ، أم الخباز الذي فقد زوجته بعد 50 سنة من رحلة عمر ، و الكثير من قصص البيوت الحزينة الذي حارب أصحابها التعاسة و الظلمة و الرحيل بالنور فقط "

الشاب ( بذهول ) : " كيف تعلم كل هذه القصص !!! "

العجوز : " أنا هو ذاك الشاب الذي أتى منذ زمن لا أذكر متى كان ، أتى بتعاسته للقرية التي لا يطفئ نورها و قابلت ذاك العحوز مع هذا الكلب و تلك الساعة بفمه ، و حدثني عن القرية و قصصها كما أحدثك الآن و بعدها رحل عن الظلام و ترك لي كل ما أملك أنا الآن ، قد حان الوقت أيها الشاب قد حان لتأخذ أنت ما أخذت أنا "

الشاب : " ماذا !!!! ما الوقت الذي حان !!!! ماذا سآخذ !!! "

العجوز ( بحنان ) : " ألم أقل لم سابقاً أنت اليوم هنا و أنا قد كنت هناك "

العجوز يكمل : " بين عتم الليل الذي أضئت بشموعي و ظلمة قلوب الناس هناك نور لن يجده إلا باحث تعيس ناسياً ماضيه هارباً من حاضره تاركاً للمستقبل خطاويه التي أحضرته إلى هنا ليصبح واحداً من رجال المصباح "

... ... ... فجأة هبت رياح محملة بغبار مضيئ كضوء القمر ... ... ...

نهض العجوز متثاقلاُ و اقترب من الشاب و طبطب على كتفه بابتسامة و حب ، و تقدم ببضع خطوات متثاقلة إلى الأمام و فتح يديه للسماء و هو ينظر للقمر و تلك الرياح تزداد من حوله و تشكل دوامة تلامس كل جسده ، و كل شيء تلامسه نم جلده يتحول إلى ضياء .

بقيت الرياح تحوم حوله إلى أن نظر إلى الشاب نظرة أخيرة و ابتسم وقال بصوتٍ كالصدى " أكمل " و اشتدت الدوامة إلى أن تحول جسده إلى ضياء يصعد نحو القمر و يزداد به نوره ... حتى اختفى جسده تماماً ...

و بنما وقف الشاب مذهولاً بما قد رأى ، أتاه ذاك الكلب حاملاً سلسلة في فمه بساعة العجوز القديمة ليضعها بين قدمي الشاب و هو ينظر له بعينين ذابلتين و جلس بين قدميه ينتظره ليلتقطها ...

فأخذها الشاب و دخل ذاك الكوخ مع الكلب و أغلق الباب ...

و مر أربعون شتاءً و أربعون ربيعاً و أربعون صيفاً و أربعون خريفً ... حتى أتى شاب تعيس بذات التفاصيل لذات الهدف و ذات الرحيل و ذات الكلب الذي يحمل ذات الساعة . 


  • 1

  • Dialah Shash
    Dialah Shash Syria Damascus Writing articles, short stories and poetry
   نشر في 23 ماي 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا