إمامُ المسجدِ ودوْرُهُ المفقود - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

إمامُ المسجدِ ودوْرُهُ المفقود

  نشر في 23 يوليوز 2018  وآخر تعديل بتاريخ 31 يوليوز 2018 .

جاء في صحيح مسلم رحمه الله قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم -: يَؤمُّ القومَ أقرَؤُهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً، فأعلَمُهم بالسُّنة، فإن كانوا في السُّنة سواءً، فأقدَمُهم هجرة - يعني من بلاد الكُفر إلى بلاد الإسلام - فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سِنًّا - وفي رواية: سِلمًا أي إسلاماً- ولا يَؤُمَّنَّ الرَّجلُ الرجلَ في سلطانه - يعني مكان سُلطَتِه كَبَيْتِهِ أو ولايته -، ولا يقعد في بيته على تَكْرُمَتِه إلاَّ بإذنه )

مِمَّا سبق يتبيَّن أن الإسلام حرص على توفر مجموعة من الشروط في الشخص الذي يؤم المسلمين في الصلوات ، فليس كل شخص يصلح أن يكون إماما والمسألة لها شروط وضوابط ، فالإمام هو أقرأ الناس لكتاب الله أي أكثرهم حفظا لكتاب الله وهو أعلمهم بالسنة وهو أكبر القوم سنا في الغالب ، ويتفاضل الناس فيما يتعلق بالإمامة حسب الشروط الموضوعة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن تساوى المتقدمون في شرط ينظر إلى الشرط الذي يليه للترجيح وهكذا..

وفي وقتنا هذا تقوم الحكومات بتوظيف أئمة المساجد وتجري عليهم الرواتب بعد أن يتخرجوا من الكليات الشرعية ويتم إعدادهم لهذه المهمة الجليلة، وبالتالي لم يعد هناك مجال أمام الناس في الاختيار والترجيح إلا في غياب هذا الإمام الراتب المعين من قبل الحكومة، ولا يجوز تجاوزه حتى ولو كان هناك في المسلمين من هو أعلم منه وأفقه.

ومع أن المهمة الأساسية للإمام هي إمامة الناس في الصلاة إلا أن مهامه لا تقتصر على ذلك فالإمام معلم وواعظ ومصلح، يربي عقولاً، ويبنى نفوساً ويغرس قيماً وأخلاقاً حميدةً، فهو مسؤول عن تعليم الناس أمور دينهم بما لديه من علم ، وهو مسؤول عن الإجابة عن استفسارات رواد المسجد فيما يتعلق بالأمور الشرعية والأمور الحياتية التي تصادفهم ، وهو مسؤول عن توثيق أواصر المحبة والأخوة بين المصلين ، وهو مسؤول أيضا عن رعاية شباب الحي الذي يقيم فيه وحمايتهم بالتوجيه الدائم والمستمر وإقامة البرامج والأنشطة التوعوية التي تخدمهم وتصنع منهم رجالا صالحين يساهمون في بناء أوطانهم حتى لا يقعون فريسة في أيدي المنحرفين من أهل الشهوات من جهة أو الذين يفسرون الدين على أهواءهم من جهة أخرى.

الملاحظ في هذه الأيام أن كثيرا من أئمة المساجد لا يعرف خطورة مهمته ودوره الحقيقي المنوط به لخدمة دينه وأمته ، فتجد الإمام لا يدخل المسجد إلا للصلاة فقط في وقت الإقامة ، وقلما يجلس بعد انتهاء الصلاة ، فهو آخر الناس دخولا للمسجد وأولهم خروجا ، وتجد أن أكثر رواد المسجد لا يعرفونه ولا يعرفهم وليس بينه وبينهم علاقة فهو يأتي إلى المسجد لأداء وظيفة لا أكثر ، وقد أوجد ذلك فجوة كبيرة وهوة سحيقة بين الإمام والمأموين ، فليس هناك أي نوع من التواصل بينه وبين رواد مسجده، فلا هو يتفقد غائبهم ولا يعود مريضهم ولا يعلم جاهلهم ، وليس له دور يذكر في تعليم وتثقيف الشباب ونشر الوسطية بينهم ، بل إن بعضهم ربما تخلف حتى عن كثير من الفروض لقضاء مصالحه الشخصية أو يكون كثير الأسفار يترك مسجده أياما وأسابيع فيجتهد الناس في اختيار من يؤمهم في الصلاة بعد أن يعيهم الانتظار .

كنت أصلى العصر يوما في أحد المساجد وجاء الإمام كعادته بعد نصف ساعة من الأذان وأقيمت الصلاة وبعد أن سلم التفت إلى المأموين وأمسك بكتاب جواره وأخذ يقرأ حديث أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه قالَ: قال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم: (إنَّ اللهَ يُبْغِضُ كُلَّ جَعْظَرِيِّ جَوَّاظٍ سَخَّابٍ بالأسواقِ جِيفَةٍ بِالليل حِمارٍ بالنَّهارِ عالمٍ بأمرِ الدُّنيا جاهلٍ بأمرِ الآخِرة) صحيح ابن حبان

ثم أغلق الكتاب وانصرف دون أن يعلق على الحديث أعلاه ولو ببيان معاني الكلمات الواردة فيه، فقمت خلفه مسرعا حتى أدركته وسلمت عليه وهو تبدو عليه علامات القلق وأمارات العجلة، فسألته أليس من الأفضل أن تبين للناس معاني مفردات الحديث فهل تعتقد أن الناس يفهمون معنى كلمة ( جعظري ) وكلمة ( جواظ ) فرد على بأن المطلوب منه فقط هو قراءة الحديث وليس شرحه للناس . لم أناقشه كثيرا وتركته وانصرفت وأنا أقول في نفسي أي نوع من الأئمة هذا وهل يظن أنه يقرأ الحديث على الأصمعي والخليل بن أحمد الفراهيدي وسيبويه، وأين قيامه بالأمانة المنوطة به من تعليم الناس وتثقيفهم ورعايتهم في أمور دينهم.

إن هذا وأمثاله من الأئمة الذين بلينا بهم في مساجدنا هم أساس نكبتنا في كثير من الأمور، فقد تركوا شباب الأمة فريسة للفرق المنحرفة وأصحاب العقول المريضة الذين يكفرون الناس ويستحلون دماءهم المعصومة، فلو أن كل إمام قام بواجبه في مسجده وأدى الأمانة الملقاة على عاتقه لما انحرف شبابنا يمنة ولا يسرة، ولما وجدنا جيوشا من الجهلة الذين يخرجون هنا وهناك على القنوات وفي وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة يعادون دينهم ويتندرون على ثوابت الدين


  • 4

   نشر في 23 يوليوز 2018  وآخر تعديل بتاريخ 31 يوليوز 2018 .

التعليقات

بارك الله فيك حبيبنا كثير من الائمة اليوم يقتاتون من الوظيفة فقط و لا يؤدون دورهم في بناء الانسان لو عدنا للتاريخ فالقصة كلها بدات من قباء و سطع النور الى يوم القيامة اما اليوم فنقول عندنا صل و خذ حذائك بارك الله فيك و نتمنى ان يعود الامام اماما و المسجد مسجدا و ليس مصلى سلام
2
جهلان إسماعيل
للأسف هذه هي الحقيقة في معظم مساجدنا وفي أغلب بلادنا الإسلامية. أشكرك على مرورك الكريم وجزاكم الله خيرا
عمرو يسري منذ 2 شهر
مقال رائع عبّر عن كل ما بصدري.
للأسف صارت إمامة المساجد الآن مجرّد وظيفة بأجرٍ وهو ما أفقدها بريقها. والأسوأ أن الأئمة أنفسهم لا يعرفون مدى خطورة دورهم. وللأسف في المسجد الذي أصلي به دائماً ما يتغيّر الأئمة الذين تعيّنهم وزارة الأوقاف حتى صرنا لا نعرف اسم الإمام الحالي بل في كثيرٍ من الأحيان لا يأتي الإمام ويصلي بالناس أي شخص.
بالتوفيق وفي انتظار كتاباتك القادمة.
2
جهلان إسماعيل
أشكرك على مرورك الكريم وجزاكم الله خيرا

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا