فتاة .. في قبضة النصيب .. " قصة قصيرة " . - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

فتاة .. في قبضة النصيب .. " قصة قصيرة " .

وراء كل فتاة قصة .. ووراء كل قصة " نصيب " اكتمل أو لم يكتمل ..

  نشر في 07 شتنبر 2018 .

أخبرتها والدتها ذات ليلة شتوية بنسمات هادئة لم ترتفع لمرتبة السقيع الشتوي وتيارات الرياح الباردة الخبر الأصعب على الإطلاق , الخبر الذي لطالما كانت تفر منه كأنه الوحش المُخيف الذي كانت تقص عليها والدتها حكايته وهي طفلة حتى تفر خوفاً إلى نوماً طويلاً دون أن تُزعجها بهُراءات تلك المرحلة الطفولية البحتة , أصبح هروبها من هذا الخبر بمثابة الهروب الوحيد الذي لا تدري توجهاته , لا تدري إلى أين ستفر منه وإلى أين ستختفي عن أنظاره هذا الشبح الفظيع , قالتها الأم بنفس تنتفض بالغيظ المخفي , وشق صدرها سيف الحزن العنيف الذي أخذ يسلب منها راحة بالها وسعادتها لم تعد تشتعل وتتوهج كما قبل ..

ألم تدري أن إبنة خالتك ستعقد حفل خطبتها يوم الأحد القادم ؟ ..

 " هي لم تقل الخبر بهذه السلاسة والمرونة التي قرأته بها , بل بكلمات تزداد إحتراقاً لتُعلن عن إحتراق نفس الأم هي الأخرى حيال أمر إبنتها التي تراه في نظر الكون كله : خايبة " .. صمتت الفتاة لحظات في شرود تام ولم تنطق بحروف واحد , أخذت تتذكر ذكريات إبنة الخالة معها التي لم تُكمل حتى الآن إلا الواحد والعشرون عاماً وفقط ! , تذكرتها منذ أن كانت رضيعة لا تقوى على تحرير الكلمات من جوفها , كانت كل آمالها أن تجد من يُجاري عقلها البدائي ويعبث معها مُرتيداً قناع الرضا عما يفعله , والحقيقة أنه لو يقوى على إعادتها لرحم أمها من جديد فلن يتأخر عن فعل ذلك ! , تذكرت فترة مُراهقتها , وكم تبدلت من طفلة مُدللة إلى فتاة أكثر دلالاً عما كانت عليه ! , كانت الأصغر بين أخواتها , ولكنها لطالما كانت الوحيدة في قلب الأم والأب وستظل كذلك حتى الممات , شعرت أن العمر يتسارع حقاً , كم أصبح سريعاً لدرجة أنه قد يجرف في طريقه من لم يستطيع إستغلاله ! , وأدركت أنها على وشك أن تُجرف بتياره ! , ظلت على شرودها هذا ولم تلتفت للأم , الأم التي كانت تجلس أمامها في وضع إستعداد للإنقضاض عليها لتُلقنها درساً جديداً في كيفية الإيقاع بشريك العمر , ظلت ترمقها بنظرات قاسية قد حسبت أنها بها ستجعل الفتاة تشعر كم هي مُذنبة في حق نفسها وفي حق الجميع , ولكن الفتاة ظلت صامتة ولم تتفوه بحرف إلى أن تحررت الكلمات وتراقصت أحبالها الصوتية لتُحرر رد فعلها أخيراً ..

إخبريها مباركتي لها , وكم أنا سعيدة لسماع ذلك , ولكني لم أستطيع الحضور لظروف عملي وإنتي على دراية كم يكون عملي شاق .. 

" حجة ومبرر لن يُجدي نفعاً يا فتاة , فالعمل الذي تتحدثين عنه لطالما بغضتيه وودتي أن تستقيلي منه البارحة قبل اليوم , فهل سيُعقل أن الأم ستتفهم الأمر وتقل لكِ : كان الله في عونك ؟! , بهيئتها هذه لا أتوقع إلا أنها ستنهال عليكِ بكلمات لن تقع على مسماعك مُجدداً فكان الله في عونك حقاً " ..

وجدت الأم رد الفتاة رداً فاتراً بارداً يخرج من شخصية لامبالية بالأمور , ساذجة بمسئوليات الحياة , مسئوليات الحياة تلك قد تلخصت في مسئولية واحدة فقط لدى الأم " الزواج ورؤية الأحفاد قبل الممات " , لم تعي أن الفتاة تقع في صراع عنيف يزداد سوءاً وإضطراباً يوماً بعد يوم , لا يعلم عنه أحد أي شئ أو أي تفاصيل , أرض المعركة كانت هي المُحارب الوحيد الذي يدافع عنها ! , والحياة بأكملها كانت الطرف الآخر الذي قد تسلح بأكبر الأسلحة والمُعدات والهدف واحد , تدميرها تدمير أبدي والغريب أن الأم هي من يمد الحياة بأسحلتها ضد إبنتها ! , الأم التي هي مصدر الأمن والأمان تبدلت الآن وأصبحت منبع كل خوف وفقدان ثقة , ولكن وبرغم ذلك كانت الفتاة تُعاند من أجل البقاء حتى آخر لحظة في أرض المعركة , وإن لم تفز بها فـ على أقل تقدير ستثبت للعالم بأكلمه أنها تحمل روح شجاعة لم تيأس ولم تنسحب , هي لم تنس " البقاء للأقوى " , وهي الأقوى بنفسها التي لا تعجز عن الإصرار ولن تعجز أبداً ..

تركتها الأم مُتغافلة عن رد فعلها الذي لم تستسيغه لحظة وقررت ألا تُحدثها في تلك الأمور من جديد , فقد فقدت الأمل حيال أمرها وإن استمرت فيما تفعله معها حتماً سينتهي أمرها أما بذبحة صدرية أو بجلطة , غادرتها ونفسها تزداد غصب وعقلها يضطرب بالفكر والتساؤلات بشأن مستقبلها الذي لم تجد له ملامح حتى الآن , وبرغم مركزها المرموق في عملها وبرغم حائط غرفتها الذي يكتظ بشهادات تقدير وجوائز حصلت عليها كنوع من التقدير عما كافحت لأجله , إلا أن مستقبل إبنتها الحقيقي في نظرها هو زوجها وأولادها , أحفادها التي تيقنت الآن أنها لن تراهم أبداً إذا كانت إبنتها تغدو في الحياة بنفس العقلية العملية وتستمر في إلغاء نبض قلبها ! , ولكنها غادرت وأقسمت ألا تُحدثها من جديد في أي أمر يرتبط بموضوع الإرتباط ..

قضى كلاً منهما ليلته في حيرة عنيفة , وتساؤلات أعنف كادت أن تُفجر رأسهما تفجيراً لن يستطيعوا بعده لملمة أشلاؤه , فكر لم يخلد إلى النوم ولن يفعل ذلك في تلك الليلة المُضطربة , التي كانت تسير على النهج الهادئ ولكن كله تبدل بعد هذا الخبر الذي عصف بهدؤء الجميع حينها , كما كانت قوية تلك الفتاة ! , كانت تتلقى كل خبر وخبر بنفس هادئة وثغر مُبتسم , لم يكن في حُسبانها أن الحياة ستجد أن هذه الإبتسامة كناية عن القبول والرضا فتفتيض عليها بتلك الأخبار التي أخذت تُبدل إبتسامتها , مرة بالصمت ومرة بالإنصراف , لقد تمادت الحياة في نهش سعادتها , ولكنها استمرت في إيمانها ويقينها أنها ستجد من يُشاركها رحلة حياتها يوماً ما , وستجده حينما يدق النصيب بابها وفقط , كان هذا الأمر الوحيد الذي يبعث في نفسها الطُمأنينة بعد كل خبر يسلب منها الإتزان , فتجد أن الأمر لن يكن إلا عندما يقل له الله كن فيكون , وبرغم علم الأم بهذه الحقيقة وإيمانها الشديد بكل حرف فيه , إلا أنها كمثل كل أم أم تود أن تطمئن على إبنتها قبل فوات الآوان , ومع كلمات من الأسرة والجيران والأصدقاء وجدت أن عقل والدتها تم الإستحواذ عليه بأفكار العنوسة التي ظلت تُعاني من آثارها منذ زمن , وكانت الأم لا تجد في ذلك إلا أنها تستعطفها مرة بكلمات حانية ودموع تجعل القلب يُزلزل , ومرة أخرى بالمناقشات القاسية التي تتحول لمناظرات بين الأم وإبنتها في إنتظار من سيفرض وجهة نظره , وفي النهاية لم تُثبت أي وجهة نظر وينصرف كلاً منهما إلى غرفته وتشتعل حروب فكرية ونفسية من جديد ! ..

انقضت الليلة , وأتى الصباح ليفرش اشعة سمشه التي تحمل الطابع البارد الخفيف , والنسمات التي تبدأ في التصاعد مع كل لحظة , وتركت الفتاة غرفتها وبدأت في تحضير امورها من أجل الإنصراف إلى العمل كعادة كل يوم , وكعادة هذه الظروف لم تكن الأم تستطيع أن تدع إبنتها تنصرف دون أن تُحضر لها فطورها وتأمرها أن تُطمئنها عليها بمجرد وصولها للعمل , إنه قلب الأم يا سادة الذي مهما اشتاط غيظاً من إبنتها يعود ليشاط خوفاً وحباً عليها , فأومت برأسها أنها ستتصل بها وتناولت فطورها وأغلقت باب الشقة في هدوء كالعادة , ولكن ما حدث أن باباً آخر قد فُتح لها , باباً لن يُغلق أبداً ..

وصلت مكتبها وأوفت بوعدها تجاه والدتها , وبعد أن جلست لتبدأ في خوض حرباً جديدة مع الملفات والإيميلات , تقدم زميلتها الحسناء التي تبلغ من العمر " خامسة وعشرون عاماً " , " المُتزوجة منذ أن وصلت فتاتنا إلى عملها هذا وكانت حينها أقل سناً منها بكثير " ! , لتُخبرها خبراً جديداً ولكنه لم يكن خبراً كخبر الأمس الذي قلب حال البيت رأساً على عقب ..

ألم تدري ؟ , لقد وصل للتو مُديراً جديداً لفرعنا هذا وسيبدأ من اليوم العمل , ويود أن ننطلق الآن لمكتبه حتى يعقد إجتماعاً يسرد فيه خطتنا في العمل للمرحلة القادمة , وجلسة تعارف ايضاً , فهلا تُنجزي أمورك سريعاً لتنضمي إلينا ؟ ..

قالتها ولم تنتظر الإجابة , فهي على علم أن فتاتنا لن ترفض أي شئ طالما يتعلق بالعمل وسيره , وبالفعل أنجزت كل امورها وانطلقت نحو المكتب الذي إمتلئ بكل الموظفين , المُبتدئ منهم وأكبر منصب أيضاً , فجلست بهدوء كالمعتاد في ترقب لهذا الكيان الجديد الذي سيخوض معهم مرحلة عملية جديدة ..

وبعد أقل من شهر ..

الأم تتصل بأختها لتُخبرها عن شئ لطالما إنتظرته , ألم تُدركوا الآن ما هو الخبر ؟

الخبر الذي سيُعيد فرحة الأم من جديد , الذي سيجعلها تتيقن هي الأخرى أن النصيب يأتي بموعد مقدر له , وحينما يأتي سيأتي تعويضاً عما فات , نعم لقد تم عقد خُطبة الفتاة الهادئة ذات النفس الراضية المُبتسمة بمُديرها الجديد , ومن هنا , أتى النصيب في لحظة دون سابق ترتيب له , فأتت معه سعادة الأسرة بأكملها ..



   نشر في 07 شتنبر 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا