دوامة الزمن ! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

دوامة الزمن !

  نشر في 21 أكتوبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 23 أكتوبر 2018 .

لم يكن الأمر بهذه البساطة ..

لطالما كانت المواقف هي الأشد تأثيراً على البشري , لطالما تركت داخله فيضاناً من الذكريات واللحظات التي لا يُمكن أن تُنسى , والأخرى التي تتسارع من أجل الخروج من حيز الذاكرة , تختلف الذكرى , ويتشابك الأثر , فتراكمات الذكريات ليست بالأمر الهين على نفس البشري المسكين , ذكرى مؤلمة يليها ذكرى عنيفة ثم ذكري قاسية , هل تحسب أن النفس البشرية البريئة قادرة على حمل تراكمات هذه الذكرى والسير بها في طريق الحياة بمنتهى السهولة كأن شيئاً لم يكن من الأساس ؟! , العجيب أن حتى الذكريات السعيدة تراكماتها في نفس البشري كفيلة أن تسلب منه بعض الإتزان , فهي تعمل كمصفاه , تحجز السعادة فقط ودون ذلك تقذفه خارجاً , وليس من الإتزان أبداً أن يحيا البشري بشعور واحد ويتغاضى عن نقيضه وإن كان مُهلكاً له , ولكن الزمن يحمل معنى كبير بين دقات عقاربه لنا , يتبدل وينطلق من نقطة النهاية ! , هي ذات النقطة التي يبدأ من خلالها رحلته اليومية يعود لها من جديد في نهاية المطاف , حاملاً ذكريات لا حصر لها , وبذكريات الزمن تستتر في نفس البشري بعض الأثار , منها المبهج الذي يأبى أن يتحرك خطوة نحو سلة مُهملات الذاكرة , ويُحذف كلياً , ومنها الذي يُزيد البشري إضطراباً ويبعث فيه كل معاني الضيق , رحلة الزمن التي تستغرق ساعات قليلة خلال يومك والتي تحسبها رحلة لا جدوى منها , فاليوم ينتهي ويبدأ الغد بنفس التفاصيل المُملة ونفس الأحداث الروتينية ونفس الأشخاص وأنت كذلك تصل للحظة تبغض فيها وجودك المُتكرر , فهل أفقت يوماً ما ووجدتك قد تبدلت لنسخة من صديقك المقرب ؟ , لا , أنت كما أنت لا تغيير فيك , ولن يحدث ذلك من الأساس ..

ولكن وبرغم تلك الصورة المُزيفة عن زمنك , ستظل الحقيقة جلية لا يُمكن الإستهانة بها , حقيقة الزمن المُتغير , الذي يتبدل كل لحظة تمر عليك ولكنك لا تشعر بذلك , فـ آفاق عقلك مهما اتسعت فلن تبلغ الأقصى , وإن بلغت الأقصى فلن تقوى على فهم ما توصلت إليه فهماً دقيقاً كما يجب , صورة مُشوشة لا وضوح فيها , كأنك ترتدي نظارتك البصرية التي تجعلك قادراً على مُسايرة الحياة ولكنك لا تقوى على رؤية تفاصيلها بوضوح , تشويش تشويش تشويش ! , وأنت الآن عزيزي الإنسان على قيد هذا التشويش الذي لابد أن يُزال تدريجياً حتى تلتفت لتلك الحقيقة التي تنتظر فقط إنطلاق إدراكك نحوها .. فهل أنت على إستعداد لإزالة الغبار الذي يحجب عن وعيك حقائق لا نهاية لها ؟ ..

أتتذكر ذلك اليوم ؟ ..

يوم مر عليك بتفاصيل أزعجتك وأرقت ذهنك كثيراً , تفاصيل كفيلة أن تسحب بُساط السعادة من تحت أقدام روحك , وتستبدلها بأشواك تُدمي أناملك , تجعلك عاجزاً عن الحركة وتصبح الخطوة البسيطة نحو البداية مجرد حلم لن تصل إليه مهما امتلكت من قوى الحياة مُنتهاها , تفاصيل بدلتك من شاب يفتخر بعضلاته وبقوته ويسير بين البشر في ثقة , واثق الخطوة يمشي ملكاً , كأنها قد قيلت في وصفك حينها , تبدلت في تفاصيل ذلك اليوم إلى رجل ينتظر الموت ولا ينتظر سواه , قوته تبدلت إلى ضعف , وضعفه أصبح العار الوحيد على البشرية ! , فكيف للبشرية أن ترتضي بوجود ذلك المسكين الذي لا طائل ولا منفعة من وجوده ؟ , لا يقوى حتى على إقتناص نسمات الحياة لما في رئتيه من أمراض الكوكب برُمته ! , جسده المُغطى بالعضلات التي تُرهب كبيراً كان أو صغيراً تضاءلت الآن واصبح جسده يُغطيه بقايا عظام مُتحللة ! , فقط تتلاصق مع بعضها البعض في محاولة منها على تثبيت أرجاء كيان ذلك الكائن الذي لا يستحق أن يُطلق عليه بشري لما هو عليه من حالة يُرثى لها ! , نعم , التفاصيل قادرة على فعل ذلك ! ..

لمَ التعجب والإندهاش الذي يرتسم على ملامحك أيها القارئ ؟ , فقد مررت بتلك اللحظة خلال زمنك ولا تُحاول مجرد المحاولة لرفض تصديق ذلك أو الإنكار لها , فمن منا لم يشعر بأنه قد غطى رأسه المشيب قبل الأوان ؟ , اللحظات القاسية وحدها قادرة على فعل ذلك وبإقتدار , بل أن هناك لحظات كثيرة تُبدلك للحالة الأصعب , الحالة التي تشعر فيها بموتك , وأنت لا تزال على قيد دُنياك ! , وتلك الحالة هي الأغرب حقاً , فكيف لجسد يُلامس ماديات الحياة , ونبض لم يتوقف صداه لحظة , وفكر لن يستسلم في رحلة بحثه عن الإبداع , كيف لكل هذه الإثباتات عن وجود الإنسان حياً يُرزق أن تُمحى وتتبدل لنهايته ؟! , كيف يُعقل ذلك ؟ , ومن سيُصدق تلك التفاهات ؟! , أتراني قد دُفنت ومضى على رحيلي أربعين يوماً حتى تقل علي ذلك ؟! , هو رد فعل منطقي لكلام غريب تقرأه الآن , ولكنها الحقيقة التي لابد أن تُزيل الغبار عنها , أتتذكر ؟ ,رؤية مُشوشة ..

وعلى الجانب الآخر ..

السعادة هي عنوان تفاصيل يومك , قلب ينتفض بالحياة , يكاد يُشق من الفرح , ويجن جنونه من شده الحيوية التي منحتها الحياة له , الحياة التي تكرمت ومنحته بعضاً من الحياة ذاتها , الحياة التي سلبت منه الحياة قد أفاضت عليه الآن بما يجعل الإبتسامة تدب ملامحه من جديد , كأنه لم يولد مسبقاً , وكأن يومه هذا بتفاصيله المبهجة هي أول لحظاته في الحياة , تبدلت الآن أيضاً , ولكن تبدلك عكسي , أنت الآن تعود للخلف , لسنوات مضت وإنقضت , عدت للبداية , بكاء ولادتك لم تسمعه الحياة من شدة الفرح المستقر داخلك في تلك اللحظة , فكيف لك أن تبكي وقلبك يتراقص بين ضلوعك في خفة ومرونة ؟! ..

وبين الحالة الأولى والثانية , يقع الإنسان في قبضة الزمن ..

الزمن الذي يلعب به لُعبة غريبة , يلهو به كأنه طفل لم يبلغ من العمر ما يُعد على أصابع اليد الواحدة حتى ! , يتقاذفه بين الحين والأخر كأنه قد امتلكه وأصبح هو سيده الذي لن يستطيع البشري رفض أي طلب من طلباته , مهما كلفه الأمر , فهو المُنفذ الخاضع لأوامر الحاكم : " هيا فلتبتسم الآن , فهديتك هي لحظات سعادة مُقدمة برعايتي , وبعد أن تستلم هديتك , عد إلي حتى أسلبها منك وأمنحك لحظات أخرى لن تقوى على تحملها " , وبعد كل ذلك وتقل لي أن الزمن ثابت لا يتغير ؟ , تقل أن الروتين ينهش في لحمك ولا يتركك سليماً ؟ , تقل لي أن الساعات تنقضي كأنها كالجبال لا تتحرك إلا بذرفك لدموعك لتستعطفها وتُثير الشفقة فيها حيال أمرك ؟ , كيف ذلك ؟! , ألا تتذكر حينما قلت ذات يوم لأصدقائك : إن الساعة تمر معي كأنها ثانية من فرط سعادتي , ألا تتذكر أيضاً تلك اللحظة التي قلت لنفس الأصدقاء ذات يوم : لا أقوى على التحمل , الحزن يقتطف زهرة أحلامي ولا يقبل بالرحيل , إن الساعة تمر كأنها سنين يا رفاق !! ..

وبعد كل ما قيل , تعود أدراجك لتقل : إن الزمن لا يتغير , وإن اليوم يمر كأنه نسخة طبق الأصل من الأمس ونموذج مبدأي للغد ..

احذر الآن .. فالغبار بدأ يُزال ..

بعد أن تأكدت أن الزمن يتبدل , كما تتبدل أنت مع كل لحظة تمر , فما عليك إلا أن تُدرك قيمته أشد الإدراك , لا تتركه يمر دون أن تستغله الإستغلال الأمثل , فكما يتغير , هو أيضاً لن يعود .. وإن أضعته , كن على يقين أنك ستجد نفسك ضائعاً في دوامته التي لا خلاص منها ..


  • 4

   نشر في 21 أكتوبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 23 أكتوبر 2018 .

التعليقات

استمري...اثبتي..ارتقي بثقة.
1
نورا محمد
وكيف لي ألا أرتقي و داعمتي بجانبي .. وجودك يُزيدني قوة وتماسك غاليتي , دُمتِ لي السند والعون والداعم الأول :)
لينة بغدادي منذ 11 شهر
فعلا اخت نورا فالزمن يمشي والايام تمر و الدقائق تتسارع ونحن معه سائرين فعلينا ان نبلغ التوافق معه فنعيش كل يوم وكل دقيقة بكل ما في ارواحنا ..دام قلمك اخت نورا ااااا
1
يسعدني ويشرفني مرورك لصغحتي وقراءة ما اكتب لقد نشرت مقال جديد من (كتاباتي ) تأليفي ..
1
نورا محمد
بكل تأكيد أختي الغالية , ولي الشرف بقراءة كلماتك الجميلة الراقية وعلى يقين أنها ستُذهلني لبلاغتها ومضمونها الهادف :)
روحي لله أبثها
ماشاءالله عليج هذه كتاباتك انتي تكبينها
نورا محمد
نعم هي كتاباتي ولي كل الشرف بمرورك الكريم .. وأعتذر إن كان ردي متأخراً , بعتذر جداً وكل الشكر لذوقك :)
حقاا النفس البشرة لا تتحمل كل هذاا .. الحمدالله على نعمة الأسلام الأن وجود الله بحد ذاته يزيل كل الغبار والهم والحزن وننظر للحياة بمنظور ايجابي ومشرق
أعجبني المووووضوع
أحييك اختي العزيز من القلب
مقال متميز لغةً و بوحاً و ذكريات
قرأت كلماتك بشغف و حب
ورأيتها تعكس روحاً رقيقةً شفافةً تقف وراء
كل حرف و كلمة..
تحياتي القلبية لك
1
نورا محمد
بارك الله في عمرك .. ولكم مني جزيل الشكر والتقدير لكلماتك الجميلة الراقية , وقرائتك لكلماتي تُزيدها جمالاً وتًزدني سعادة حقيقية :)
روحي لله أبثها
الله يسعد قلبك دومااا ..

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا