جمال وروعة الإبل في فكر الأدباء - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

جمال وروعة الإبل في فكر الأدباء

حسن غريب

  نشر في 04 ديسمبر 2020 .

جمال وروعة الإبل في مؤلفات الكتاب والشعراء 

بقلم / حسن غريب أحمد

كاتب وناقد وباحث مصري

______________________________

***الصفات الجمالية فى الإبل : :

من المزايا التى يتمتع بها الجمل أنسجة الخف ، التى تحتفظ بجزيئات الماء فى شكل سلاسل ملتفة – حول بعضها ، يمتصها الدم عند الحاجة والضرورة فتنفك السلاسل.

كما أن ارتفاع الجمل وحول قوائمه يبعد جسمه عن ذرات الرمال المتحركة تحته،كما أن طول عنقه الشامخة إلى أعلى بالإضافة إلى تغطية جفن العين برموش طويلة ، وصغر الأذن وتغطيتها بالشعر ، وشق الأنف بدلاً من المنخار المعروف فى الكثير من الحيوانات ، واكتساء جسمه بالوبر ، وانعدام الغدد العرقية فى جلد الجمل إلا على السطح البطني وخفة الأسفنجى اللين الذي يساعده فى السير على الرمال ، وكل هذه الميزات جعلت من الجمل حيواناً مع البيئة الصحراوية ويستحق لقب (( سفينة الصحراء )) عن جدارة

كذلك الجمل المرتفع القامة ذو القوائم الطويلة فى شكل أحادي لا تخطىء وبعنقه الطويل ، وشكل رأسه ، وشق منخاره ، وبقمة سنامه

هذا بالإضافة إلى تميز الإبل عن بقية الأنعام و الحيوان عموماً عن فوائد عديدة للإنسان

**الناقة فى الشعر الجاهلي:

لم يلق حيوان اهتماماً ، لدي الشعراء فى العصر الجاهلي ، مثل ما لاقت الناقة ، إذ قلما تخلو قصيدة من ذكر لها ، سواء كان وصفًاً مباشراً أم تشبيهاً لحيوانات أخري بها

ولا ريب أن هذه الأهمية أتت من طبيعة الحياة آنذاك ، ففى تلك الصحاري المترامية الأطراف فى الجزيرة العربية ، لا توجد وسيلة لاختراقها و التنقل عبرها إلا الناقة ، فضلاً عما يستفيده العربي من لحمها ولبنها ووبرها ، فى تلك الأرض الشحيحة الرزق القليلة العطاء

فلا يستغرب بعد ذلك أن يعدها أثمن ما لديه من مقتنيات ، وأن يجعلها دائماً نصب عينيه لا يفرط بها مهما كانت الأسباب ، وما أكثر ما كانت تقوم الخلافات حولها ، وما أكثر المعارك التى احتدمت من اجل الاستيلاء عليها ، ولما كانت للناقة تلك المكانة ، فى نفوس العرب الجاهلين ، فقد جعلها الشعراء مدار وصفهم تارة ومدار فخرهم تارة أخرى

ولعل خير شاهد نجده على ذلك قول أبى رؤاد الإيادي : :

إبلي الإبل لا يحوزها الراعــــــــون مج الندى عليها المـــــــــــدام

سمنت فاستحش أكرعها إلا النى م نى ولا السنــــــــــــــام سنام

فإذا أقبلت تقــــــــــــــــــول : إكام مشرفات : بين الإكام إكــام

وإذا أعرضت تقـــــــــــــــــول : قصور من سماهيج فوقها آطـــــــــام

وإذا ما فجئتها بطن غيب قـــلت : نخل قدحـــــان منهــــــا صرام

أرأيت إلى شاعرنا كيف صور لنا نوقه مفتخراً بها ؟ إنها إبل نادرة الوجود والمثال ، يحسبها حينا تلالا مرتفعة ، وحينا قصور جزيرة سماهيج المشتهرة بكبر حجمها ، وحيناً أشجار نخيل قد ناءت بثقل أثمارها

العزاء والسلوان : :

أما إذا اشتدت الهموم و الأتراح على ذات العربي ، و أراد الهروب بعيداً عما أثاره ، فانه لا يجد إلا الناقة ملجأ له و سفينة لخلاصة ، فسرعان ما يمتطيها ويضرب بها عرض الصحراء ، عل يجد العزاء والسلوان ، وقد عبر الشعراء عن هذا الهروب بالناقة اصدق تعبير ، نجد ذلك واضحاً فى وقوف الشاعر على الأطلال و بكائه لديار الأحبة و ما تبعثه الذكرى فى ذاته من حسرات حرى لا يجد مفراً منها إلا اعتلاء ناقته والغوص بها فى لجة الصحراء

وعند قراءتنا لشعر الأطلال فإننا ، غالباً ما تطالعنا عبرات من قبل : : "" فدع ذا "" و "" عد عما تري "" وامثالهما ، ثم يعقبها مباشرة وصف للناقة التى ارتحل عليها ، وللصحراء التى قطعها ، نحو قول النابغة الذبياني فى معلقته ، بعد أن وصف الأطلال وما أحدثته فى نفسه : فعد عما ترى إذ لا ارتجاع له : و أنم القتود على عبراته أجد ولا تخلص الناقة المرء من همومه وأحزانه فحسب ، وإنما تكون أحيانا وسيلة الخلاص من أسر الحب أيضا ، مما يدفعنا أن نتساءل أيمكن أن تكون الناقة معادلا للحبيبة فى ذات العربي ؟

ولعل متمم بن نويرة يعدها كذلك حينما يقول : :

صرمت زنيبة حبل من لا يقطع حبل الخليل وللأمانة تفجــــــــــع

جدي حبالك يا زينب فإننـــي قد استبد بوصل من هو أقطــــع

ولقد قطعت الوصل يوم خلاجــه وأخو الصريمة فى الأمور المزمـع

بمجدة عنس كأن سراتهــــــا فدن تطيف به النبيط مرفــــــع

قربتها للرحل لما اعتادنـــــــي سفر أهم به وأمـــــر مجمـــــــــــع

إذا فالشاعر قد قطع وصل حبيبته ، و استبد له بناقة تخالها قصراً عظيماً يطوف به الأعاجم لروعته ، فكانت هذه الناقة البديل الذي عوض الشاعر عن الهجر و الحرمان.

وقد تطول الرحلة أياما عدة ، وليس للعربي فيها من ملجأ يأوي إليه إلا ناقته فهى ظله فى الهجير ومهجعه حين المبيت.

فالشاعر زههير بن ابى سلمى يقطع الفيافى والقفار ممتطياً ناقته ، فإذا ما داهمه النعاس تشبث بها ، لأنها ملاذه الوحيد فى تلك الصحراء

و تنوفــــــــة عمياء لا يجتازها إلا المشيع ذو الفؤاد الهادي

قفر هجعت بها وليست بنائم وذراع ملقيه الجران وسادى

و عرفت أن ليست بدارتئيــة فكصفقة بالكف كان رقادي

و إذا كان نوم زهير على ناقته كصفقة كف فإن المثقب العبدي ينام ملء جفونه متوسدا ناقته ، التى تقتدى بصاحبها وتنام هى أيضا ، غير مهتمة بما عليها من أحمال وأثقال.

فبت وباتت بالتنوفة ناقتــــــى وبات عليها صفنتـــــى وقتـــــــــودها

وأغضت ، كما أغضيت عينـــــــــى فغرست على الثفنات و الجران هجودها

**الآهات وتلاقى المشاعر

ويبلغ الاندماج بين المرء وناقته أن يصل به الأمر إلى الشعور بما ينتابها من إحساس ، ولم لا ؟؟

و هى رفيقة الحل والترحال ، تصاحبه ليلا ونهاراً و لاسيما أن حياة العربي تدعوه إلى التنقل باستمرار بحثا عن

الكلأ و الرعي ، أو ارتياداً للملوك والسلاطين وسادة القبائل ، وإذا كان شاعرا ، لينثر أمامهم روائع نظمه وإبداعه ، ولينال منهم الجوائز والهبات ، وغالباً ما يكون مسوغه أمام الممدوح ما أصاب ناقته من جهد ووهن ، وما لحقتها من تعب وكلال فى اجتيازها الصحراء والجبال.

وحينما يبلغ الجهد من الناقة مبلغه فإن رغاءها يرتفع وأنينها يعلو ، وتتجه إلى صاحبها بالشكوى ، فتصل الآهات إلى أعماق النفس ، وتتلاقي المشاعر ، وتزول الحواجز بين الإنسان والحيوان ، فتغدو الناقة إنسانا

يستطيع التعبير عن همومه وأحزانه ، يصور لنا ذلك المثقب العبدى فى هذا المشهد الإنساني الخلاب :

غدت قوداء منشقاً نساها تجاسر بالنخاع والوتين

تقول إذا درأت لها وضيني أهذا دينه أبدا وديني ؟

أكل الدهر حل وارتحــــــــال أما يبقي على وما يقينى ؟

أما ناقة الأعشي فلكثرة ما أصابها من المشقة والجهد أخذت تئن وتشكو لصاحبها ، وكأنها قد أصابها الهذيان ، فبدت مثل إنسان قد أصيب بالحمى ، و لزمته طويلاً ، فإذا ما ألمت به كثر أنينه وتعالت شكواه

أكللتها بعد المراح فـــــــــــآل من أصلابها

فشكت إلى كلالهـــــا والجـــهد من أتعابها

وكأنها محموم خيبر ـ م ـ سبل من أوصابهـــا

لعبت به الحمى سنين ـ م ـ وكان من أصحابها

التواصل الرمزى بين المرء والحيوان : :

إذا فقد تم التواصل الرمزى والتعبيرى بين المرء والناقة ، وأضحى كل منهما يفهم لغة صاحبه ، فما عليهما بعد ذلك أن يتناجيا وأن يفضي أحدهما للآخر بما يعتلج فى نفسه فذاكم الشاعر المتلمس يسمع شكوى ناقته وحنينها الشديد إلى مراتعها الأولي ، و لكن لم يكن باستطاعته أن يلبى رغبتها ، فقد طرده الملك عمرو بن هند وحرم عليه العودة إلى موطنة.

و لا غرو فى أن حنين الشاعر إلى أرضه يضاهى حنين ناقته ، غير أنه من خلال مناجاته لها ، أن يخفف ما أنتابها من ألم و لوعة الفراق :

حنت قلوصـــــــــــى و الليل مطرق بعد الهدوء و شاقتها النواقيس

مقصولة ينظر التشريق راكبها كأنها من هوى للرمل مسلـــــــوس

إنى طربت و لم تلحى على طـــرب و دون إلفــــــك أمــــــــــرات امليس

حنت إلى نخلة القصوى فقلت لها تســــــــل عليك ألا تلك الدهاريس

فقد اشتد بالناقة الحنين إلى الوطن ، و غدت ملهوفة كأنها قد سلبت العقل ، و لكن كيف الوصول إلى الأحباب و الأصحاب و بينهم مفازات واسعة و فلوات رحيبة ؟ إنها تحن إلى نخلة القصوى لكنها محرمة على الشاعر ، وفى الوقت ذاته فهى محرمة على ناقته، و ثمه حالات تحن فيها الناقة إلى موطنها الأول فى رحلة هروب من فتاته التى لم تمنحه حب خالصاً ، كما هو شأن عبيد بن الأبرص الذى آل على نفسه أن يظل بعيداً عن ديار الحبيبة ، و زعم لناقته أن تلك الديار أصبحت بغيضة إلى قلبه ، و لكن أنى للناقة أن تصدق هذا الافتراء المزعوم :

وهنت قلوصى بعد وهن وهاجها مع الشوق يوما بالحجاز وميض

فقلت لها لا تضجرى إن مــــنزلاً تأتنى به هند إلــــــــــيّ بغيض

و قد تدفع أسباب العيش بالشاعر بعيداً عن موطن القبيلة بحثاً عن موارد الرزق فيظل متنقلاً من مكان إلى آخر مصاحباً فى غربته ناقته رفيقة حله و ترحاله ، فإذا ما طال السفر ، فبعدت الشقة ، و انبعث الحنين فى النفوس ، شرعت الناقة تناجى الشاعر بأصوات هامسة ، تعبر فيها عن لواعج الشوق إلى مراتع الصبا ، فإذا الشاعر أكثر حنيناً و أشد شوقاً يعبر عن ذلك دوسر بن ذهيل

و حنت قلوصى من عدان إلى نجــد و لم ينسها أوطانها قدم العهد

و أن الذى لقيت ، فى القلب مثله إلى آل نجد من غليـــــــــــــل ومن وجد

توحد الانصهار الوجدانى

أما الشاعر سبيع بن الخطيم فأنه يزجر ناقته حينما تعالت أصواتها شوقاً و حنينا إلى أرض القبلة ، بعد أن طال التنقل و التجوال ، غير أنه ما يلبث أن يكف عن زجرها و يشاركها شوقها وحنينها ، عندما يرى عبراتها تتناثر ألماً و حرقه، و ما دموع الناقة إلا دموع الشاعر نفسه ، بعد أن انصهر فى حالة وجدانية مع ناقته :

إما ترى إبلى كأن صدورهــــــــــا قصب بأيد الزامرين مجوف

فزجرتها لما أذيت بسجـــــــرها و قف الحنين تجرر و صريف

فاقنى حياءك إن ربــــــك همــــه من بين حذرة والثوير طفيف

فاستعجمت وتتابعت عبراتها إن الكريــــــــــــم لما ألم عروف

لقد اتخذ العربي ناقته صاحباً و رفيقاً ، وخلع عليها من مشاعره وأحاسيسه ما جعلها تتصف بالصفات الإنسانية ، فتشكو وتتأوه ، وتشعر بالغربة والحنين إلى الوطن ، وتناجى صاحبها وتحاوره.

وقد صور الشعر هذه الصلة الإنسانية الوشيجة ، بين الإنسان و ناقته ، اصدق تصوير مما يسمو به إلى أن يكون متبوءاً فى الشعر الإنسانى الخالد لذا فالحيوان يحس كما نحس ويتألم كما نتألم ويبكي كما نبكي لكنه بكاء بغير دموع.

تذكرة

1 ـ القرآن وعالم الحيوان ـ عبد الرحمن محمد حامد

2 ـ تأملات فى العلاقة بين الإنسان والإبل ـ دكتور كمال فضل السيد الخليفة ـ المركز القومي للبحوث ـ

السودان 1995 م

3 ـ مجلة الأمة العدد23 ـ السنة الثانية ـ الدوحة ـ قطر 1982 م هل سر الجمل فى سنامه ؟ توفيق يوسف القيس

4 ـ الشعر والشعراء لابن قتيبة ـ القاهرة ج أ ص 2390

5 ـ شرح ديوان زهير بن أبى سلمى : الثعلب ـ القاهرة ص 330

6 ـ شرح المفضليات : لابن الأنبارى ـ بيروت ص 63 ، ص 127



  • حسن غريب
    عضو اتحاد كتاب مصر عضو نادي القصة بالقاهرة عضو أتيليه القاهرة للفنانين والكتاب عضو نادي القلم الدولي
   نشر في 04 ديسمبر 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا