وادى النمل - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

وادى النمل

  نشر في 14 ماي 2019  وآخر تعديل بتاريخ 20 ماي 2019 .

لازلت أذكر اليوم الذى حزمت فيه أمتعتى وشددت رحالى حيث الجامعة التى تبعد عن مدينتى ما يقرب من مائة كيلومتر، لم أكترث حينها للقلق المطل من بين جفنى أمى وهو يلوح لى عبر نظراتها، ولا لثبات أبى المصطنع وهو يملى علىّ ما أفعل وما أتجنب وما أمتنع عنه بتلك الأرض الجديدة. كل ما كان يشغلنى هو أن اللحظة قد واتتنى كى أطلق جناحىّ بفضاء جديد بعيداً عن الالتزام بقوانين منزلنا، رغم أننى لم أستشعر لحظة بحياتى أننى مقيد، لكنها الروح الثورية التى تتملك من أجسادنا الفتية.

عشرة سنوات مضت لم أكن لأتصور مرورى بمثل ما مررت به، لم أعد ذلك المراهق الذى يهيم على وجهه يطلب الحرية المطلقة، ويرتمى وسط أمواج الحياة ضاحكاً من عتوها وإصرارها على ردعه أو إغراقه، رغم الصداقة المستمرة لجسدى مع الهزال إلا أننى لم أستشعر الضعف لحظة وأنا أسبر أغوار أى جديد، ولم أستوحش العيش يوماً فعندى من الأصدقاء ما سيؤنسنى ويعيننى، هكذا ظننت.

لم أعد فتياً كما كنت، ولكننى أصبحت شاباً بقلب طفل خائف إلا أن للأطفال الحق فى الاختباء والصراخ والبكاء أما أنا فلا، قبل أن يسطع هلال شهر رمضان فى السماء قررت أنه يجب الحصول على إجازة كى أتحلق حول مائدة الإفطار مع والدىّ وإخوتى، وقد تكون فرصة مواتية للقاء بعض الأصدقاء القدامى، الحديث هو ما ينقصنى بعد أن شارفت على إتمام شهرى السادس وحيداً فى كل شئ.

عند رؤيتها لثمت خدها واحتضنتها طويلاً، لاتزال جميلة كعهد صباها الأول الذى رأيته فى صورها القديمة التى لطالما أرتنيها، تتباهى دائماً بأنها كانت تملك أطول شعر بين فتيات قريتها اللاتى كن يحسدنها عليه وعلى جمالها الأخاذ كثيراً، تشرد مبتسمة حين تتذكر أنها كانت المدللة من بين إخوتها، دائمة الوقوف أمام المرآة والتزين لا تكترث لما كان يقال لها من أنها ستصبح ربة منزل فاشلة لا تقدر على فعل شئ.

- كان والدى رحمه الله يدللنى كأكثر ما يكون الدلال.

قالتها أمى ثم زفرت فى الهواء ذكرياتها بين أنفاسها حتى لكأننى أراها تتشكل أمامى. نظرت بطرف عينيها إلى أبى نظرة ذات معنى واستكملت

- ثم أتى شخص أصلع سلبنى دلالى وشبابى.

تعالت ضحكاتنا جميعاً ولم يعقب أبى، فقط توجه ببصره مجدداً يتابع تلك الحروب التى تملأ البلدان، زحف الشيب حتى استحوذ على رأسه، وقد نحت الزمن وجهه تاركا بصماته معلناً انضمام كهل آخر إلى مجموعته الفنية الحية.

كنت صامتا كعادتى، رغم ازدحام الأفكار بعقلى وثورتها علىّ تطلب صياغتها إلى صوت يخرج من فمى ولكننى رفضت دون سبب، ربما لأننى لم أعتد الحديث معهم دون أن تنشب مشكلة ما كما كان يحدث قبل سنوات، أو لعلنى كنت خائفاً من ألا يفهمنى أبواى كما لم يفهمنى الجميع.

انقضت أيام إجازتى سريعاً ولم أبح لهما بمكنونات صدرى، فشلت للمرة الغير معدودة فى أن أصارحهم بأننى أحبهم، وأننى وحيد من دونهم خائف من نفسى ومن كل شئ، وددت لو أخبرتهم بأننى كنت مخطئاً حين ظننت استبدالهم بالصداقة والحب ممكناً، وأنهم رغم ما دار بيننا من مشكلات وصيحات وعنف أحياناً لم أستشعر تبدل حنينهم واشتياقهم وتقبلهم لى، وددت لو أخبرهم بأن حبهم الغير مشروط تجاهى هو ما جاهدت لأجده كل تلك السنوات بعيداً عنهم ولكننى فشلت فى أن أراه فيهم من البداية، وددت لو أنتحب كما انتحبت صغيراً بين أحضانهم، حين كان أبى الصلب ينام إلى جوارى ممسداً رأسى وقد خلع عنه رداء الصلابة حتى أسقط فى غيابات النوم، وحين تتحول أمى الوديعة إلى قطة برية تخمش وجوه من يصيبنى بسوء ولو بكلمة، وددت الكثير ولم أفعل غير أننى وددت.

قفلت عائداً إلى شقتى الصغيرة وحيداً كما كنت طوال شهور طويلة، لا أستأنس بغير مستعمرة النمل التى نخرت أرضيتها كلها بعد أن زأرت لفحات الربيع الحارة إيذاناً بانتهاء الشتاء، كنت قد عزمت التخلص منها بالمبيدات والمساحيق، ولكننى تراجعت طلباً للاستئناس، فأصبحت المستعمرة بأسرها وجحافل نملها أصدقائى، خاصة بعد أن عقدت معهم صفقة شفهية تقضى بعدم مساسهم بغرفتى مقابل أن أترك لهم بقايا طعامى وبعض السكر يختزنونه للشتاء المقبل وبدت الصفقة مقبولة لكلينا رغم اختلاف ألسنتنا إن كانت النمل تملك ألسنة.

بعد انتهائى من السحور أمسكت ورقة تحمل فتاتاً من بقاياه مختلطة ببعض السكر ووضعتهم أمام أقرب فتحة لمخزن طعامهم والتى عرفتها بملاحظتى إياهم وهم يحملون الطعام إليها مراراً، وضعت بعض الماء وانتظرت غليانه كى أصنع كوباً من الشاى عندما رأيت العشرات من النمل تجمعن حول الطعام وشرعوا فى العمل، جلست أمامهم القرفصاء أتابعهم بابتسامة طفولية عريضة، لحظات لم أدرك أنها كانت طويلة إلا حين باغتنى المؤذن برفع آذان الفجر فتنبهت، شممت رائحة احتراق فتذكرت القدر المعدنى الصغير، ركضت لأجده قد تفحم بعد أن تبخرت مياهه، فألقيته فى حوض تحت الماء الجارى لتتصاعد الأدخنة وتتزايد رائحة الاحتراق فى فوضى ما لبثت أن خفتت ثم اختفت، لتتركنى بين الأدخنة أضحك من فرط غبائى، وحين استقرت الحياة من حولى رجعت إلى وادى النمل لأجد حياتهم لم تتأثر بأى شئ مما حدث.

- ألا تكترثون لأمر من يطعمكم؟

خرج منى التساؤل فى لوم مشوب بابتسامة حين وقفت نملة أمامى تحرك قرنى استشعارها، وأحسست بلومها إياى على كلمتى فشعرت بالخجل

- أعتذر منك ياصديقتى، فالله يطعمنى وإياكم.

وكأنها فهمت اعتذارى، اقتربت حتى لامست إصبع قدمى بقرنى استشعارها ثم استدارت ولحقت بأخواتها لتستكمل عملها، وكأننى أحسست بأنها تعانقنى لتخفف عنى وطأة الخجل فلم أملك إلا الابتسام، وقبل أن أقوم من مكانى اقتربت من الجمع كثيرا وهمست

- اذكرونى عند ربكم يوم اللقاء.


  • 4

   نشر في 14 ماي 2019  وآخر تعديل بتاريخ 20 ماي 2019 .

التعليقات

حكيك جميل..تنقلت في يسر بين حنين واشتياق لدفء الأسرة،ومغادرة حضن سيظل هو الأوفى..وبين واد نمل وحياة كتب رزقه عند بابك..نص رائع
0
إِبرَٰهِــم ٱلنَجَّـٰـر
سلّم الله روحكِ وقلبكِ

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا