كتاب - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

كتاب

كتاب

  نشر في 21 ماي 2017  وآخر تعديل بتاريخ 31 ماي 2017 .

قاطعَ يوسفُ شرودَ أفكارِرفيقهِ أحمد و قد كانتْ تتابعُ الأشجارَ الهاربةَ من القطارِ المسرعِ في العودةِ خشية أن يسرقها من ربوع ِ القريةِ الصغيرةِ إلى المدينةِ حيث تفقدُ رفقةَ النورِ و الطيرِ .سأله: ماهذا يا فيلسوفَ عصركِ و هو يشيُر لكتابٍ في حقيبتهِ المفتوحةِ و الملقاةِ على الأرضِ.استعادَ مشهدَ و حديثَ جدِه الذي أهداهُ الكتابَ القديمَ ذي الأوراقِ الصفرٍ المكتوب ِ بخطِ يدهِ، و قد لفَ بعنايةٍ بورقٍ مقوى أزرقِ اللونِ و ربطَ بخيط مجدلٍ، جزمَ قاطعاً أنها خيوطُ أكياسِ الأرزِ التي طبختها جدته. أجابَ أحمد: لقد أوصاني جدي العجوزقبلَ موتهِ بقراءةِ هذا الكتابِ مدعياً أنه كنزَ عمرهِ، أتدري .. لقد فتشتهُ، ظننتُ بهِ إيداعاً نقدياً أو ملكيةَ عقارٍ أو صكَ أسهمٍ و لكني لم أجدْ شيئاً. ردَ يوسفُ على ضحكاتِ أحمدٍ الساخرةِ : يا لهُ منْ عجوزٍ!. لم يقطعْ رنينَ ضحكاتهمِ سوى تعليقُ العجوزِ الجالس ِعلى الكرسي المقابل: لا حولَ و لا قوةَ إلا بالله. وصلَ القطارُ المدينةَ و ترجلَ الشابان يزاحمان العجوزَ الذي لاحظَ أن أحمدَ تركَ الكتابَ ملقىً على كرسيهِ و قال: يا ولدي كتابكَ. ردَ أحمدُ: ليسَ كتابي و لا أريدهُ، و غادرَ بدونِ تعليقٍ يقفزُ من بابِ القطارِ يلحقُ بصديقهِ

كادَ ينتهي من تنظيفِ القطارِ،و وصلَ إلى آخرِ مقصورةٍ حيثُ وجدَ العُم أيوبٍ الكتابَ الأزرقَ كما أسماه لاحقاً ، وضعهُ تحتَ إبطهِ و قد أحسَ بأنه كتابٌ حرصَ صاحبهُ على سلامتهِ و نظافتهِ من الطريقةِ التى غلفَ بها. ذهبَ إلي سائقِ القطارِ يسألهُ كيفَ يعيدُ الكتابَ لصاحبهِ فنصحهُ باستشارةِ مديرِ المحطةِ الذي ردَ عليه متهكماً: أتدري كم ألفِ مسافرٍيركبَ هذ القطار كلَ ساعةٍ؟ أنسَ هذا الأمرَ و تخلصْ من الكتاب. عادَ للبيتِ و بيدهِ الكتاب و ما إن فتحَ البابَ حتى قفزتْ الصغيرةُ ذاتُ العشرِ سنواتٍ الى حضنِ أبيها بالترحابِ، و قبلتْ يدهِ و سألته ما هذا يا أبي : أهديةٌ لي أمْ لأمي؟ تبسمتْ أساريرهُ و بدأتْ ملامحُ التعبِ و الإرهاقِ تزولُ بعدَ لقاءِِ زوجته و بناتهِ الأربع. حكى العمُ أيوب حكايةَ الكتابِ لزوجتهِ و بناته. علقتْ فاطمةُ أكبرُ بناتهِ: دعنا نقرأُ ما فيه يا أبي. أصبحتِ العائلةُ تتنتظُر حلولَ المساءِ بفارغِ الصبرِ ليكتملَ شملهمُ تحتَ مظلةٍ من النورِ و السرورِ تظللهم بمجرد ِأن يبدأَ الأبُ بقراءةِ صفحةٍ واحدةٍ- بما فيها من حكاياتٍ و ألغازٍ و نكاتٍ و مواعظَ -كلَ مساءٍ كما إتفقتْ العائلةُ ليتمكنوا من الإستيقاظِ باكراً لأشغالهم. لقد صدقَ جدُ أحمدٍ حينَ قال: هو كنزُ عمري.

مرَ على إنشاءِ محطةِ القطارِ مئتي عامٍ و أتى حفيدُ أحدُ الملوكِ العربِ الذين ساهموا في بناءِ و إنشاءِ المحطةِ للمشاركةِ في الإحتفالِ الذي يبثُ عبرَ التلفازِ، و كانَ الأميُر شاباً مثقفاً و معطاءاً كجدهِ، و أرادَ أن يعطى من رزقِ الله عليه للعاملين في المحطة. بعدَ أن ألقى كلمتهُ، قالَ للحضورِ لديّ أحجيتين لكلِ من يجيبُ عليهما مئةِ ألفٍ من الجنيهاتِ: أنصتتْ الآذانُ بخشوعٍ و لمعتْ العيونُ. سألَ الأميرُ مجيد: ما هو الشيء الذي مهما ضربتهُ لا ينكسرْ و يبقى صحيحاً؟ صمتْ الجميعُ و عمَ السكونُ، تلفتْ العمُ أيوب بخجلٍ يساراً و يمنةً، و حينَ أدركَ أنه لا مجيبْ، رفعَ يدهُ على استحياءٍ و أجابَ : العددُ واحد .. هو الرقمُ الذي مهما ضربتهُ سيبقى واحداً صحيحاً. ضحكَ الأميرُ وقالَ : لك ما وعدتْ ، أما الأحجيةُ الثانيةَ فهي: جدارٌ صلبٌ ليسَ من صخرٍ و لا حجر،يمنعُ عنك الخيرَ و صحبةَ الطيبِ من البشر، لا يفله بارودٌ و لا موجُ بحر؟ جالتْ عينا الأمير و هو يستمعْ لإجاباتِ العاملينَ الخاطئةِ بينَ سورِ برلينٍ و سورِ الصينِ العظيم ِو سدِ ذي القرنين و الغربةِ و الهجرِ. و حينَ رفعَ العمُ أيوب يدهُ مرةً أخرى اشرأبتْ الأعناقُ و صمتتْ كلُ الكلماتِ و قالْ: هي صفةُ العنادِ .. ضحكَ الأميرُ، و بدتْ ملامحُ السعادةِ عى وجههِ، و سألهُ عن إسمهِ و هنأهُ بالفوزِ بالمئةِ ألفٍ الثانية. و على استعجالٍ غادرَالأميرُ المحطةَ. التفَ حولَهُ زملاؤة و بعضُ الصحفيين يهنئونهُ و يسألوه عن سرِ ثقافتهِ، فحكي لهم قصةَ الكتابِ الأزرقِ و ما فيه من حكمٍ و معرفة.

و ما إنْ أشرقَ النهارُ، و قدْ نُشرتْ في الصحفِ الأسرارُ حتى أتاه ُشرطيٌ يستدعيهِ الى قسمِ الشرطةِ بتهمةِ السرقة. كانَ يومُ المحاكمةِ و قد حضرَ جمعٌ لا بأس بهِ من الناسِ بعدَ اشتهارِ الأمرِ و الإعلان عن المحاكمةِ، و حضرَ العمُ أيوبٍ في مواجهةِ الشابِ أحمد و عائلته مطالبين بالكتابِ الأزرق. سردَ الشابُ حكايتَهُ ،و أنه أضاعَ الكتابَ في القطار. و حكى العمُ أيوبُ حكايته و استشهدَ بسائقِ القطارِ و مديرِ المحطة. تمِ تبرئةُ العمُ أيوب من السرقةِ و إعادةِ الكتابِ لأحمدٍ، و لكن حينَ أعقبَ أحمدُ على حكمِ القاضي قائلاً: و أيضاً من حقى أن تعودَ ليَّ المئتي ألفِ جنيهٍ التي أخذها هذا الرجلُ بسببِ كتابِ جدي مشيراً بيدهِ للعمِ أيوب. بدت ْعلاماتُ الدهشةِ و الإمتعاضِ على وجهِ القاضي ليسَ من السؤالِ و لكنْ من الطريقةِ الفظةِ التي خلتْ من التهذيبِ في صوتِ أحمد ، وقفَ رجلٌ عجوزٌ من بينِ الحضورِ يستأدنُ القاضي في الكلام ، و لكنَ القاضي أمهلهُ حتى ينهي سؤاله لأحمدٍ :كمْ عددُ الأيامِ على وفاةِ جدكَ حينَ غادرتَ القريةِ؟ قال أحمدُ: عشرةُ أيام. سألهُ القاضى: كانتْ وصيةُ جدكَ أنْ تقرأَ الكتابَ.. فكمْ صفحةَ قرأتَ؟ قالِ أحمدُ: كنتُ مشغولاً فلمْ أجدَْ وقتاً لقراءته. سأل القاضي العمَ أيوب : كم يوماً انتظرت لتقرأَ الكتابَ: قال: لقْد بدأتُ قراءتَهُ في نفسِ اليومِ الذي وجدتهُ و حفظتهُ و عائلتي عن ظهرِ قلبٍ لما فيهِ من علمٍ و نور. سكتْ القاضي. و أذنَ للشاهدِ الأخيرِ بالمثولِ و فوجيءَ أحمدٌ بالعجوزِ الذي كانَ جالساً في نفسِ المقصورةِ في القطارِ،و الذي أخبرَ الجمعَ كيفَ استهزىءَ أحمدُ و رفيقهُ يوسف بجدهِ و كتابهِ ،و أنهُ تخلصَ من الكتابِ عن قصدٍ و دونَ رغبةٍ في قراءتهِ أو معرفةِ ما فيه. أعلنَ القاضي حكمَه ُالنهائي: الكتابُ لم يعدْ ملكَ أحمد و لا أيوب ،الذي أظنهُ يملكهُ في قلبهِ و عقلهِ، بلْ أصبحَ ملكاً الشعبِ ومكانهُ المكتبةِ العامةِ و أما ما نالهُ أيوبٌ فهو لهُ نظيرَ أمانتهِ و رغبتهِ في العلمِ. قرعَ القاضي مطرقتهُ معلناً : رفعتْ الجلسة.



  • 3

  • راوية وادي
    كاتبة و رسامة فلسطينية .مدونتها الخاصة علي الإنترنت Rawyaart : (https://rawyaart.com) متفرغة للكتابة و الرسم في الوقت الحالي.
   نشر في 21 ماي 2017  وآخر تعديل بتاريخ 31 ماي 2017 .

التعليقات

عمرو يسري منذ 4 شهر
جميلة القصة و مليئة بالمعاني .
إستمتعت كثيراً بقرائتها .
بالتوفيق .
0
راوية وادي
شكراً و يسعدني أنك استمتعت بالقصة

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا