فبشّر عباد - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

فبشّر عباد

  نشر في 08 ماي 2019  وآخر تعديل بتاريخ 09 ماي 2019 .

أزداد يقينًا يوماً بعد يوم أنَّ الإنسان لا يرى إلا ما يعلم. ولكي يزداد ما نراه لابد أن يزداد ما نعلمه، وهذا ما أسعى جاهدة أن أبلُغه.

تعلمت هذا بشكل عمليّ، فعندما علمت معنى اسم الله "الرب" قبل عامين، اختلفت رؤيتي لكل مواضع وروده في المصحف الشريف، ربما كأنني أراه للمرة الأولى، فقط لأنني علمت ما أرى..

يشاء قدر الله الجميل أن أعرّج على كتاب جمالية الدين في رمضان الماضي، وهناك تعلمت الكثير لكنّ أكثر ما أثرّ فيّ هو "جمالية الانتساب التعبديّ"، وتكررت معي تجربة الرؤية بعد العلم. فبت أرى لفظ عبد/عباد ويكأني أراه للمرة الأولى ولا أمرّ به إلا وتشملني سكينة العارف معنى أن يكون عبدًا لله.

حينما أفكر مليًّا، أدرك أنني تأثرت بهذا المقال تحديداً لأنّني رأيت ما علمت! لأنني قرأت فيه الوجه الآخر لمعنى الرب الذي كنت أعرفه مسبقا فاستطعت أن أرى ما به من جمال! ..

الرب والعبد وجهان لعملة واحدة، فعندما يستقر في قلوبنا معنى العبد عبد والرّب رب، سنعبده عبادة الذي يعلم أنّ له ربًا مدبرًا للأرزاق، مُجزلًا للعطايا. ربٌّ أنعم بالإيجاد من العدم، وأنعم بالقرآن، وأنعم علينا بانتسابنا عبادًا له ينادينا "عبادي"، فالحمد لله ربًّا للعالمين ..

أن تكون عبدًا لله، فهذا أمرٌ يستحق البُشرى، يردُ هذا المعنى صريحًا في سورة الزمر "فبشّر عباد"، والمتأمل للآيات التي ورد فيها لفظ عبد/عباد السابقة والتالية لهذه الآية سيفهم البشارة، فالله قبلها ببضع آيّ يقول أنه لا یَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَ، فمن دخل في زمرة عباده لايرضى لنفسه مالم يرضه الله له! وقبل آية البشرى مباشرة يُخوّف الله عباده، ليُذكرهم بما رضيه لهم وما لم يرضه لهم من كفر، يكونوا حيث أمرهم فينجوا ولا يكونوا حيث نهاهم فيهلكوا -هذا معنى التقوى- وهو ما عبّر عنه القرآن ببلاغة فقال"یَـٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ" فإذا اتقيناه حق تقاته وكنّا عباده فلنا البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ومهما شردنا عن العباد  فالربّ لا يتغير، فهو غفور رحيم وإن أسرفنا، ألم يقل "قُلۡ یَـٰعِبَادِیَ ٱلَّذِینَ أَسۡرَفُوا۟ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُوا۟ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ یَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِیعًا"، وقال "نَبِّئۡ عِبَادِیۤ أَنِّیۤ أَنَا ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِیمُ".. ؟

"وَهُوَ ٱلَّذِی یَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَیَعۡفُوا۟ عَنِ ٱلسَّیِّـَٔاتِ وَیَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ" .. يكفينا أن نكون من عباده حتى يقبل توبتنا ويعفو عن سيئاتنا.

أن تكون عبدًا لله، فاعلم أنه سيشملك بألطافه ورحماته، أوليس هو هو نفس الربّ الذي قال "ذِكۡرُ رَحۡمَتِ رَبِّكَ عَبۡدَهُۥ زَكَرِیَّاۤ" والذي قال "ٱللَّهُ لَطِیفُۢ بِعِبَادِهِ" فالله لطيف، هذه حقيقة ثابتة لا تتحول، ولطفه يجري وإن كنا لا ندري. وما علينا سوى السعي لننال شرف النسبة لزمرة "عباده" فتشملنا ألطافه.

أن تكون عبدًا لله، فثق في تدبيره ولا تحمل همّ رزق أبطأ عنك، واعلم أنّ "ٱللَّهُ یَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن یَشَاۤءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَیَقۡدِرُ لَهُۥۤۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَیۡءٍ عَلِیمࣱ". ولأنه لو "بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزۡقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوۡا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلَـٰكِن یُنَزِّلُ بِقَدَرࣲ مَّا یَشَاۤءُۚ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِیرُۢ بَصِیرࣱ".

أن تكوت عبدًا لله، فاستغنَ به عمن سواه، "أَلَیۡسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبۡدَهُ "؟ واشكره على ما تفضل به عليك من توفيق للعبادة "بَلِ ٱللَّهَ فَٱعۡبُدۡ وَكُن مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِینَ".

لا ترجونّ إلّا ربك ولا تخافنّ إلا ذنبك واعلم أنك لو كنت من عباده فليس لأحد عليك سلطان. مصداق ذلك قول الحق: (إِنَّ عِبَادِی لَیۡسَ لَكَ عَلَیۡهِمۡ سُلۡطَـٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡغَاوِینَ).

المدقق في المصحف سيدرك أن العبد هو التوصيف القرآنيّ للإنسان عندما يدخل الإيمان إلى قلبه، فيتحول من إنسان "ضعيف، عجول، كنود، هلوع" إلى عبد "منيب، شاكر، صابر"

فالحمد لله ربًا، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى من قبل ومن بعد. عسى ربنا أن يوزعنا فنشكر نعمته التي أنعم بها علينا وعلى والدينا وأن يدخلنا برحمته في عباده الصالحين.

وأن يرزقنا نفوسًا مطمئنة، ترجع إلى ربها راضية به مرضيًّا عنها، تدخل برحمته في زمرة عباده وتدخل بها جنته.


  • 1

  • زهرة الوهيدي
    أكتب... لأنني أحب الكتابة وأحب الكتابة... لأن الحياة تستوقفني، تُدهشني، تشغلني، تستوعبني، تُربكني وتُخيفني وأنا مولعةٌ بهـا” رضـوى عاشور :)
   نشر في 08 ماي 2019  وآخر تعديل بتاريخ 09 ماي 2019 .

التعليقات

حسناء منذ 2 أسبوع
فعندما يستقر في قلوبنا معنى العبد عبد والرّب رب، سنعبده عبادة الذي يعلم أنّ له ربًا مدبرًا للأرزاق، مُجزلًا للعطايا
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا