تأملات في الاعمال الفنان التشكيلي فواد الكنجي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

تأملات في الاعمال الفنان التشكيلي فواد الكنجي

فواد الكنجي في ضيافة ليلى العطار (( في الصورة امن اليسار ليلى العطار ثم عبد الجبار محسن ثم الوزير سعدون حمادي ثم فواد الكنجي ثم اسماعيل الشيخلي ))

  نشر في 21 أبريل 2015  وآخر تعديل بتاريخ 16 أبريل 2016 .

تأملات في الاعمال الفنان التشكيلي فواد الكنجي

(( مقالة منشورة في إحدى مجلات العراقية في عام 1984 بقلم – كفاح عبد الرزاق((

• المقدمة

• أسلوبه

• تحليل اعماله

• اعماله في ضيافة ليلى العطار

• فنه والحداثة

المقدمة

عرف الفنان فواد الكنجي في الساحة التشكيلية البغدادية في فترة الثمانينيات من القرن الماضي بكون كل عمالة تم عرضها في قاعات بغداد للفنون التشكيلية وقد تميز الفنان بتقديم أعماله وفق منهج خاص به في البحث عن (قيمة الرمز في الإبداع الفني) فاتت لوحاته انطلاقا من هذا البحث.

أسلوبه

جل أعماله المقدمة في المعرض الشخصي الثالث والرابع أتت عبر تخطيطات بالحبر (الأسود ) معتمدا على أرضية الورق الأبيض المستخدم في الرسم بقياس( 50×100) سم وهو حجم أغلبية لوحاته المقدمة في المعرض ، حيث تجاوزت إعماله المروضة عن (200 ) لوحة ، فيحاور بين اللونين (الأسود والأبيض) و بالتظليل امتدادا لدخول إلى اللون الأبيض او الخروج من مساحة اللون الأبيض دخولا إلى مساحة اللون الأسود بإبداعية تدرج هامونك بين الشكل والموضوع، فأتت لوحاته في غاية الروعة مما يندهش المتلقي بتكتيكات الفنان وأسلوب المستخدم في التعبير عن أفكار المطروحة في اللوحة ومواضيعها الإنسانية ، فيرسم الأجساد بتداخل( أحرف اللغة العربية ) بعد ان يقوم بمدها وانحنائها وتعريجها وتشكيلها بأشكال تتمايل وتستقيم مع امتدادات الجسد تارة وتارة أخرى برموز إشكال تعبيرية، فهو يمزج الأحرف العربية مع الفن بشكل إبداعي رائع بغية تعبير عن مكنونات نفسه، فيقوم بتحدد مناطق الظل والضوء، ثم يدمج اللونين الأسود والأبيض اللذين يستخدمهما في كل لوحاته ليؤلف منهما أشكاله رمزية تعبيرية، وهو في ذلك لا يتردد أبداً في رسم أي شيء متحرك أو عابر يمر في مخيلته وهو يرسم موضوعاته، والأكثر تكتيكيا، انه يظلل مساحات بعينها لدرجة التي تبدو لناظر إليها .. وكان الإشكال تتحرك في اللوحة ، كما حرص الفنان (فواد الكنجي) في جميع لوحاته على التظليل بدرجات تصاعدية و تنازلية ، ليبرز جانب المضاء كنقطة التركيز لرمز المراد إيصاله للمتلقي ، وهذا الأسلوب والتكتيك جاء لكي يعطي لأعماله بعدا غير محدد بالزمن او المكان ، بكون أعماله تسبر في أغوار النفس و في عمق أعماقها التي ليس فيها اطر محددة بفواصل الزمن والمكان، فهو لا يريد تحديد نفسه وتقيدها بأطر الزمان او المكان بقدر ما يرغب التحرر والانطلاق بمخيلته في كل الأماكن وفي كل الأزمنة بحاضرها وماضيها، وهو يهيم ويسبح في الفضاء لا محدود .. لا مقيد .. انه يبحث عن الحرية ويعشق الحرية ، وبحثه عنها هي التي تجعله متعلقا بالحياة، فاتت مواضيعه قاسية التعبير لدرجة التي فيها يتجاوز كثيراً عن التفاصيل، فأشكاله التي يعتمد عليها التعبير تنطلق من خلال استخدامه لرموز أكانت في أجزاء الجسد او في الحرف العربي، او في أجزاء المحيط ببيئته الخارجية .. كشفرة .. أقفال .. نوافذ .. نار.. احتراق.. صنبور المياه .. سكين .. ملعقة ..باب .. ارقام .. طير.. رأس حصان .. ثور .. مخالب.. مطر.. كتب .. ابر.. نمل ..الخ ، فهذه الرموز لا تخلو اية لوحة من لوحات أعماله المعروضة ، فهو يمضي على عكس تلك الرموز بشكل تعبير عن فكرة يركز على توضيحها بكثير من التفاصيل ، وحين سأل لماذا تستخدم هذه الرموز..؟

قال: "..لتأكيد فعل الألم والمعاناة الإنسان وخصوصيته بالتفاصيل التي تضنيه في الحياة ..".

تحليل أعماله

أن ميزة الفنان (فواد الكنجي) واحد من أبرز فناني العراق في الثمانينيات القرن الماضي ، عندما ترى أعماله الفنية يجذبك بهدوء إلى محيطه دون أن تشعر… فيمتزج إحساسك الشخصي بحسه الفني، ويسرق منك بصرك دون أن يعطيك الفرصة للخروج..! واستطاع (الكنجي) من مواليد 1957 عضو نقابة الفنانين التشكيلين العراقيين بغداد ،أن يروض الحرف العربي في تقنية اللوحة والرسم التعبيري على نطاق واسع في تركيبة اللوحة السريالية المشبعة بالثقافة العربية العالمية وترك بصماته في الفن العراقي .. فالعناصر التشكيلية التي هي قوام التعبيرية الفنية الموجود أصلاً في الحضارة العراقية السومرية البابلية الأشورية من مصادرها الأولى وانطلاقا بحب الأرض عندما ينتشي الفرح ..والحزن .. والإبداع في قلب الفنان (فؤاد الكنجي) حيث الشمس والمساحات المفتوحة الواسعة والفضاء الممتد الى ما لا نهاية على مدارات الضوء في عفوية العشق والوجدان حيث صدى سنوات البراري .. والعشق .. وهيام الروح في بغداد .. ونهرها .. وشوارعها .. وحدائقها .. وازقتها .. هي بذاتها هيولي التبدل في إبداعه الفني الذي يحتوي في أعمال (فواد الكنجي) سيرة ومسيرة مبدعنا المحتفى فيه وكأنه المحتوى والمضمون ما بين شاعرية الفن التشكيلي ودور الفن في الواقع واللوحة كمادة في وعي الحضور والقراءة والحماس والصدق وحرارة التجربة التي يعبر عنها الفنان من خلالها إلى حدة العمل الفني والذات، فتجد لوحاته وكأنها نبضات شعر فهو قبل ان يكون فنانا تشكيليا هو شاعر مبدع تجاوزت دواوينه الشعرية التي نشرها على عشرة دواوين، و لم يستخدم في لوحاته الأسود والأبيض بدرجة ضوئية واحدة، بل كان يعتمد على التدرج باستخدام تقنيات التنقيط .. والرش .. والخطوط المتقاربة والمتباعدة.. والمربعات الصغيرة والكبيرة المائلة والمستقيمة الى غير ذلك من التقنيات التي ذكرناها سابقا والتي أجاد (الكنجي) ابتكارها في التعبير رغم اعتماده على الأسود والأبيض ، من دون أن يفقد اللون الأسود خواصه، أي أن لمسته ظلت متوازية مع الموضوع والشكل مكونة من مجموعة درجات اضائية، وكان في رسمه للموضوعات التعبيرية يحرص على أن يكون الرسم دقيقا من الناحية الموضوع والشكل ، ولاسيما المنظور او الشكل ، بكونه هو الذي ياطر جمالية اللوحة كمفهوم محدد بالشكل الظاهري الجميل قبل ان يكون بمفهومه المطلق باتحاد الشكل مع المضمون ، لدرجة التي تنسى بأنك أمام لوحات رسمت فقط بالأسود … لقد وفر له عمله وفق المنهج التعبيري، الحرية التي حلم بها في رسم معاناة الإنسان الغير المحدد بالزمن والمكان ، فسيطر على أعماله الانبهار باللون الأسود والضوء اللذين نقلهما بحساسية عالية وقدرة فائقة من دون أن يتقيد حرفيا بما يرسمه بل ترك لنفسه الحرية بكل ما يؤثر و يتأثر به وكأنك أمام ألوان لا حدود لها ، فحرية الحذف والإضافة التي ادخل نفسه في السريالية كونها هي أيضا تغوص بعمق المشاعر في التعبير والرموز ليخدم موضوعه بغض النظر عن القوانين الصارمة التي حكمت الرؤية او مخيلته، بكون هم ما همه ، هو التعبير عن مكنونات النفس وما تعانيه في الحياة ، وهنا يقول فواد الكنجي :

"…لم يكن اهتمامي باللون الأسود محض صدفه بل أتى من خلال ما كان يتصاعد من حزن وحداد بين أفراد المجتمع الذي أعيش في وسطه نتيجة الحروب واستشهاد خيرة شباب العراق دفاعا عن الوطن، فامتدت حالة من التصوف والانعزال والعزلة في المجتمع ، فأينما تلتفت ترى لافتة سوداء تؤرخ شهادة بطل من إبطال العراق، والتي أخذت تتسع وتأخذ مساحات واسعة من الجدران في الوطن وعلى واجهات البيوت ومداخل الأزقة والإحياء وشوارع المدينة وعلى واجهة المحلات .. إضافة الى التعتيم وقطع الإنارة من شوارع المدن والأحياء السكنية بسبب الغارات الجوية والحروب المستمرة …لذا فان اللون الأسود أصبح علامة في حياة المجتمع برمته وهي التي جعلتني ان اخذ منه رسالتي في التعبير بالأسود فحسب و في كل تلك الأعمال التي قدمتها في المعرض الشخصي الثالث والرابع ليكون نقطة الحوار الشامل للجميع …"

هذا الاتجاه في الفن جاء تعبيراً صادقا في طرح الموضوعات وبأسلوب فلسفي خاص بـ(فواد الكنجي) ، وقال عن تلك الفترة من حياته:

" ……لقد نشأت في وطن قدر عليه ان يخوض حرب بعد أخرى، فوجدنا الآلام ومعانات أناس يفقدون أولادهم وذويهم في الحروب ..جرحى ومعوقين أرامل وأيتام .. صور تحطم مشاعر الإنسان.. وشاهدنا الفقر والجوع من هول الحصار الذي فرض على البلاد لسنين وسنين طوال … مما ألت بنا حدة الآلام في النفس ومن كبوت النفس ومن هم و غم ومن معاناة وأحزان لا حدود لها …. فما كان لي - وانأ ابن هذا الوطن أحبه واعشقه حد الجنون- إلا أن اعبر بما أشاهده وأعيه التمسه و أسمعة وإقراءه في عيون الناس ….! فكيف لا اعبر عما كان يتصاعد في النفس من حدة الاحتصار…! ففجرت ما في الذات بهذا الاتجاه فاتت الإشكال في اللوحات قاسية من حدة التعبير ، وبما كنت أزيد او أحذف منها كل ما لا احتمل ، لأنني أولا وأخير ابن هذا الوطن … العراق ، أعيش فيه بفكري بعقلي بوجداني بضميري حرا .. طليقا ..من كل قيد، أكره التقيد بالقواعد والاملاءات ، وكل شيء في نظري جميل حينما يكون وجهه حرا … ورغم صعوبة طرح مثل هكذا مواضيع في تلك الفترة .. ومع ذلك، طرحتها وحضر افتتاح معارضي كبار مسئولين في الدولة العراقية آنذاك وتم تغطية تلك المعارض من قبل كل صحف الرسمية الصادرة آنذاك كـ(جريدة الثورة ) و(جريدة الجمهورية ) و(جريدة التآخي ) و(جريدة القادسية) و(جريدة بغداد ابزرفر- الصادرة باللغة الانكليزية ) و( مجلة الاقلام) و(مجلة الفنون ) و( مجلة الطليعة الادبية ) التي اثنت وتعاطفت وكتبت الكثير من الدراسات عنها .. والأرشيف غير دليل عن ذلك…. ".

نعم ان (فواد الكنجي) اهتم في لوحاته بالألوان ذات درجات متساوية في الحدة اللونية في( الأسود والأبيض ) التي تخرج في لوحاته ، لتعبير يوازي جمالية الشكل بانسجام اللوني بين الأسود والأبيض كوسيلة يستخدمها الفنان لتعبير وفق موضوع اللوحة مع إشكال اللوحة . وكما هو معروف أن المدرسة التعبيرية والسريالية والرمزية تعطي للفنانين حرية أوسع في التعبير ، لذا اتجه (فواد الكنجي ) إلى تداخل اللوني بين الأسود والأبيض كجزء من التعبير لترجمة الانفعالات والأحاسيس بكشف جوانبها الأكثر توترا، وأهتم فواد الكنجي كما عرف عنه , بالضوء المتجانس والبناء المجسد فكانت سطوح ألوانه الأسود والأبيض وتدرجاته التي تتألف وتتداخل التعبير عن الموضوع باستخدام الظل والضوء ، رغم كونه لا يستخدم القيم اللونية الأخرى التي تقوم على المبالغة في استعمال اللون دون تقييد باللون الأساسي للأشياء بقدر ما اعتمد على الأسود والأبيض لتعبير عن بقية الألوان، وكون فواد الكنجي قدم بحث في(( قيمة الرمز في الإبداع الفني)) كما جاء في أعماله المقدمة في معرضه الشخصي الرابع في قاعة الرشيد ببغداد عام 1987 م فهو حقا سيبقى رائدا لهذه المدرسة التي وضع أسسها لتوضيح آراءه وأسلوبه.

فنجد فيها أن الجسد والمعاناة شكلت مفهوما أساسيا في كل لوحاته، وقد كان الفن التخطيط بالأسود والأبيض بالنسبة له وسيلة للتعبير عن الروح من خلال الرموز والحروف والأبعاد والإيقاع , لكي يظهر محتواه الروحي ألذي يتطلب من الرسام أن يشير إلى هذا المحتوى بشكل ضمني .

أعماله في ضيافة ليلى العطار

ان عرض أعمال الفنان التشكيلي فواد الكنجي في كبرى قاعات بغداد أتى بكون أعماله هي التي فرضت وجودها لتتعرش في هذه القاعات التي كانت تقتصر آنذاك لكبار الفنانين العراقيين، علما بان الكنجي حين أقام معرضة الثاني في قاعة المتحف الوطني للفن الحديث عام 1983 م كان طالبا في جامعة بغداد قسم الفلسفة الحديثة ، ولكن اعمله فرضت وجودها وقد ابدوا كبار الفنانين التشكيلي العراقيين حسن التقدير له ، وهنا وفي هذا المقام لا بد من ذكر بان ألفنانه التشكيلية الشهيدة ( ليلى العطار ) التي كانت مديرة المتحف الوطني للفن الحديث في عام 1983 م هي التي حضنت أعمال المعرض الشخصي الثاني والثالث للفنان فواد الكنجي ، وقد وجدناها أكثر من مناسبة تجول برفقة الفنان( فواد الكنجي ) في قاعة عرض الإعمال يتحاوران ويتناقشان بشان المواضيع وأسلوب وطريقة رسم الإعمال المقدمة ، وقد ذكر لنا فواد الكنجي " … بان (ليلى العطار) وقفت كثيرا تسألني عن أسلوب و طريقة التي عملت بها حركات التخطيط التي تظهر ألوحة وكأنها تتحرك .. كانت مندهشة ومذهله بما تشاهد في هذا العرض، وقلت لها بأنني ألان اعد أعمال أكثر حداثة مما تشاهدينه هنا فقالت :

(قد جعلتني اشتاق لرؤيتها وحقيقة أود ان أرى المزيد من هذه الأعمال لأنها في قمة التعبير وأسلوبها حقا جديد، ولا أخفيك القول بأنني في الصباح حينما انهي من الإعمال الإدارية أتي إلى قاعة العرض لأتأمل لوحاتك .. فإنها حقا تأخذني إلى عالم أخر يحفزني إلى ابتكار فكار لإعمال جديدة )،

فقلت لها:

– بان كلامك هذا هو شهادة تقديرية اعتز بها

وقالت :

– "انأ حقيقة .. وإنا صريحة مع نفس ..رغم إنني التقي بك لأول مرة، ولكنني أحس من خلال أعمالك وحديثك معي بأنني أعرفك منذ أمد طويل ويسعدني أن نتعرف أكثر فمتى شئت بعد انتهاء المعرض أن تأتي إلى المتحف فانا موجدة هنا يوميا بحكم وظيفتي"

فقلت:

– شكرا فانا يشرفني أن أتعرف إلى اكبر فنانة في البلد التي هي قدوة لكل الفنانين التشكيلين فضحك وقالت :

– "هذا من حسن تقديرك"

قلت:

– انأ لا اجامك ولكن ليس هناك من في العراق لا يعرف ليلى العطار

قالت :

– "بشان ما قلته بأنك تعد لمعرض الجديد أين تفكر في إقامته"

قلت:

– انا كما تعرفين لا املك حق اختيار القاعة، لان الأمر يعود إلى دائرة الفنون التشكيلية والحجوزات ، ولكن لو خيروني لاخترت قاعتك بكل تأكيد فقالت :

– " بأنها ستسعد كثيرا بان أتي إليها بعرض إعمال جديدة، وإنها يشرفها ان يكون العرض في قاعة المتحف الوطني مرة ثانيه …".

وفعلا فان الفنان فواد الكنجي حين عاد في شباط من عام 1984 م ليقدم معرضه الشخصي الثالث وجدناه مقام أيضا في بناية (المتحف الوطني للفن الحديث – بغداد ) التي كانت( ليلى العطار) ما تزال مديرة للقاعة آنذاك ، وقال لنا الفنان التشكيلي فواد الكنجي " .. قابلت ليلى العطار رغم إنني بعد انتهاء عرض (المعرض الشخصي الثاني ) كنت أتى إلى المتحف كلما كان هناك عرض لإعمال فنانين التشكيلين، فكنت أتعرج إلى غرفة الإدارة واطلب من الحارس رغبتي بمقابلة ليلى العطار فكانت على الفور تأذن لي بالدخول حتى انها قالت للحارس: " كلما اتى فواد الكنجي تدخله فورا " وفعلا دارة بيننا نقاشات كثيرة في شتى المواضيع، وبعد ان أتممت إعمالي الفنية وجهزت لعرضها قابلت (ليلى العطار) وأخبرتها برغبتي في إقامة (المعرض الشخصي الثالث) .. ففرحت كثيرا وقالت:

– "هذا رائع .. ان مشتاقة لرؤية الجديد من إعمالك "…

وانأ جالس في غرفتها رفعت الهاتف واتصلت بدائرة فنون التشكيلية وزارة الإعلام ورتبت كل شئ … فقلت لها:

– هل سيكون العرض هنا في المتحف الفني قالت:

– "نعم … وعليك ألان أن تذهب إلى دائرة فنون التشكيلية وتتفق معهم على موعد الافتتاح .. وانأ سأتصل بوزارة الأعلام أجهز لك ليوم الافتتاح ".

وفعلا كان يوم افتتاح (المعرض الشخصي الثالث) يوم رائع لن انساه ابدا لما فعلته ليلى العطار لانجاح العرض ولعدد الهائل من الجمهور الذي وجده حاضرا قبيل افتتاح المعرض … فقد حضر افتتاح المرض الأستاذ (الدكتور سعدون حمادي) من ابرز قيادي في الدولة العراقية آنذاك وكان بجانبه مدير دائرة التوجيه السياسي الأستاذ (عبد الجبار محسن) والفنان التشكيلي العراقي المعروف الأستاذ ( إسماعيل الشيخلي ) إضافة إلى الفنانة الغالية (ليلى العطار) التي كان لها فضلا كبير في توجيه دعوة حضور افتتاح المعرض لكل الجهات الإعلامية والسفارات الغربية في بغداد،(( انظر الى الصورة المرفقة من اليسار ليلى العطار ثم عبد الجبار محسن ثم الوزير سعدون حمادي ثم فواد الكنجي ثم اسماعيل الشيخلي )) وفعلا كان الإعلام العراقي برمته حاضرا في القاعة وعدد كبير من العاملين في السك الدبلوماسي في السفارات الغربية فتم تسليط الضوء على أعمال المعروضة في الصحافة العراقية بشكل ملفت وأحسست بأنني في كرنفال مهيب… تلك اللحظات لن أنساها مطلقا .. ولن أنسى (ليلى العطار) في ذلك اليوم، والأيام التي تلت العرض ، علما بان العرض تم تمديده بطلب منها لحجم إقبال الجماهير الى القاعة وكانت تتابع العرض منذ ساعات الأولى لافتتاح أبواب المتحف وحتى نهاية العرض الذي كان يستمر لغاية الساعة الثامنة ليلا، وكم كانت أحاديثها معي شيقة بطبعها الهادي وأناقتها التي لا توصف إذ وأنا خلال وجودي اليومي في بناية المتحف الوطني للفن الحديث في باب الشرقي وبما زاد عن عشرين يوما لم أجد( ليلى العطار) إعادة ارتداء ملابس سبق إن ارتدها، فكل يوم كانت تأتي بزي أنيق اجمل من سابقه فنتحاور ونناقش.. فليلى العطار كان لها صوتا هادئا.. وحينما تتحاور، تتحاور بأسلوب شيق لا تكاد ان ترفع نضرك من سيماء وجهها وعيونها الواسعتان فكانت حقيقة واحدة من أجمل جميلات بغداد ، و كانت ليلى بمعرفة واسعة لحجم خبرتها الطويلة بكونها فنانة تشكيلية مارست احترافها منذ أمد بعيد وكان لها بصمتها الخاصة في الفن التشكيلي العراقي ، فكان لها إلمام بمداس الفن والفلسفة بشكل واسع، فكانت تتحدث عن إعمالها وأسلوبها فتعرض لي نماذج من أعمالها من خلال كراسات التي نشرت لوحاتها ونمضي بالحوار بشتى مواضيع الفن فيأخذنا الوقت ولا نحس الا حينما نسمع حارس مبنى يقفل أبواب القاعات فكانت تضحك وهي تلتف على الساعة قد أخذنا الوقت وتنهض فتقول سأراك في الغد … وهكذا .. للأسف وانأ اذكر تلك الأيام و سيماء وجهها وعيونها يحز في نفس الم فراقها فـ(ليلى العطار) كانت لي أستاذة وصديقة وأخت عزيزة والأسف اغتالوها الأوغاد الأمريكان وهي في عز شبابها ومجدها .. اغتالوها بجرم غادر ليقطفوا من الوطن علم من أعلام الفن التشكيلي العراقي يصعب تعويضها، ولكن ستبقى ذكراها خالدة في نفوسنا وفي ذاكرة الوطن رحمها الله.. !

وأعود إلى يوم الافتتاح حيث قلت لأستاذ إسماعيل الشيخلي ونحن في صالة الضيافة كيف وجدت العرض فقال :

- "…من أين أتيت بهذه الأفكار الفلسفية …قلت له باني طالب في كلية الفلسفة ، فقال :

- " .. انا مع الأستاذ (سعدون حمادي ) ونحن نتأمل اللوحات قلت له : يبدو صاحب هذه اللوحات والأفكار المطروحة يقف على خلفية ثقافة واسعة فرد : يبدو كذلك …".

ومن ملفت بان الأستاذ (سعدون حمادي ) وقف أمام إحدى لوحات متأملا فيها بما تجاوز ربع ساعة ولا ادري بماذا انعكست تلك اللوحة في مشاعره وقد سجل في سجل الزائرين كلمة اعتز بها وهي موجودة معي … إضافة الى حضور عدد كبير من الصحفيين ومراسيلي الاعلام وأساتذة وجمهور غفير .

فنه والحداثة

هذا المعرض حقا كان يمثل اتجاها من اتجاهات الفنون الحديثة في فن التشكيلي العراقي ، وتعد إعمال فواد الكنجي ملخصا لأطروحاته الفنية، ففنه شبيه بالشعر أو النثر الذي يتضمن معاني كثيرة وكل شخص يتذوقه ويفهمه كما يحلو له وهو يعكس ما بداخل الفنان وأحاسيسه ليظهره لنا في أعماله الفنية، والفنان( فواد الكنجي) تندرج أعماله تحت المدرسة الحديثة، لقد شكلت التعبيرية والسريالية والرمزية أيطار يندرج تأثيره بالأسلوب الذي اتخذه كمنهج له لتعبير عن فنه بصفته الأكثر واقعية وتعبيرا عن وجدانه لما كان يعانيه الشعب العراقي في تلك الفترة .

فالكنجي يأخذ من (الرمز ) المعنى.. ومن (التعبير)الإحساس.. تلك الأحاسيس التي يفجرها بسريالية مشرقة وبعاطفة متوهجة،

إن أعمال وأطروحات الكنجي تحمل إيماءات إنسانية بضرورة الانتصار على القسوة والتلاشي والضياع .. وتتمثل هذه الإيماءات عبر الحرية المطلقة التي تساعده على اختراق جحيمه الداخلي وضغوطات الحياة ، لوحات كثيرة رسمها الفنان التشكيلي (فواد الكنجي) تتضمن مفهوم الحب بكافة تجلياته.. الحب في محاريب الحنين والوجد.. والحب في محاريب الألم والقلق والحزن.. كل ذلك في متاهات الحياة, وفي غمرة الانشغال بصياغة مفهوم بصري مختلف وبحث تشكيلي يحاول أن يكون مميزا وحديثا, وأن يكون قادرا على الارتقاء بأدواته بما يليق بهذه المنظومة التي تندرج تحت أقواسها العديد من الحالات الإنسانية التي تذهب بين ظلمة الروح واشراقاتها المضيئة، فلوحاته تنساب في فضاء الحزن وهو يسعى إلى احتواء الذات البشرية وإبراز البعد الداخلي والوجداني وسبر أغوارها التي تتفاوت وتتعدد ملامحها ، حيث تجد كل لوحة معنونة في كراس خاص بالمعرض مكتوبة بمفردة مبسطة تقرب للمشاهد مضمون اللوحة التي يراها وتساعده على تذوقها بجمالية أكثر، ويتفاعل معها مهما كان رصيد ثقافته الفنية، فعندما يقف الشخص أمام أية لوحة من لوحاته ويقرأ عنوانها سيسبر وفق هذا المعطي في تفسير اللوحة وحسب ثقافته وهمومه الشخصية يفهمها ويتفاعل معها أكثر ويدخل في حوار شخصي مع ذاته واللوحة التي يشاهدها فتنمو ملكته الفنية ويتحول إلى متلقي إيجابي يستوعب كل الرسالات التي ترسلها له اللوحة والدلالات التي تحملها كل صورة والعوالم التي يرسمها الفنان عن واقعه أو أحلامه أو انفعالاته وإيحاءاته وبالتالي يفهم الواقع الذي يعيش فيه غائصا في الملكوت الفن عبر الخيال الذي يوسع مداركه في أعماق الروح .



  • فواد الكنجي
    السيرة الذاتية لشاعر فواد الكنجي - ولد في العراق عام 1957 بمدينة كركوك عرفه - حصل على شهادة بكلوريوس آداب قسم الفلسفة جامعة بغداد عام 1982 - عضو عامل في نقابة الفنانين العراقيين منذ عام 1981 - عضو في اتحاد العام للأدباء والكت ...
   نشر في 21 أبريل 2015  وآخر تعديل بتاريخ 16 أبريل 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا