يد مثقوبة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

يد مثقوبة

قصة قصيرة

  نشر في 26 مارس 2021  وآخر تعديل بتاريخ 30 مارس 2021 .

   كان جالسا في الغرفة الصغيرة المجاورة لصالون الضيافة، يُحملق بفراغ والدمع في عينيه، في يده تلك التي اعتادت والدته على القول بأنها يد مثقوبة. كان صوت حديث أمه مع صديقتها يتناهى إليه من الصالون:

ــ لقد أهلكني يا أختي.. دمّرني وأتعبني.. لا أعرف ما الذي سأفعله معه.. لم أفهم منه شيئا قط.

ــ لا عليكِ صاحبتي، سيجتمع شتات نفسه مع الوقت- قالت المرأة مصبّرة والدته.

ــ متى يا أختي متى؟.. إن عمره الآن عشر سنوات.

كان معتادا على مثل بكائيات والدته تلك وتقريعاتها، لكنه لم يكن يشعر بأنه معني بها كثيرا، أما اليوم فهو أشد شجناً وحرقة من أن ينتبه لذلك.

بدأ الأمر كله صبيحة ذلك اليوم المشمس؛ حين طلبت منه والدته أن يأتيها بنصف لتر من الحليب وربع كيلو من الدقيق الأبيض من البقال وهي تردّد بإلحاح عبارات من قبيل: " ركز معي.. إياك أن تنسى ثانية!"

كان اليوم يعِد بالحر من بداياته، وصوت هدير حافلات توزيع السّلع يصخب المكان. وفي الطريق إلى البقال استوقفته فتحة عميقة لتصريف مياه المجارير، فأخذ يتأمّل غَورها ويسبر أعماقها بخياله متسائلا: "ماذا لو أسقطت نقود السُّخرة فيها، هل سيقودها الماء العكِر ليعثر عليها أحدهم في مكان ما بعيدا عن هنا؟ هل يمكن أن تسافر إلى فرنسا مثلا؟ أو هل سيتلقفها أحد الجنّ هناك؟ أم ستظل فقط قابعة في مكان ما هناك بالأسفل فيستولي عليها جُرذ ما؟ وهل تأكل الجرذان النقود مباشرة أم تشتري بها مثلنا في عالمها الخاص؟ وما الذي يوجد في الأسفل هناك أوّلا؟ .. لا شكّ أن أمي ستبرحني ضربا، لم لا أنسى الأمر فقط."

استأنف سُخرته، وفي المنزل وهو يصعد الدّرج استرعى اهتمامه صندوق كبير بالعلّيّة، تفحّصه فوجده نصف فارغ إلا من بعض أدوات السّباكة والمسامير الصّدئة المنسية؛ جَعلَ يتدبره طويلا.. ثم صعد إلى والدته في المطبخ فارغ اليدين.

ــ أين هي السُّخرة؟ - سألَته والدته.

ــ سَقطت مني النقود، في فتحة المجارير تلك، رأسَ الحي.

ــ "أويلي" مالَكَ معاق؟ .. أغرب عني، ابتعد من أمامي.. فقط ابتعد.

وفي الغد كرّر فعلته، ولم يأتِ والدتَه ما طلبَتْه منه، وبعد الغد كذلك.. بقِي على حالته تلك أسبوعا كاملا يُنوع من تخيّلاته؛ تارة يقول لوالدته بأن النقود ضاعت منه ولا يعرف بالتحديد كيف ولا أين، وتارة أخرى يخبرها بأن جماعة من الأطفال تعرضوا له، أسقطوه أرضا ثم أخذوا النقود، ومرة يدّعي أمامها أن صاحب الدّكان أخذ النقود من عنده ثم أنكر ذلك..

ضاقت الوالدة ذرعا بالأمر، فأرسلَت في اليوم الأول من الأسبوع الموالي فتى شابا من أبناء الحي ليتعقبه؛ راقبه الفتى وهو يتلقف السُّخرة من عندِ صاحب الدّكان، ثم تَتَبّعه إلى أن دخل المنزل. وبعدها بلحظات سمع صراخ الأم وهي تزبد على الطفل-طفلها بحشرجة واضحة ظن معها الفتى خارج المنزل أن حبالها الصوتية قد جُرحت.. نادت الأم الفتى، فأخبرها بما رآه مستغربا، ثم أقسم لها على ذلك.

وبعد ضربٍ مبرح ودام "بالكابْلي" والصندل، ووَعيد "بالتريسنتي" ومن ثم الإقفال عليه في المرحاض لينام هناك طوال الليل، لَانَ الطفل، وأخذ يطلب من والدته متضرّعا وهو يبتلع مخاطه ودموعه المالحة أن تسمح له بالتقاط أنفاسه أولا، ومن ثم سيخبرها بكل شيء.

ورغم أنه لم يكن يعرف ماهي "التريسنتي" بعد، إلاّ أنّه كان يسمع الكلمة كثيرا في معرض أي كلام أو حديث تقريبا عن التخويف والعقاب، فخمّن بذلك أنها أشدُّ إيلاما من ضربات "الكابلي" الحارقة تلك التي كانت ما تزال تلسع جسده؛ لم يستطع تحمّل ضربة أخرى فاعترف لوالدته بمخبئه: الصندوق في علّية الدرج، هناك حيث أدوات السّباكة والمسامير الصّدئة المغبّرة؛ ألفَت والدته مختلف أنواع التوابل وعُلب الحليب وأكياس الدّقيق والملح والمعجّنات وأكواب الياغورت التي كانت قد طلبت منه إحضارها.

أخذَت الأم تفرغ الصّندوق في صمت وأناة، شبه مشدوهة كما لو أنها قد عثرت على شيء ثمين منسي كانت قد فقدته منذ زمن.. وما أن انتهت حتى عادت إلى الطفل، أدخلَتْه الغرفة الصّغيرة، لِيَتعالى بذلك صوت الصّراخ والبكاء والعويل. كان صُراخ الطفل يملأ الحي ويعلو صوتَ هدير حافلات السّلع حين تدخّلت إحدى الجارات، صديقة والدته تلك، ثم سحبتها إلى الصالون محاولةً تهدئتها. "ذاق ما ذاقه الطبل يوم العرس" قالت الوالدة لصديقتها مفرِّجة عن حنقها..

كان الطفل يسمع ما كانت تقوله الوالدة لصديقتها، لكن بشجاً ودونمَا اهتمام.. وبعد أن تأمّل يده المثقوبة، بيقين أكبر بأنها كذلك، أسقطَ رأسَه إلى الخلف على السّرير؛ ثم غَفا تعبا مدحوراً، حزينا ويائساً كقُرصان نُهبت كنوزه وخُرقت سفينته.


  • 3

   نشر في 26 مارس 2021  وآخر تعديل بتاريخ 30 مارس 2021 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا