بلسميات - ٣ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بلسميات - ٣

مذكّرات رجل صار أباً أواخر العقد الرابع

  نشر في 23 يونيو 2018  وآخر تعديل بتاريخ 18 يوليوز 2018 .

يأبى أن يجلس وحيداً لأكثر من دقيقة، وترهقنا مطالبته لنا بالاهتمام المتواصل به وحمله واللعب معه. لكنّا إذا نام تشوّقنا إليه، وانتظرنا لحظة استيقاظه بفارغ الصبر لنأنس به ونلهو معه. فما إن نسمع هديله حين يصحو، حتى نهبّ إليه لنلتقط جسده الغض من الفراش ونحتضنه، فهو بهجة البيت وسيّده، وهو الآمر الناهي فيه.

تجذب انتباهنا حركاته، تطرب أسماعنا أصواته، تأسر قلوبنا ابتساماته، تلهب مشاعرنا ضحكاته، يسعدنا تلبية حاجاته، وأسابقها إلى حمله، لأنّ نشوة التصاق جسده بي لا تعدلها نشوة. فعندها أسمع نبضات قلبه، وأشمّ عبق جسمه، وأستشعر اختلاجات أحاسيسه، وأرى ارتداد نظراته وأقرأ تقاسيم وجهه، وعندها فقط تختلط أنفاسنا ببعضها. ذاك باختصارٍ حالنا مع رضيعنا المدلّل حتى أصبح تناولي الإفطار أو العشاء مع أمه ضرباً من الترف، ما عدنا نستحقه!

وفي فرصةٍ نادرة أتاحها لنا لمّا غطّ في النوم بعد استحمامٍ ليلي، وما أقصر نوبات نومه، جلستُ وأمّه نفكّر: أيُعقل أنّ كلّ مَن يرزقان وليداً يطويان هواياتهما جانباً ويختصران أشغالهما ليتفرّغا لرعايته؟! أكان ذلك ديدن آبائنا وأجدادنا؟ كيف نجحوا في تربية ستة أو تسعة أولادٍ بينما يشغلنا كلّياً طفلٌ وحيد؟ أين الخلل؟ أهو في بلسمٍ أو في رعايتنا المفرطة له؟ هل لتقدم عمرينا علاقةٌ بذلك إذ عوّدناه على الدلع؟ أو هو تغيّر نمط الحياة حتى بات إغداق الحبّ والرعاية والنّفقة لزاماً علينا، لأنّه كفيل بتأليف قلبه وتهذيب خُلقه وزيادة ثقته بنفسه، نظراً لاتّزانه العاطفي وغناه الفكري؟!

لطالما استغربت خمول أصدقائي حين كنت من قبل أسألهم كيف قضوا عطلتهم الأسبوعية، فيجيبون بأنّهم أمضوها في البيت مع أطفالهم! فأحدّث نفسي: يالها من حياةٍ سخيفة تلك التي يفرضونها على أنفسهم وعلى أولادهم، بدل أن يخرجوا معهم ليستمتعوا جميعاً وليتعلّموا منهم ويعلّموهم. أو بدل القيام بنشاطات تساهم في تحسين حياتهم. أو بدل ممارستهم لرياضاتٍ فكريّة أو جسميّة تبهجهم وتنمّيهم. أيّ هدف يناله الوالدان حين يصبح جُلّ اهتمامهما إطعام الأطفال وكسوتهم وتلبية حاجاتهم؟ وأي عظيمٍ يحقّقانه حين تصبح غاية متعتهما هي الخروج مع أطفالهم إلى حديقةٍ مجاورة؟

وكنت أنظر إلى حالي فأرى كيف تتحوّل حياتي إلى جحيمٍ حين ينطوي شهرٌ لا أخوض فيه مغامرة السفر إلى مكان ما، أو حين يمرّ أسبوعٌ دون أن أكتب مقالةً لائقة، أو حين يمضي يومٌ دون أن أقرأ شيئاً مثيراً أو أشاهد محاضرةً أتعلّم منها. أيُعقل أن يرغمني بلسم اليومَ على التخلّى عن ذلك كلّه؟ أيّعقل أن تتخلّى زوجتي عن حلم إتمام تعليمها الجامعي بهذه السهولة، وهي بالكاد بدأته إثر تحفيزي الطويل لها؟ أكره الحياة إذا خلت من الإثارة والتعلّم والأحلام. أرفض حياة الخاملين.

قرأت عن المصاعب التي تواجه الوالدين في التربية السليمة وأنها تبدأ من سنّ الرضاعة، لكنّي لم أدرك التحدّيات التي تضعها تعقيداتها فتعيق قدرتهما على مواصلة العطاء. قرأت عن الحاجة الماسّة لتنظيم الأوقات وتوزيع المهام بينهما، لكنّ لم أعرف أنّ الرضيع سيسرق منهما جلّ أوقاتهما وهما يبتسمان. قرأت أن الرجل لن ينتظر من زوجته الكثير مما كان يلقاه من تجمّلٍ وتودّد، لكن لم يقلّ لي أحدٌ أنه سيعجز عن العثور على وقت يجلسان فيه معاً أو يتنزّهان. قرأت أن البيت مع الأولاد لن يحافظ على رونقه ولمعانه المعهودين، لكنّ لم أتوقع للفوضى أن تتراكم في شتى أرجاء بيتي!

أحتاج مقدرةً أحافظ بها على مستوى رعايتي له من غير أن يرغمني على التخلّي عن هواياتي أو الإقلال من ساعات عملي. أحتاج معجزةً تمنحني ربع يومٍ لأحسن مصاحبة صغيري ورعايته دون أن أُهمل اهتماماتي ومهامّي. أحتاج أن أنفكّ من أسر هذا الرّضيع لي من غير أن يؤثر ذلك عليه ولا على مستوى رعايتي المادية والمعنوية له.

أغيثوني.


  • 12

  • أقباس فخري
    لا أكتب للناس بل أكتب لذاتي. أحاول العثور على نفسي حين أكتب. لعلّي ألملم شتاتها المبعثرة فأجمعها، أو عساني أعيد تكويني.
   نشر في 23 يونيو 2018  وآخر تعديل بتاريخ 18 يوليوز 2018 .

التعليقات

بلسمٌ واحد وفعل بكم هكذا
1
أقباس فخري
D: تخيلي؟
اولا .حفظ الله لك ولزوجتك ابنكما الجميل وبارك فيه ..ثانيا . ايها الاب الحنون.دائما ما يكون الطفل الاول للوالدين محل اهتمامهم وحرصهما الشديدين.( الطفل في مراحله الاولي حقل تجارب للوالدين للاستكشاف عالم وعادات هذا الطفل ويكتسب الوالدين يوم بعد يوم خبرة في طرق وكيفية تربيته مع ما يستجد من تغير في اطوار نشأته...) فتربية اي طفل صغير لاسيما أنه الطفل الاول قد يؤثر ذلك على اشياء كثيرة من عادات الوالدين على كافة الاصعدة ( من كتابة.. وقراءة وزيارات اقارب..وخلافه ) فهو يشغل حيز كبير من بؤرة التفكير و الاهتمام والخوف من عدم الوفاء بكافة جوانب تربيته ( ( المعنوية والمادية والعاطفية )
اخي الفاضل أقباس... لا تخشي شى . وحاول ان توازن بين الامور .. ولا يندبك شعور التقصير في تربيته لعدم الجلوس معه لفترات طويلة..
واتفق كليا فيما أبدعت به وذكرته الاخت الفاضلة فوزية من رأي.. و نقلها خبراتها الشخصية فهي تملك مقومات الام الحكيمة حفظها الله وبارك لها ولنا ولك في اولادنا جميعا
دمت ابا حنونا طيبا ... اخي أقباس
3
أقباس فخري
بارك الله فيك أخي الطيب إيراهيم. قرأت تعقيبك باهتمام وسرّني لأنه ادخل الطمأنينة إلى قلبي. سأحاول أن أكون ذكيا ومنظماً جداً وأكثر من أي وقت مضى لأعطي بلسم حقّه من غير التقصير في اهتماماتي ونشاطاتي. غمرني لطفك وطيب مشاعرك. بوركت صديقي.
ابراهيم محروس
اطمئن اخي الغالي.. تحياتي لك ولاسرتك الغالية.. وبلسم الجميل ( اخوك ابو عمر )
Salsabil Djaou منذ 5 شهر
حفظه الله لكما وأسعدكما به، رضيع بالمنزل يخلق فوضى تامة ، ومع مرور الأشهر ستستطيعان التعود على الاهتمام به بالموازاة مع أعمالكم و هواياتكم ،يبقى تشجيع الزوج و مساعدته لزوجته أروع هدية قد تحصل عليها كأم ، ما أجمل إحساس الأبوة ،عبرت عنه بكلمات رائعة ، ارجو لك و لأسرتك الصغيرة كل الخير والهناء.
4
أقباس فخري
بالفعل أختي سلسبيل هذا ما حصل، وربما لأنني ابتعدت عنه ما يقرب من خمسة شهور شعرت بالصدمة لكثرة الرعاية التي يتطلبها والفوضى التي يخلقها. بوركتِ لاهتمامك وتكرمك بالنصيحة.
Alaa Bobaly منذ 5 شهر
ادام الله لك زوجتك و ولدك ، يخشى الوالدين احيانا من عدم تقديم الرعاية الجيدة لطفلهما او عدم قضاء الوقت الكافي معه و قضاء الوقت مع الطفل يعني له الحب و الاطفال لا يطلبون الحب فقط ابتسامة بريئة تدفعنا نحن لتقديم المزيد منه ، في المقابل هناك اعمال و مهام اخرى يجب القيام بها ، أيضا رأيت العديد من الأمهات يتركون الجامعة من أجل أطفالهم فالدراسة تأخذ وقت من حياة الام لذلك تقرر الاعتناء بأسرتها ، للأسف سيدي ليس لدي جواب على إغاثتك .
4
أقباس فخري
شكرا لك أختي الصغيرة. أودّ أم أعلمك أنّي لا أقيم مع بلسم إلا أسابيع ثم أسافر عنه بحكم العمل. وهذا ما يجعلني غير قادر على التوازن في عطائي معه. لذا أخشى أن تفسده طريقتي في التربية.
Alaa Bobaly
العفو اخي ، حبك الشديد له واهتمامك هذا لا اعتقد بأنك قد تفسده بطريقة التربية و سيكون فخور بوالده ، اتمنى أن لا تفارق البسمة وجهه الجميل و أن يكون من الصالحين .
أكرمكما الله بابن هو هدية..وضيف عزيز يستحق أن تكرماه أكيد.
لا زلتما في طور اكتشاف والديتكما من خلاله..وأكيد أن هذا الآمر الناهي..مبهر،جميل،واثق كما تشي نظراته التي زينت شاشة محمولي..أكيد أيضا أنه بذكائه الفطري سيحاول أن يكون محور وجودكما..إذا لم تحددا ضوابط للعلاقة بهدوء وبمنتهى الحب.
مايحتاجه هذا الجميل الواثق منكما هو التربية..وأما الرعاية من مأكل وملبس فبإمكان أي شخص ثالث تقديمها..والمقولة البلهاء التي تدعي أن الطفل صفحة بيضاء أو عجينة تشكلها كما تريد خاطئة لأن الطفل إنسان يولد على الفطرة النقية يمتلك قدرات ومواهب عليك أنت كمربي اكتشافها وتنميتها..وهاته أجمل هدية يمكن أن تقدماها لبلسمكما جميل القسمات والتعابير..
عش حبك لولدك أخي وانتش وافرح بهدية السماء..بلسمياتك رائعة..قلمك أعادني الليلة للمنصة..أسعدك الله وزوجتك.
5
أقباس فخري
حسنٌ أختي فهمت منك أن الأولوية يجب أن تبقى لبلسم هذه الفترة إلى أن تتكون شخصيته شيئاً فشيئاً وتتبلور اهتماماته وننجح في اكتشافها ومساعدته فيها حتى يصبح أكثر قدرة على الجلوس واكتشاف الألعاب لوحده. شكرا لنصيحتك. زوجتي تبلّغك سلامها.
فوزية لهلال
أهلا ومرحبا بسلام أم الجميل..الآمر الناهي..حلو القسمات..أهلا بأهلنا.أخي أقباس،إذا كان تواجدك إلى جانب طفلك لا يعدو شهرين في السنة..فأنت ليس لك خيار في هاته المدة القصيرة سوى التفرغ لاكتشافه ،وأن تعيش معه حالة حب تستأمن عليها عقله الباطن،لا تنشغل بمسألة إفساده بكثرة العناية..يا أخي هذا فلذة كبدك وهو ضيفك لأعوام وسيصنع يوما ما عالمه ..فأكرمه يحبك ويقتديك.
لقد عشت نفس التجربة في بداية زواجي منذ 14 سنة،أنجبت طفلي في غياب زوج حتم عليه واجبه ركوب البحر..والتجول بين المرافئ..غياب كان يطول شهورا..ومكالمات في عرض البحر باللاسلكي لا تشفي الغليل..وتترك دموعا وغصات..يزورنا شهرا،وما إن يعتاده صغيرنا حتى يرحل إلى أبعد بقاع الأرض..تاركا الدموع وراءه ..ودعواتنا أن يقيه الله غدر الأمواج.
الجميل في تلك السنوات الخمس،أنني أنشأت علاقة قوية بطفلي ..وأمضيت الساعات أطور قدراته وأدربه على مهارات بلسان ألعابه التي يحب..
الفترة التي قضيناها سويا في غياب زوجي..كانت قاسية أكيد خصوصا مع كثرة المسؤوليات..ولكني عرفت نقاط ضعف إبني ونقاط قوته وبدأت العمل معه ونحن نلعب ونحكي..وكانت الفترة التي قدمت فيها أنجح محاضراتي في التخدير والإنعاش في مؤتمرات الجمعية المغربية للتخدير والإنعاش.
سامحني إذا أطلت ،لقد تحدثت عن شغف لي ..وإذا كلمتني عن التربية فقد دخلت ملعبي..فجل ما فعلته طيلة 14 سنة هو التربية والدراسة. لم أتخل عن أحلامي لأني كرهت أن أردد على مسامع طفلاي يوما أني تركت كيت وكيت من أجل سواد عيونهم!
لن يرغمك جميلك الواثق على التخلي عن أي شيء تحبه..إلا إذا أردت ذلك،وأتمنى أن تكمل زوجتك تعليمها الجامعي..وبلسمها لن يكون إلا حافزها..
أنظرا للتربية على أنها متعة ..واقتسام وحالة حب ..وستكون لكما كما تريدان!
أتركا بلسم يعيث في البيت فوضى ..ويضع بصمته..ويكتشف،ولاتقيداه إلا إذا مُسَّ أمنه وسلامته..!
ستتعود القراءة والكتابة وشاهدة محاضراتك المفضلة وأنت تلاعبه...أو وهو يشجيك بموسيقى بكائه. لن يرغمك هذا العذب جميل المحيا على التخلي عن أي شيء..أنت من ستختار..فاختر أن تكبر معه..إياك أن تنفك من أسره..فأنت يا أخي لا تزوره إلا أياما في السنة..فاسمح له بأسرك رجاء!
تحياتي للوالدين الجميلين..محبتي
أقباس فخري
كرمك الذي تجلى في إعارتنا كلّ هذه الأهمية وإسهاب النصح لنا، يدلّ على حكمتك وحلمك مع ما حباك الله من مواهب. استفدنا أكثر مما تتصورين مما ذكرتِ أختي فوزية. سأحتاجالعودة لقراءة نصيحتك مراراً كلما توجب علي الاختيار بين تطوير المهارات الشخصية لبسلم وبين تطوير مهاراتي لأكون مثلاً جيداً يحتذي به بلسم إن شاء الله. بارك الله فيك على تحفيزك وتشجيعك لنا بالمضي قدما في مشاريعنا مع إعطاء الصبي العناية التي يستحق بمراقبته بذكاء.
لا أجد لنصيحتك مقابلاً يليق، فألف شكر من القلب مني ومن زوجتي.

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا