اعتزال الفتنة بين تأصيل السلف وتلبيس الخلف - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

اعتزال الفتنة بين تأصيل السلف وتلبيس الخلف

  نشر في 17 غشت 2014 .

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

فتلك مقالة أكتبها اليوم لمسيس الحاجة إليها، ولند

أولا: أرجوا من كل قارئ لهذه الكلمات أن يقرأها بعين الإنصاف لا عين التعصب، وألا يصده بعضها عن قراءة بقيتها، وألا يُحَمِّل كلامي من المعاني ما لم أكتبه بقلمي.

لقد سمعنا في الآونة الأخيرة هذا المصطلح (اعتزال الفتنة) يتردد كثيرا، خاصة في كل بادرة صراع ظاهر بين الحق والباطل، سمعناه حينما أراد الناس خلع الطاغية مبارك فقالوا لنا (هذه فتنة) فاجتنبوها والزموا بيوتكم !! وسمعناه أيضا حينما انقلب العسكر وحاشيته على الرئيس المنتخب لأسباب وهمية -ليس هذا محل التفصيل فيها- وقام الناس يواجهون الظلم والظالمين بكلمة الحق التي لا يجوز كتمانها فقالوا لنا مرة أخرى (هذه فتنة) فاجتنبوها والزموا بيوتكم !! حتى بدا الأمر لنا ولكثير من إخواننا وكأن الإسلام قد أمر المسلم عند منازلة الباطل أو طغيانه أن ينزوي وينخنس معتزلا في بيته، غير مُبَال بحقٍّ ينهزم أو باطل ينتشر.

كل ذلك بدعوى أن الإسلام قد نهى عن القتال في الفتنة، وأن السلف قد جرى على ذلك عملهم، مستدلين على ذلك بنحو قوله صلى الله عليه وسلم (إذا التقى المسلمان بسيفيهما) وقوله (كن عبد الله المقتول) ونحو ذلك من النصوص الشرعية الثابتة التي لا نجادل في ثبوتها، وإن كنا نجادل في دلالتها على مثل هذا المنهج الانهزامي الذي يُرََوَّج له في هذه الأيام، والذي قد أُلبس للأسف الشديد لباس السلفيةِ، والسلفيةُ منه بريئة، وقد تناسى هؤلاء المُلَبِّسون ما رغَّب فيه الدين من الأخذ على أيدي الظالمين، والجهر بكلمة الحق في وجوه المجرمين حتى ولو تكلف المرء في سبيل ذلك حياته، فصار القوم كمن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، ولم يكلفوا أنفسهم عناء الجمع بين ما تفرق من كلام الله ورسوله في هذا الباب حتى من باب (ذر الرماد في العيون).

ولخطورة هذه القضية وأثرها السيء على الشباب المسلم فكريا وعقديا، مما أدى إلى «تدجين» كثير منهم وجعلهم أداة في أيدي الظالمين، وحربا على الدين وهم لا يشعرون، كانت هذه الكلمات التي أحاول من خلالها أن أراجع كلام العلماء للإجابة عن سؤالين:

السؤال الأول: متى يكون الصراع صراع فتنة يجب على المسلم اعتزاله؟.

السؤال الثاني: هل اعتزال الصراع الواقع بين المسلمين عند ظهور الحق مما اجتمعت عليه كلمة السلف ولا يسع فيه الخلاف؟

وبالإجابة عن هذين السؤالين من كلام أهل العلم سيتضح لنا بجلاء حجم التلبيس والتدليس الذي يمارسه البعض اليوم باسم (السلفية)

(فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) وهذا أوان الشروع في المقصود.

لقد دلَّت النصوص الشرعية وكلام أهل العلم على أنَّ قتال الفتنة هو:

1- القتال الذي ينشب بين طائفتين من المسلمين كلتاهما على باطل.

2- أو القتال الذي ينشب بين طائفتين من المسلمين يلتبس فيه أمرهما؛ فلا يُعلم المُحِق من المُبطِل.

3- أو القتال الذي ينشب بين طائفتين من المسلمين يتقاتلان لمغانم دنيوية.

4- أو خروج جماعة من المسلمين على إمام جائر متأولين في ذلك بسبب جوره بعد ثبوت حكم الإمامة الشرعية له.

وتلك هي الفتنة التي نهى من نهى من أهل العلم عن القتال فيها لندب الشرع إلى اعتزالها، وأمره عندها بكسر السيوف وقطع الأوتار ولزوم البيوت.

ومع ذلك فإن كلمة السلف لم تجتمع على ترك القتال في تلك الحالات جميعها بل فصوا الكلام في ذلك تفصيلا. ولذا قال الحافظ رحمه الله [فتح الباري: 13/31] معلقا على حديث «تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم...» الحديث، مبينا مذاهب العلماء في قتال الفتنة.

والمراد بالفتنة ما ينشأ عن الاختلاف في طلب الملك حيث لا يعلم المحق من المبطل، قال الطبري: اختلف السلف؛ فحمل ذلك بعضهم على العموم وهم من قعد عن الدخول في القتال بين المسلمين مطلقا كسعد وبن عمر ومحمد بن مسلمة وأبي بكرة في آخرين، وتمسكوا بالظواهر المذكورة وغيرها..... وقال آخرون إذا بغت طائفة على الإمام فامتنعت من الواجب عليها ونصبت الحرب وجب قتالها، وكذلك لو تحاربت طائفتان وجب على كل قادر الأخذ على يد المخطئ ونصر المصيب؛ وهذا قول الجمهور.

وفصَّل آخرون فقالوا: كل قتال وقع بين طائفتين من المسلمين حيث لا إمام للجماعة فالقتال حينئذ ممنوع، وتنزل الأحاديث التي في هذا الباب وغيره على ذلك، وهو قول الأوزاعي.

قال الطبري: والصواب أن يقال إن الفتنة أصلها الابتلاء، وإنكار المنكر واجب علكل من قدر عليه، فمن أعان المحق أصاب، ومن أعان المخطئ أخطأ، وإن أشكل الأمر فهي الحالة التي ورد النهي عن القتال فيها».

فبين رحمه الله تعالى أنه متى عرف المكلفُ المحقَّ من المبطل وجب عليه نصرة الحق وأهله ومحاربة الباطل.

وقال الحافظ رحمه الله تعالى أيضا معلقا على حديث «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» [13/33]:

«احتج به من لم ير القتال في الفتنة؛ وهم كل من ترك القتال مع علي في حروبه، كسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وأبي بكرة،..... وذهب جمهور الصحابة والتابعين إلى وجوب نصر الحق وقتال الباغين، وحمل هؤلاء الأحاديث الواردة في ذلك -أي في النهي عن القتال في الفتنة- على من ضعف عن القتال، أو قصر نظره عن معرفة صاحب الحق، وحمل هؤلاء الوعيد المذكور في الحديث -حديث إذا التقى المسلمان- على من قاتل بغير تأويل سائغ بل لمجرد طلب الملك، ولا يرد على ذلك منع أبي بكرة الأحنف من القتال مع علي لأن ذلك وقع عن اجتهاد من أبي بكرة أداه إلى الامتناع والمنع احتياطا لنفسه ولمن نصحه».

وقال النووي رحمه الله في تعليقه على أحاديث النهي عن القتال في الفتنة [شرح مسلم: 18/10] وهو يذكر مذاهب العلماء في بيان حكم ذلك: «وقد اختلف العلماء فى قتال الفتنة؛ فقالت طائفة: لايقاتل في فتن المسلمين، وإن دخلوا عليه بيته وطلبوا قتله فلا يجوز له المدافعة عن نفسه؛ لأن الطالب متأول، وهذا مذهب أبي بكرة رضي الله عنه وغيره.

وقال ابن عمر وعمران بن الحصين رضي الله عنهم وغيرهما: لايدخل فيها، لكن إن قصد دفع عن نفسه. فهذان المذهبان متفقان على ترك الدخول في جميع فتن الإسلام.

وقال معظم الصحابة والتابعين وعامة علماء الإسلام: يجب نصر المحق في الفتن، والقيام معه بمقاتلة الباغين، كما قال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ الآية. وهذا هو الصحيح، وتُتَأَوَّل الأحاديث [الواردة في النهي عن القتال في الفتنة] على من لم يظهر له المحق، أو على طائفتين ظالمتين لاتأويل لواحدة منهما، ولو كان كما قال الأولون لظهر الفساد واستطال أهل البغي والمبطلون والله أعلم».

فبيَّن رحمه الله أنه عند وضوح الحق وظهوره تجب نصرته ولو بمقاتلة أهل الباطل حتى وإن كانوا مسلمين؛ إذ لا تلازم بين القتال والتكفير كما يزعم البعض الملبسين في زماننا أيضا وتلك مسألة تحتاج إلى بسط ليس هذا محله.

وفي بيان هذا التفريق بين قتال الفتنة وقتال مناصرة الحق يقول الإمام الطبري رحمه الله: «لو كان الواجب في كل اختلاف يقع بين المسلمين الهرب منه بلزوم المنازل وكسر السيوف لما أقيم حق ولا أبطل باطل، ولوجد أهل الفسوق سبيلا إلى ارتكاب المحرمات؛ من أخذ الأموال، وسفك الدماء، وسبي الحريم، بأن يحاربوهم ويكف المسلمون أيديهم عنهم بأن يقولوا (هذه فتنة وقد نهينا عن القتال فيها) وهذا مخالف للأمر بالأخذ على أيدي السفهاء» [فتح الباري: 13/34 - شرح ابن بطال: 10/27 - تفسير القرطبي: 19/376]

وبعد هذه النقول التي نقلناها عن محققي علماء الأمة من المتأخرين يتضح لنا من الحقائق الشرعية ما يلي:

1- عند معرفة المحق من المبطل لا يكون الأمر فتنة حتى ولو وصل إلى المقاتلة ويجب حينئذ نصرة الحق والأخذ على يد الباطل.

2- القول باجتناب القتال في الفتنة مطلقا ليس محل إجماع بين السلف بل جمهورهم على خلافه، فلا يصح والحالة هذه أن نجعل القول فيه قولا واحدا، ولا أن نجعل المخالف فيه مبتدعا.

3- لا تلازم مطلقا بين المقاتلة وبين التكفير، فقد يقاتل أهل الحق من لا يكفرونه، وقد يكفرون من لا يقاتلونه، وذاك أمر لابد من فهمه جيدا وهو يحتاج إلى بسط ربما نؤخره إلى مقال قادم.

4- القعود عن مناصرة الحق ومواجهة الباطل خوف الفتنة هو الفتنة بعينها (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا)

وأخيرا: فقد كتبت هذه الكلمات إبراءا للذمة، وذبا عن منهج السلف، وغيرة عليه أن ينسب إليه ما ليس منه، وأن يشوه بما ليس فيه، ونصيحة لإخواني بتوضيح المراد بالفتنة التي يجب عليهم اعتزالها.

ولئن أراد البعض أن يدخل بنا في بُنَيَّات الطريق ومضائقه فقال: أرأيت الشيخ الفلاني والعلاني؟ ألا يعلمون هذا التفصيل؟

فجوابنا: إرجعوا إلى نصوص القرآن والسنة مجتمعة غير متفرقة، وراجعوا ما ذكرناه من كلام المحققين في بيان معانيها، ثم اعلموا بعد ذلك أننا ندين لله بأن الحق لا يعرف بالرجال وإنما الرجال هم الذين يعرفون بالحق، واحذروا فإنه لا يَرُدُّ الكتاب والسنة وفهم السلف وتحقيقهم بأقوال زيد أو عبيد إلا مقلدٌ عصبي، أو جاهلٌ غبي، وكلامنا ليس لهما، ونعوذ بالله أن نكون كأحدهما.

والله تعالى من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل.




   نشر في 17 غشت 2014 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم











عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا