لا تنتظر السعادة..فقط خذ قرارك - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لا تنتظر السعادة..فقط خذ قرارك

رسالة إلي من يري أن الدنيا لم تهبه أسبابه الكافية لينعم بحياة سعيدة..

  نشر في 15 غشت 2020  وآخر تعديل بتاريخ 17 غشت 2020 .

فتحت عيناها في غرفتها المظلمة لتكتشف أنها لا زالت علي قيد الحياة...يداها تتحرك علي صدرها محاولةً إسكان تلك الرجفة اللتي تزداد بلا رحمة معبرةً عن مدي العذاب الداخلي..اليد الأخري تتخلل الأغطية باحثة عن هاتفها الخلوي للتتفقد الرسالة اللتي تنتظرها كل يوم ..لكنها لاتجدها كالعادة..تتصفح عيناها بحسرة عشرات رسائل الإهتمام والدعم من صديقاتها وأهلها والمئات من رسائل العمل التي توقفت عن قرائتها منذ فترة طويلة.

وتضع الهاتف لتلتقط شريط الدواء اللذي لا يفارق وسادتها وتبتلع منه قرص لتستطيع التحرك من سريرها اللذي بات حزينا معها.

تذهب إلي حمامها وتقف أمام المرآة..تتفقد وجهها ذو الملامح الفاتنة..عيناها تلمع كالؤلؤ..وشعرها كسلاسل من الليل مسدولة علي كتفيها..لماذا يخيم الحزن علي هذه الملامح الجميلة؟..تحاول البكاء ولكن يبدو أن البكاء أصبح رفاهية لاتمتلكها أيضا..يبدو أن القرص اللذي ابتلعته صباحا لم يعد كافيا ..ذهبت لتحقن نفسها بجرعة من الدوبامين لتحصل علي مفعول أسرع..وأحضرت مستحضرات من السيروتونين لتسكبها علي جسدها أثناء الاستحمام.

كان لتلك الجرعات الكبيرة تأثيرها الواضح علي مزاجها ..فصارت ضحكتها تهز الأركان بلا سبب واضح للضحك..ولكن بعد لحظات أحست أن هذا الفرحة المزيفة ينقصها عنصر أساسي ..لا زالت تشعر أن روحها عليلة..أخذت تتساءل..لماذا أنا حزينة؟..فُتح بذهنها مئات من أسباب التعاسة وعلي النقيض عثرت علي الآلاف والآلاف من أسباب السعادة..ولا زالت غير قادرة علي العد والإحصاء..هذه الحسبة غير عادلة إطلاقا..لا يوجد سبب منطقي لهذا الظلام الحالك..لا توجد إجابة واضحة لهذا اللون الرمادي اللذي يخيم علي أركان الحياة.

توضأت واستعدت للصلاة وأخذت تناجي بصوت شبه مسموع..فشعرت بشجن لطيف يلامس روحها حتي انفجرت بالبكاء.

صارت تشكي لله ما أصابها وما لم يصيبها...كالطفل يستنجد بأمه بعد مصرعه..وبالتدريج شعرت بنسيم يملأ صدرها..ورأت ببصيرتها ألوان تتخلل اللون الرمادي..وأحست بعودة روحها من جديد..وكيف لا وهي تناجي الحبيب..وأي لذة تماثل لذة هذا الوصال؟..فهو جنة الصدر وإكسير الحياة..هي الدواء لكل داء..والحل لكل مشكلة.

ومن العجيب أن واهب السعادة وأسبابها هو الله سبحانه وتعالى ،ولكن أسباب السعادة ليس بالضروري أن تفضي إليها.. فجميعنا بلا استثناء نمتلك أسبابا منطقية لا حصر لها للسعادة، ولكن كم منا سعيدا؟ ومتي سنكون سعداء؟ لماذا ننتظرها دائما ؟ لماذا نفتقدها دوما؟

من رأيي أن السعادة في جوهرها من الأرزاق والرزق يوهب من الله ويطلب منه بالسعي..فاستخدام أسباب السعادة لإسعاد الذات هو السعي.. التوازن بين أهداف الحياة الروحانية والعملية والعاطفية والإجتماعية من السعي.. الرضا والتصالح مع قدر الله وقضائه من السعي.. إسعاد الغير من السعي.. تحقيق الذات ومساعدة الغير من السعي.. السفر والترفيه من السعي.. الحديث مع رفقاء الأرواح والقلوب من السعي.. الأحضان الدافئة من السعي.. وغيرها وغيرها من الآلاء محالة الإحصاء.. لكن السعادة هي الرزق المطلوب بالسعي والدعاء من أقوي سبل السعي.

ولكن هل أنا سعيد؟ ما هو مقياس السعادة؟

لا شك أننا نتفاوت في رزقنا من السعادة شأنها كشأن باقي الأرزاق ..وليس هناك معادلة ثابتة للربط بين مقدار السعي وهذه الهبة الحقيقية..فهي كالهبة يهبها الله لمن شاء بالمقدار اللذي يريده سبحانه.

ولكن متي يوصف الإنسان بأنه سعيد؟؟ ..من وجهة نظري أن السعادة هي عدم انتظار السعادة.. وحياة الإنسان الحقيقية تبدأ في اللحظة اللتي يدرك فيها أنه حي..فهو لا ينتظر أياما ليعيشها فهو يعيش أيامه بالفعل ويستمتع بلحظاته حتي الروتينية منها.

والبشر ذو الحظ القليل من السعادة دائما في حالة انتظار للحياة.. تجد عقولهم مزدحمة بالمشاريع المؤجلة اعتقادا منهم بأنهم سيحيوا يوما لينفذوها ويصيروا بها أكثر سعادة.. يصفون أيامهم بأنها باهتة موحدة اللون..نسخ مكررة من يوم واحد كئيب رمادي اللون.. أقل ما يوصف به أنه يوم عادي لا يستحق التدوين في قصة حياتهم.. وكان عليهم أن يدركوا أنه لن تحدث المعجزة اللتي ينتظرونها ولن يتغير هذا اليوم الا إذا قرروا إعادة هيكلة أنفسهم من جديد ليروه بشكل مختلف.

وما تحدثت عنه هو السعادة الدنيوية واللتي أري من وجهة نظري أنها لا تكون كاملة وحقيقية إلا إذا ارتبطت بالسعادة في الدار الآخرة...فالروح تحتاج للتواصل مع عالم الغيبيات حتي تشعر باكتمالها.. قوانين الكون وحدها لا تكفل العدل.. لا تكفل السعادة ... لا بد من الإيمان بالعدل الإلهي ..ولا بد من تأسيس الإنسان لسعادته في الآخرة حتي يتثني له السعادة في الأولي.


"لن تكون سعيداً أبدا إذا واصلت البحث عما تتكون منه السعادة، ولن تعيش حياتك أبداً إذا كنت من الباحثين عن معني الحياة" 

(الفيلسوف الوجودي ألبير كامو)



  • 1

  • Hadeir Said
    حياتي قطر سريع قصير علي خط القاهرة - بورسعيد
   نشر في 15 غشت 2020  وآخر تعديل بتاريخ 17 غشت 2020 .

التعليقات

Nada منذ 1 شهر
يؤسفني انني قد اكون من النوع الذي ذكرته ..
احاول جاهدة من اجل التغيير لكن ثمة بعض المواقف والاعمال المتكدسة في دماغي ..
تجعلني احيانا غير قادرة على السعادة ..
1
Hadeir Said
أنا لا أدعي السعادة، فما زلت أحاول تعلّم فن السعادة ..فقط يكفي الإقرار بأن كل منا يمتلك أسباباً كافية لإسعاده ، لكننا بحاجة إلي فهم كيفية الإستمتاع بهذه الأسباب.

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا