وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ

  نشر في 20 غشت 2017 .

الأيام تمر أسرع مما نظن وبشكل يحمل في طياته رتابة تفوق قدرة المرء منا على احتمالها ، تتكرر الأحداث يومياً ، لا يوجد شيء جديد حقاً وإنما هي أحداث متطابقة تتكرر بشكل عشوائي حتى يبدو الأسبوع الواحد كساعة أو ساعتين وربما أحياناً يساوي بمنطقنا الشعوري غمضة جفن أو ما يعادلها من الوقت .. فأصبح في حرب عصبية دائمة مع عقارب الساعة، في محاولة مني لألحق بها أو لعقد هدنة أستجمع فيها شتات ذاتي وألملمها ، ولكن لا فائدة لذلك ، فالعقرب مستمر سواء كنت في حالة نفسية جيدة تسعفني لإنجاز الكثير والكثير من الخطوات المطلوبة لتحقيق قائمة طويلة من الأحلام والأمنيات التي ربما تحقيقها يجعلني في رضا عن ذاتي ، أو أكون في حالة يرثى لها فلا أرفع القلم من مكانه ولا أمد يدي لكأس من الماء حتى يمرضني العطش ..

الأيام تمر دون اكتراث لما أعيشه من أحداث واقعية أو مواقف متخيلة أفكر كيف سأتصرف بها إذا أصبحت درباً من دروب الواقع ، فأتذكر تلك الأيام التي كانت تمر وكأنها مباركة ، فكل شيء يسير على ما يرام ، كل ما أتمناه يحدث إلى حد ما ، وأنا في حالة نفسية جيدة تمكني من تحقيق كل ما أريد ، أبتسم في وجوه من أراهم ولا أكترث كثيراً للمؤامرات التي تُحاك في الظلام ، أو يزعجني صوت الحاقدين الذين لا يجدون في هذه الحياة ما يشغلهم سوى تعكير أمزجة الآخرين بكل ما هو تافه وحقير .. وأذكر نفسي بأن كل الأيام القاسية التي تعايشت معها بصعوبة بالغة قد مرت وانتهت وها هي الآن ذكرى أليمة أو ربما أعتبرها انتصار وإنجاز من إنجازاتي الصغيرة كلما تذكرته ازداد يقيني بأن الأيام ستمر حتماً وأنني أقوى من كل ذلك ، فأصبح فجأة أكثر صبراً وتحملاً ، أو اعتبرها بمثابة عبرة وعظة بأنني كما عشت أياماً مريرة ستأتي أخرى طيبة تُمحي عني آثارها وتشرق شمس الحياة في نفسي من جديد .

أتقنت هذه الكلمات جيداً وأصبحت راسخة في ذهني ، تتبادر إليّ كلما اشتدت الظروف وتعثرت قدماي، وأصبحت راحة البال حلماً وردياً و الإحساس بالهدوء والسكينة خيالاً جامحاً ، كُنت أذكر نفسي بأن ذلك سيمر قادماً بما هو أفضل ، وأنني سأكون سعيدة حقاً يوماً ما وربما عدة أيام متتالية ، وتحققت تلك النبوءة ، وكانت الدنيا تكافئني دوماً على لحظات صبري وقوتي وعلى تراجعي في اللحظات الأخيرة عن أي أفكار متطرفة أجازف فيها بذاتي وبكل ما تحملته ، كانت تعطيني أملاً وتفاؤلاً تعويضاً لي على كل الليالي التي أمضيتها وأنا أحدق في السماء متمنية من الله ألا يطول الأمد وأنني لن أتحمل دقيقة أخرى في مثل تلك الظروف ، ولكن كان ما يحدث مخالفاً لكل ما توقعته ، فقد كنت أتحمل وازداد قوة من بعد ضعف ، وكأنني أصبح أقوى عندما يزداد يقيني بأنني سأقف بمفردي ولن يكون أحد هنا ليمد يد العون ، أو يلقي علي كلمات تزيدني صبراً ..

مرت الأيام وفرحت بمرورها ، كنت أتجاوزها نحو أيام أكثر فرحاً وسعادة ، ولكنني أدركت فجأة أن الأيام لن تمر وحسب ، لن يكون مرورها هادئاً مسالماً كما كنت أظن ، أو على الأقل توقعت أن الدموع التي كنت أذرفها كانت تمثل ثمناً كبيراً سيكون له مقابل فيما بعد .. ولكن مرت الأيام حاملة معها أملي والحيوية التي كانت تملأني من أعلى رأسي حتى أخمص قدماي ، والأهم من ذلك أخذت معها رغبتي في الاستمرار و أملي في غد أفضل ، لم أعد أريد أي شيء ليتحقق في المستقبل ، ولم تعد الأمنيات تعني لي شيئاً ، أصبحت أمنيتي الوحيدة في الحياة هي أن تمر الأيام فقط ، أي كانت طريقتها في ذلك ، فقط تمر ! زادتني الأيام زُهداً ، أسقاني البشر هماً و خزياً وخذلاناً ، لم أعد أحمل نحوهم أي رغبة في الاقتراب أو المودة ، أخشاهم فقط ، لأنني لا أعرف ما يدور في أذهانهم أو يُحيكون من خطط تستهدف تدمير السلام الذي أبحث عنه بحثاً مستمراً لا انقطاع له ، زهدت في أحلامي وزهدت الناس ، ولم تعد تغريني الحياة بالبقاء أكثر ، لأنني لا أحمل الأمل .. أسير فقط متمنية مرور الأيام دون أن أخسر من روحي أي شيء آخر ، أن أعيش المتبقي في عمري في روتين ورتابة ، ولكن دون جرح أو ألم ..

كم كانت الأيام الماضية مُحلاة بمودة وصفاء ذهن ، كم كان الأمل يكسوها والأحلام تزينها ، ويحيط بها الحب من كل جانب ، وعلى الرغم من ذلك لم تبصر أعيننا سوى الآلام والهموم ، تمنينا أن نكبر فقط وأن تمر الأيام بنا نحو ضفة أخرى ، جازفنا بالعبور دون أي علم لنا بما ستأتي به الأيام القادمة ، وها نحن الآن يملأنا الحنين لتلك الأيام الماضية ، تدور الأيام ويمر الزمان ، ولا حقيقة لوجود أيام تعيسة وأخرى طيبة ، وإنما هي نظرة نحملها معنا أينما ذهبنا لن تتغير ما لم نقوى على تغييرها ..

" إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ "

  • 4

  • نادين عبد الحميد
    ربما لا أتمكن من الكتابة بالشكل الذي أرجوه لكنني على ثقة أن الكتابة تمكنت مني .. فإنني لا أمارسها فعلاً وإنما أتنفسها هواءً هو المعين لي كي أستمر على قيد الحياة ..
   نشر في 20 غشت 2017 .

التعليقات

تلك الأيام نداولها بين الناس في مجمع التفاسير التي قرأتها هي أنّ التداول يقصد به يوم لنا و يوم علينا مهما كانت اعتقاداتنا الدينية، الله يجعل الأيام دولا حتّي يفهم الجميع أنّ الوقت يعلّم الناس، فقلوب البشر يجب أن تكون مثل السفن تبحر في العواصف و في البحر الهادئ لا أن تبقى ترسو بلا فائدة، و السلام لا يكون سوى مع الحرب، الحرب مع أفكارنا و أفكار الناس و البحث عن سبل الهدنة أو السلام ، الأيام تعلمنا الكثير ليس أن تستمر بنفس الوتيرة و لا نسعى إلى التغيير...أن نبقي عقارب الساعة تتحكم فينا، هو الخوف بعينه يجلد أرواحنا و يلجم فكرنا... الله المستعان على من يسعى كي يخطف سلامنا الذي نسعى إليه كلنا...
0
لمى منذ 3 شهر
أحسست بهالة عظيمة من المشاعر المتخبطة عند قراءتي، تلخيص رائع لسنين عشتيها فمثلتيها بكلمات قليلة وبنفس الوقت معبرة بشكل رائع عن واقعك ...
عمومًا كل شخص لديه نظرة للحياة، من الناس من يرغد وينعم في الدنيا، ومنهم من يشقى ويندب حظه في كل يوم فيها، لكن المحزن هو الشخص الذي يعطي الماضي ثمنًا أكبر مما يستحق فيتسبب في جعل عينيه معصوبتان عن ملذات الحياة، ومهما يحصل له يقول: لا يوجد مثل الماضي ...
ولهذا الفائز من يُدرك بأن الدنيا بمثابة جسر يمر من بعده إما إلى جنة وإما إلى نار، فيعيش دنياه واضعًا نصب عينيه حقيقة" كل شيء سيزول" ويستمتع باللحظات السعيدة ويحفرها في ذاكرته .
شكرًا لكِ .
0
نادين عبد الحميد
العفو ، شكراً على تعليقك ، وضح الفكرة بشكل عظيم جداً ، أدام الله عليكِ اللحظات المباركة في حياتك :))
ahmed jaf
كلمات معبرة.
وفعلا الأيام دول ولحكمة لا يعلمها إلا الله.
ولكن دائما يكون الصبر مفتاح الفرج.
ولنا في الأيام دروس وعبر نتعلم منها سواء كانت لنا أو علينا.

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا