النهاية لا تليق - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

النهاية لا تليق

البدايات دائماً ... أجمل

  نشر في 08 أكتوبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

شمسٌ تشق بنورها سكون ليلٍ يمضي ،واوتارٌ تتذبذب ليستهل اللحن سبيله للآذان فيخترق القلوب ،ونظرةٌ تغرس سهمها في الأفئدة ،هكذا تبدو البدايات جميلةً دوماً ،حلقةٌ واحدة ،لا بل ثلاث دقائق فقط ،خُتمت بها الحلقة الأخيرة من مسلسلٍ تركي ،مسلسلٌ لم يحظ بشهرةٍ واسعة ،لم يكن احداً ممن اعرفهم يتابعه ،تابعته بمفردي ،بكل شغفٍ وحماس انهيت حلقة بعد اخرى ،ولأن القناة التي يُعرض عليها لا تُسمن ولا تغني من جوع ،فقد عزمت مسبقاً ان اشاهده مترجماً على الانترنت من احدى المواقع الغير قانونية المتعددة ،كما احببت دوماً ان اسابق الزمن ،تابعته على مدار أيامٍ عدة،كان جزأين كاملين ،كل جزءٍ يتألف من ثمانٍ وعشرين حلقة تقريباً ،وكل حلقة تستمر لساعتين ،اي ما يقارب المئة واثنا عشرة ساعة ،بالطبع لم اشاهدها جميعاً ،بل معظمها ،كنت شغوفةً بقصته بشكلٍ غير مسبوق يناقض طباعي المزاجية التي تكره روتين المسلسلات ،احببت البطلة العنيدة المثابرة رغم الظروف ،كنت امتص طاقةً لمجابهة الواقع من ذلك المسلسل تعينني على الصمود ،احببت غرابة القصة التي تعكس اخلاصاً نادراً في علاقة حبٍ تجمع بين صديقتين ،ألقتهما الظروف بنفس الطريق ،تمر المئة ساعة ،وتتبدل الحيوات ،تختل الموازين ،تشتعل المشاعر ثم تهدأ ،تحترق الانفاس وتختنق الاصوات في الاحشاء ،وتتلعثم الكلمات وتمتنع عن الخروج ،لكن وبالرغم من كل ما مررن به ،تظل الفتاتان معاً ،تقحمهما الظروف في اختبارٍ أليم ،لكنهن ينتصرن ،يهزمن الواقع بحبهن الأبدي ،يحببن ويتزوجن والحياة الرغيدة تقرع الأبواب وتدخل دونما انتظار الإذن ،تدور الضحكات واللحظات السعيدة ،ثم تأتي الحلقة الاخيرة ،الاغاني تملأ الساحات ،والزينة تعلن الفرحة الوضاءة في الانحاء ،احتفالاً بالتوأم الوليد لإحدى الفتاتين ،يمضي الوقت مرحاً ،وتُلقى النكات ،وقبل غلق الستار بدقائق ،ينقلب المشهد رأساً على عقب ،تُطلق النيران وتسال الدماء ،ويصاب احد أبرز الشخصيات المحببة فيموت ،دقائق وتموت الصديقتان إثر حادثٍ تافهٍ بلا معنى ،تمُتن وحدهن لكن معاً ،يُغلق الستار على مشهدهن الاخير في الجنة كما يبدو ،يركضن ويضحكن ويلعبن ،هكذا انتهى كل شئ ،هكذا فقط ،سخافة مؤلمة نسج خيوطها الواقع المتبجح ،لا بد ان هذا رابع أو خامس مسلسلٍ ينتهي بذلك الشكل المأساوي ،موت أبطالٍ ضحوا بكل ما لديهم لأجل الحب وربما السعادة ،او افتراقٍ باردٍ لا يصيب سوى الاخيار دوماً ،او اي نوع من النهايات التافهة السخيفة ،كم كرهت تلك النهايات ، نهايات باردة جافة قصيرة ،يشبه حدوثها برقاً يخطف الانفاس لا يلبث ان يزول ،لماذا تبدو النهايات الواقعية سخيفةً الى هذا الحد ،قصصٌ طويلة ،معارك ومشاعر بدت يوماً انها أبدية ،حبٌ ملحمي ،او صداقةٍ ممتدة في العروق ،حيواتٌ طويلة ،دموع ،ضحكات و صرخات ،شجارٌ عنيف ،تصالحٌ برئ ، اعمارٌ تنقضي واخرى تشق بنورها سُبُل الحياة ،وفجأة تُغلق الستار ،نهاياتٌ تافهة قصيرة لا يتعدى عمر الواحدة منها اربع دقائق ،نهايات لا تليق بقدسية كل تلك الاعمار المنقضية ،ولا تبالي بالضحكات والصخب الفوضوي العشوائي السعيد فيما مضى ،فقاعة براقة تطير لتطير أكثر ،تصمد امام كل تيارات الهواء المتسارعة وفجأة تتلاشى بلا سبب او ربما لسببٍ تافه ،كل هذا الجمال ينتهي في لحظات ،ولسببٍ ما تبدو النهايات في الواقع هكذا ايضاً ،هكذا تماماً ينتهي كل شئ ،يموت الأشخاص مهما بلغ تعلقك بهم من القوة ،لا تأمل ولو للحظة ان ذلك سيشفع لك ان تحظى بلحظات اطول بجانبهم ،وهكذا ايضاً تنتهي الصداقات ،موقفٌ سخيف ،شجارٌ تافه ،او ربما مشاعرٌ كامنة تتكدس فوق بعضها لتضغط على رابط تلك الصداقة فينكسر في هدوء ،رغم كل لحظات السعادة الأبدية الماضية ،رغم كل ذلك الصخب والمرح ،رغم كل ما مضى ،ينتهي كل شئ كأنه لم يكن ،هكذا تبدو النهايات دوماً ،بالغة القِصَر ،بالغة الأثر ،يذيلها سكون طويل جداً ،ألمٌ ينسل الى داخل ارواحنا الهشة ،يمزقها بهدوءٍ مميت ،مباغتةٌ قذرة تنهي العلاقات بلمح البصر ،يقولون ان النهايات تكون قصيرة حتى لا نتعذب بها ،لا بد انهم لم يذوقوا ذلك الالم الذي يعقبها أبداً ،ماذا لو كانت النهايات طويلةً بطول البدايات ،ماذا لو محيت كل لحظة سعيدة بأخرى تعيسة ،أيمكن محو الذكريات؟ ماذا لو أخذنا وقتنا كاملاً لننهي مشاعرنا بمشاعرٍ مضادة ،حتى لا نتألم كلما تذكرناها ،ربما يبدو الامر مبتذلاً ،لكنه سيكون أقل إيلاماً ،في المرات القليلة (كما اتمنى ) القادمة التي ستضطر فيها الى وضع نهايةٍ لشئٍ ما ،حاول ان تحترم تلك اللحظات ،قدسها كما قدست البدايات واحرص دوماً على وضع نهايةٍ تليق بما مضى ،وكما يُقال دوماً ،اهم الطقوس على الإطلاق ،هو الطقس الأخير .


  • 1

   نشر في 08 أكتوبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا