أنا والغربة.. أنتِ والحب (1) - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أنا والغربة.. أنتِ والحب (1)

  نشر في 31 مارس 2021 .

(الجزء الأول)

_إرفع رأسك وسر بخطوات لبقة، قل أنك تستطيع فعل ذلك، أنت قوي، إمض في الدرب ودس على الأصوات التي تحاول إيقافك، لا تنسى أن تشتري لي جريدة.

جهاد: حسنًا يا أمي لقد حفظت الدرس، لكن منذ متى وأنتِ مهتمة بقراءة الأخبار؟

_ومن قال لك ذلك؟ أريد أن أُلمع المرايا في البيت، ولا تسألني كيف للجرائد التي تخرج منها رائحة الخراب أن تفعل ذلك.

_جهاد:(بضحكة خفيفة )أمي، لما لم تصبحي شاعرة؟ 

_ عندما يحمل المرء بداخله حزن كبير، لو كتبه على كل أوراق العالم، الجرح هو الجرح لا يقل.(قبلت رأس أمي وخرجت إلى وجهتي، أغلقت الباب وأنا ما زلت أسمع صوت دعواتها، ثم انطلقت بسرعة للبحث عن العمل، كل شيء يسير بسرعة البرق هنا، الناس تمضي من حولك تلمح وجوهاً عديدة تشعر وكأنك وحدك الواقف رغم سيرك، كنت أسير وأنا أفكر بنصائح أمي، تتحول أمي فجأة إلى كتاب تنمية بشرية، رغم أنني لا أحب كتب التنمية وأسلوبها إلا أنني أقدس كل حرف تقوله أمي) توقفت قليلا حين رأيت فتاة تشبهها أردت أن أبكي عندما تذكرت أنها أصبحت الآن مخطوبة لابن عمها، البكاء شعور لكنه في بلدنا عار! عار على الرجل أن يبكي وكأن البكاء محرم في دستور الرجال، لكنني لست في بلدي فلا بأس إن هربت دمعة واحدة من عيني وإن سألني أحد ما سأقول:- سقطت سهواً على حلم قديم، لكن من سيسألني هنا؟ فأنا اللاأحد في بلاد العجائب تلك، دخلت إلى المكتب قدمت ملفي الشخصي وقال لي الموظف:- سوف نتصل بك لاحقا. كنت أعلم أنه لن يتصل يبدو أنه لم يعد لديهم وظيفة شاغرة، منذ قدومي إلى هنا لم استطيع الحصول على عمل من شهادتي غير أن صديقي وجد لي عملاً في كافتيريا.

(في الكافتيريا)

أصوات الناس المتداخلة تعم المكان، صوت الأحاديث والضحكات وأصوات الهدوء التي تخفي التيه في بعض الوجوه الجالسة، وأنا في داخلي أشكر الله على معرفتي بلغة هذه البلد وإلا لما كنت قادر على فعل شيء.

يذهب شخص ويتبعه الآخر ..

_تفضلي

_أريد فطيرة جبن و... (ثم أعادت طلبها مصلحة ما قالته في لغة البلد) 

ابتسمت لها ثم كتبت طلبها، تلك فتاة عربية! أشعر بالسلام بقدر ما أشعر بالحزن عندما أنظر إلى وجه شخص عربي هنا، أحزاننا واحدة :الخروج من البلاد والحنين إلى الماضي،كانت الحرب بنا لكننا كنا أحياء أما هنا فنحن موتى، فقط العالم يسير بشكل طبيعي من حولنا. 

مرت سنة ومر يوم آخر وكأي يوم مضى عدت إلى البيت حاملاً شعور الخذلان في داخلي، مرهق أنا ومتعب أحمل الذكريات فوق رأسي حتى أشعر بثقل به يكاد يهلكني، نعم ما زلت أذكرها جيداً، ملامح وجهها وضحكاتها المجنونة، ثم أمضي ساعات وأنا أبكي على فقدان وطني وموطني، ماذا لو لم يحصل كل هذا الخراب؟ ماذا لو كنت موظفاً بشهادتي الجامعية وكان لدي بيت صغير أعود إليه من العمل؟ فأجد زوجتي أماني تعد لي الغداء، ثم نتبادل الحديث عن تفاصيل يومنا ونتناقش بعدها في الكتب التي قرأتها أماني، أن يكون لديك زوجة مثقفة مثل حصولك على بلورة من الألماس، أنا أحبها حتى لو لم تكمل دراستها الجامعية، فليس كل دارس مثقف، وليس كل دارس يعرف كيف يتعامل مع من حوله، تقول أمي إن البعض بسبب انشغالهم في الدراسة ينسوا قواعد التعامل مع من حولهم، وأمي لا تقول شيء إلا عن سابق تجربة، لكن كل هذه الأمنيات من المحال أن تحدث، أشعر برغبة في الصراخ، أريد أن أصرخ بحجم الخراب الذي في داخلي، لقد تزوجت أمنيتي، ولم يثمر حب الطفولة والشباب شيئًا، لم أكتب يومًا سوى لها، ما بكيت يومًا سوى عليها، واليوم تكاد الأفكار تقتل كل صوت يقول بأن هذا كله حقيقي، كيف لهذا أن يحدث!؟كيف تنجب أماني طفل لغيري؟ وأين تراها أخفت حبي؟ لم أكن ألقي اللوم عليها أبدًا، أعلم كم كانت تحبني وربما إلى الآن، لكنها لم تستطيع الرفض بكل بساطة، فما زالت كلمة (لا) تكلف كثيرًا بعض الفتيات في الشرق، وما زلت أنا على حالي أُهزم بعد خوض كل حرب مع الأصوات التي في داخلي حتى ينتصر النوم علينا. 

تشرق شمس يوم جديد فاستيقظ على صوت الحياة، صوت أمي: جهاد استيقظ لماذا لم تذهب إلى عملك اليوم؟ حسنًا لعلّه خير، لدي لك بشارة لقد وجدت لك نصفك الآخر، وأخيرًا يا بني. 

جهاد: أمي هل عدنا مجددًا؟

_نعم، منذ مغادرتنا الديار ونحن لم نشعر بطعم الفرح، أريد أن أفرح بك قبل أن...

(قاطعتها)_ بعد عمر طويل يا أمي.. لا تحاولي إجباري بهذه الطريقة.

_ ماذا بعد؟ لقد تزوجت أماني وأنجبت، هل ستبقى جالس تفكر بها؟

بقيت صامتاً حملت هاتفي أحاول الانشغال بشيء آخر يخفي ملامحي، لم أكن أريد أن أبكي أمام أمي، لا أريد أن ترى ما خلفَّه الحب الذي لم يكتمل بسبب لعنة الحرب في قلب ابنها، ثم اتصلت على صاحب الكافتيريا وأخبرته بأنني مريض، لم تكن كذبة فأنا مصاب بالخذلان الشديد ونوبة قلق حادة، بعد ذلك اتصلت على صديقي ماجد ودعوته للخروج معا، لعل الحديث يكون دواء مخفف للآلام.


  • 1

  • آلاء بوبلي
    في داخلي تنتقل الحروف مع خلاياي فتشكل قصص و روايات و الكثير الكثير من الأغنيات ، لكن من الخارج لا يوجد شيء كهذا فكل ما يسيطر هو الهدوء ... الهدوء فقط .
   نشر في 31 مارس 2021 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا