إلغاء عقوبة الإعدام في دول العالم الإسلامي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

إلغاء عقوبة الإعدام في دول العالم الإسلامي

  نشر في 25 ديسمبر 2015 .

حقوق الإنسان عالمية لا تتجزأ ، إلا أنه لا يمكن أن نختلف في كون الحق في الحياة هو الحق الأسمى ، وهو أساس كل الحقوق التي تكفلها القوانين الداخلية و المواثيق و المعاهدات الدولية ، إذ لا يمكن لأي إنسان التمتع بأي حق من هذه الحقوق باختلاف أجيالها إذا لم يتمتع مسبقا بحقه في الحياة.

وفيما تقترب غالبية دول العالم من إلغاء عقوبة الإعدام أو إيقاف تنفيذها فان دول العالم الإسلامي لازالت لا تتحرك في الاتجاه الصحيح من أجل إلغاء هذه العقوبة من قوانينها الداخلية و منظوماتها الجزائية، رغم أن هذه الدول في مجملها صادقت على معاهدات و اتفاقيات دولية تتعارض في مجملها و عقوبة الإعدام، متذرعة بكون إلغاء هذه العقوبة يتعارض و أحكام الدين الإسلامي الذي هو دين شعوبها وهو الذي تستمد منه هذه الشعوب ثقافتها ، تاريخها ، أعرافها و تقاليدها.

وانه كيفما كانت الحجج التي يسوقها حكام الدول الإسلامية فان الإبقاء على عقوبة الإعدام ليس له ما يبرره من الناحية الدينية التي يحاولون التخفي خلفها ، لان الإسلام جعل الحق في الحياة حقا مقدسا، و حرم على الإنسان نفسه التعدي على حقه الشخصي في الحياة كما جعل من قتل إنسان واحد بمثابة قتل للناس جميعا ، مما وجب معه إلغاء عقوبة الإعدام من النصوص القانونية إذ أن كل تلك الدول لها قوانين و تشريعات وضعية تختلف تماما عن أحكام الدين و هي بذلك تطبق قوانينها الداخلية و لا تطبق أحكام الإسلام كدين، لذلك يكون من غير الصواب التذرع بعدم إلغاء عقوبة الإعدام لمخالفتها أحكام الدين في حين أن قوانين هذه الدول بمختلف فروعها تختلف أحكامها عن أحكام الدين و تتعارض معه في الكثير من نصوصها.

و يتجلى من جهة أخرى ضعف حجة التذرع بالدين كون الإسلام لم ينص على عقوبة الإعدام إلا فيما يخص 3 جرائم من بينها القتل العمد و هي العقوبات التي حفها بشروط تجعل تطبيقها يكاد يكون ناذرا حفاظا على حق الإنسان في الحياة، إلا أن دول العالم الإسلامي جعلتها عقوبة لجرائم عديدة كأي عقوبة أخرى ، فجعلتها الجزائر عقوبة ل 17 جريمة و تونس و المغرب لأكثر من 20 جريمة والأردن و السعودية لأكثر من 30 جريمة و مصر لأكثر من 50 جريمة و هو الأمر الذي يثبت أن هذه العقوبة لا ترتبط بالدين أبدا، و لا يوجد ما يقابلها أو يبررها بمقتضى أحكام الإسلام حتى نعتبرها نابعة من الدين ونعتبر الدين مصدرا لها.

و فضلا عن عدم ارتباط إقرار عقوبة الإعدام بالدين لان الإسلام لم يقررها إلا في حالات ثلاث في حين تقرها هذه الدول كعقوبة لأكثر من 50 جريمة كما هو الحال بالنسبة لمصر ، فان الحق في الحياة بمقتضى أحكام الإسلام حق يمنحه الله و هو الذي ينهيه ، أما الدولة فلا يمكنها أن تحكم هذا الحق أو تتحكم فيه لأنها لا تمنح هذا الحق أصلا بل أكثر من ذلك فإن الإنسان طالما ارتبط بالدولة متنازلا عن شيء من حريته من أجل التمتع بحقوقه و الحفاظ عليها و حمايتها و ليس من أجل منح حق التصرف في أسمى حقوقه للدولة.

وإذا كانت عقوبة الإعدام لا تنسجم مع أحكام الإسلام كدين فإنها دون شك لا تتوافق مع مبادئ القانون و أهدافه ، إذ يبدو بكل وضوح أن هذه العقوبة لا تتلاءم و المبادئ الأساسية التي تقوم عليها العقوبة القانونية، إذ أن أساس كل عقوبة هو الإصلاح و الردع إلا أن عقوبة الإعدام إن كانت تحقق الردع الخاص دون الردع العام فإنها دون أدنى شك لا تحقق إصلاحا لمرتكب الجريمة .

و بالنظر إلى جانب أخرمن جوانب القانون فان عقوبة الإعدام على غرار بعض العقوبات الأخرى لا ينطبق عليها مرة أخرى احد المبادئ الجوهرية التي تقوم عليها العقوبة و الذي هو مبدأ شخصية العقوبة، إذ أن تنفيذ حكم الإعدام لا بد أن يلقي بآثاره على العائلة و الأقارب مما يجعل من عقوبة الإعدام تخالف مبدأ شخصية العقوبة باعتبارها تتعدى الشخص نفسه إلى عائلته و مقربيه .

و باتضاح الأمر أن عدم إلغاء عقوبة الإعدام ليس مرتبط بالدين، بقدر ما هو مرتبط بتقاعس هذه الدول عن الوفاء بالتزاماتها الدولية ، فان الكثير من هذه الدول تكون عقوبة الإعدام فيها عقوبة رادعة للسياسيين المعارضين، قصد ضمان استمرار أنظمة سياسة على حساب حق المواطنين في الحياة و حقهم في ممارسة حقوقهم المدنية و السياسية الأمر الذي وجب معه العمل على إلغائها.

وفي وجه سلبي أخر من الأوجه السلبية العديدة لهذه العقوبة، فانه بالنظر إلى طبيعة العمل القضائي و الذي هو كغيره من الأعمال التي يقوم بها الإنسان و التي لا يمكن أن تقوم على فرضية الخطأ المنعدم و بالتالي فان أي خطأ في إقرار عقوبة الإعدام و تنفيذها يجعل من استدراك هذا الخطأ مستحيلا، إلا انه يكون ممكنا لو استبدلت عقوبة الإعدام بعقوبة سالبة للحرية مدى الحياة.

                     فإذا كان مصدر عقوبة الإعدام ليس الإسلام كدين كما يدعيه المتمسكون بها ، بل مصدرها التشريعات الداخلية التي لا تتوافق و مبادئ القانون و أحكام المعاهدات و المواثيق الدولية فانه أصبح واضحا أن هذه العقوبة صارت غير ذي جدوى، ولم يعد هناك أي مبرر شرعي للتأخر في إلغائها في كامل دول العالم الإسلامي على غرار ما قامت به دولتي تركيا و جيبوتي ، أو على الأقل وقف العمل بها كمرحلة أولى إلى حين إلغائها تماماً كما هو الشأن بالنسبة لدول كالجزائر ، المغرب و لبنان ، وفتح نقاش عام قصد الوصول إلى إلغائها.



   نشر في 25 ديسمبر 2015 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا