بين المظهر والمخبر في قراءة الأدب - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بين المظهر والمخبر في قراءة الأدب

عن ندوة شعرية باستضافة الشاعرة سلمى فايد

  نشر في 08 نونبر 2017  وآخر تعديل بتاريخ 09 نونبر 2017 .

مبدأيّاً أنا أعلم أنِّي سأتعرض لنقدٍ واعتراض، ورفضٍ وامتعاض إثرَ كتابتي هذا الكلام، ولكنِّي لم أقوَ على حبسه في صدري، ولا سَجنه في عقلي؛ لأنه الإبداع الفني، والتذوق الشعري في غاية مجده، وذِروة عظمته، وأحب أن أنبَّه على أنني مع ثقافتي وأصالتي العربية الإسلامية إلا أنَّني أحب الفنَّ والجمال، والشعرَ والخيال، وأشيد به، وأشير إليه بالبنان سواءً كان في ثوبِ متبرجةٍ سافرة، أو ثوب عفيفة طاهرة؛ فإنَّ اللغة والشاعرية حقٌّ للجميع، والعربية تسَعُ أهلهَا، وتحتضن كلَّ منتسبٍ لها -وإنْ دلَّ مظهرُه على أنه ليس من أهلها- .

هذه مقدِّمةٌ أحببْتُ أن أصَدِّرَ بها كلامي، وأقول:
حضرْتُ اليومَ ندوةً شعرية ضمن نشاطاتِ جماعةِ الشعر التي التحقت بها مؤخراً بكلية دار العلوم، وكانت الندوة عن شاعرة فريدة، جمعتْ بين المتناقضَينِ في صورةٍ كنتُ أخالُها من المحال، أو نسج الخيال!!!

لها مظهرُ الفتاةِ  الأوروبية: شعرٌ قصيرٌ يعجز عن أن يلامس منتهى نحرها، لونه بنيٌّ مائلٌ للحمرة في بعض أطرافه وخصلاته، مع تبرج كامل في الوجه استوعب الوجهَ من العينِ حتى الفم، وأوشامٌ مبعثرة ومتناثرة في ما ظهر من جسمها؛ وشمٌ على النحر، وآخران على كلتا يديها، وبنطال وقميص وكنزة صوفية تقاصرت عن تغطية يديها، واكتفتْ بتغطيةِ الكتِف، وتكفل القميص بستر العَضُد، وعجز عن ستر ما تبقى! بل أطلق العنان للأوشام والزينة كي تظهرَ على يديها.

وما إن رأيتها على هذه الهيئة حتى عزمتُ على الاقتصار على عشرِ دقائقَ فقط؛ أعطي لنفسي فيها الفرصةَ أن أسمع شعرَها، ولا أحكم عليها من مظهرها، إلى تكلمتْ فأفصحتْ، ونطقتْ فأبلغتْ؛ فإذا بي أمام شاعرةٍ فارسةٍ، غربية المَولِد، 
شرقية عربية الأصالة والانتماء، اطَّلعتْ على أشعارِ العرب من العصرِ الجاهلي إلى العصر الحديث، فخالف شكلَها ومظهرَها مضمونُها وجوهرُها! وشُدِهتُ بها ومنها؛ كيف خالف الموضوعُ عنوانَ الكتاب؟؟! ذكرتني بأساليبها وشعرها بروكسان الجاكسونية الفرنسية بطلة رواية سيرانو دي برجراك، كيف تفتَّنُّ في الصور والأساليب افتنانها، وتبدعُ إبداعَها؟! وبمجرد أن ألقت أولى قصائدها على مسامعنا حتى سَرَتْ رعشةٌ في جسدي كما تسري الكهرباءُ في الماء، وأصابتني القشعريرة شجَناً وتأثراً بشِعرِها؛ حتى علق بعضُ شعرها بأذني وهو يسير في طريقه إلى قرارة قلبي، وهو يعمد إلى ممازجة روحي!! فكان مما قالت: "نفسي تقاتلني وتأبى أن تَبينَ على الوَرَق!" وأيضاً: "قتيلٌ بقلبٍ قويٍ ولا نصفَ حيٍّ بقلبٍ ضعيف". وأخيراً: "ولن يستطيعَ الكلامُ الكلامَ إذا كان للقولِ رأيٌ جديد".

ولعلَّ كثيراً من جمالِ ما نقلتُه من شعرها -قلَّ جمالُه وروعته لاقتباسه من سياقه؛ كالزهرة ينقص جمالُها وبهاؤها باقتطافِها من بستناها، ولكنَّها حتماً لا تزال تحتفظُ بكثيرٍ من أريجِها وريحها! ثم خرجتُ من الندوة وأنا أعالج في نفسي بين صدري صراعاً بين المَظهَرِ والمَخبَرِ، كيف تخالفا؟ وكيف خالفَ الشكلُ الجوهر؟ وأيقظَتْ بداخلي نارَ المشاعر الدفينة، وكانت القشةَ الأخيرة في افتتاني بالرومانتيكية والثقافة الفرنسية، وكانت دافعاً لي لمحاولة الدمج بين الرومانتيكية الغربية، والمحافظة العربية الشرقية؛ الأولى في الأساليب والمضامين، والمواضيع المطروحة، والأغراض المطروقة، والثانية في القالَب والأسلوب الرصين، واللفظ البليغ، والتراكيب البراقة، والكلمات الرنَّانَةِ الرقراقة، وما هذا إلا نتاج تأثري بالأستاذ المنفلوطي -رحمه الله- ومحاولة انتهاج نهجه، وأن أسيرَ سيره، وأقتفيَ أثرَه.
ورأيتُ من الوفاء لهذه الشاعرة والتعبير عن التأثر بها، والإشادة بشعرها أن أكتبَ هذا الكلام، وأسأل الله لها الهداية والتوفيق، ومزيداً من التقدم والإبداع.



   نشر في 08 نونبر 2017  وآخر تعديل بتاريخ 09 نونبر 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !

مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا