رسائل - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

رسائل

  نشر في 08 أكتوبر 2018 .

شغفي لشراء جرو صغير يكبر معي، وراءه دافع أعتقد انه أعمق.

بالطبع ممارسة الجري على الكورنيش بصحبته ستكون ألطف بكثير من الجري وحيداً، سفرياتي للقاهرة بصحبته ستكون جميلة، وهو يُدلي رأسه خارج نافذة السيارة، ناظراً للعالم بفضول طفولي. وبالطبع سيكون جميلاً لو تناولنا الإفطار سويا في شقتي حينما أستقل، بدلاً من الإفطار وحيداً..

كل هذه المواقف أعيدها وأزيدها على لسان عقلي وأتلذذ طعمها كشريط من الحلوى..

هناك دافع آخر، لاأدري بالضبط كنهُه، ولكن ما أستشفه، أني سأجرِّب نفسي، وبهدوء، في دور المانح. أعلم أن الأمر لايحتمل المغامرة، وأن للكلب نظرات لوم وعتاب قد تفوق البشر، وأني سأذوب ألماً لو سمعت ذلك الصوت الذي يطلقه الكلاب في حالة الألم والحزن، ولا أعرف كيف أصفه، ولكنه صوت رفيع عميق يختلف عن النباح وكأنّه نواح بشري.

قلت لكي من قبل أني لاأحب أكل الأرانب، أتعرفين لماذا؟

في صغري كنت أربيهم، وفي يوم أفترس قط بري واحد منهم في غفلة مني في حوش منزلنا القديم، ركضت وراء القط القابض على رقبة المسكين الصغير بعزمي وهو يتسلق سور المنزل بخفة، وكان الصغير يطلق صريخاً بشريا تماما يا مارثا، أقسم أنه بشري تماما، صريخ حاد، كأنه طفل مفزوع، وأختفى القط وراء السور، تسلقته ولم أر شيئا في الظلمة الصحراوية، وخَبَت الصريخ بالتدريج، وكنت أنتفض، وكان عقلي يكرر الصوت مراراً وتكراراً، وكأنه يستمتع بنفضتي وسط لهاث أنفاسي، وإحساسي بالتخاذل...

مرَّت أكثر من عشرون سنة على صريخه، ولايزال مع ذلك طازجاً تماماً في أذني.

ولذلك أخاف نواح الكلب ونظرة عتابه، ولكن أعرف أنه سيصبر، أو، دعيني أصبح أكثر صراحة. أعرف أنه لا خياراً آخر له. لا أنوي تجويعه أو أيذائه بالطبع، ولكن أريد بشدة، أن أجرب المنح وأكتسب الثقة، أن أتقبل عيوبي في هذا الدور بدون فزع. فزعاً من نفسي، ومن فشلي في ذلك الدور، خوفاً يفسد كل شئ.

خوفاً من دور المُعتَمَد عليه، المُنتَظَر، جعلني دوماً أن أتجنب الوقوف أول الصف في المدرسة، مع أني كنت أكثرهم تفوقاً، وجعلني دوماً أن أحب دور المُنجِزْ الغير متوقع، الناجي بعد الموات. وأن أضيف على هذا الدور رونقاً ونُبلاً، أحيانا مبالغاً فيه، لأستسيغ خوفاً دفيناً ،أعرفه وأتعامى عنه.

أتعرفين؟ دوماً ما كان الهدوء وسط الضغط إعجازياً بالنسبة لي. أحياناً في ضربات الجزاء في نهاية مباراة، أنسى الموضوع نفسه، وأركز في ملامح اللاعب، لا لكي أتوقع إتجاه التسديدة، ولكن لاسأله في نفسي كيف تصمد فآلاف يعتمدون عليك؟

تتذكرين حينما قلت لك مازحاً هؤلاء اللاعبين يستحقون تلك الملايين، كنت أقصدها ولا أمزح.

أركز في منشور تعليمات الإنقاذ في الطائرة، لا للتعلّم، ولكن لأركز في الإبتسامات الغريبة التي على وجوه رسومات الشخصيات في المنشور وهم على وشك السقوط أو الغرق، يرتدون أقنعة الأكسجين وسترات النجاة وعلى وجوههم إرتياح في ظل أملهم في نجاة أرواحهم، المعتمدة على سلامة تصرفهم وذكائهم، شيئاً ما يعتمد عليهم أيضاً.. فمن أين هذا الهدوء يا محظوظين!

سأتدرب على كلبي الصغير قريباً. هناك بعضاً من الشر الأبيض في ذلك، أليس كذلك؟



  • 3

   نشر في 08 أكتوبر 2018 .

التعليقات

مريم منذ 11 شهر
تحتل ذكريات طفولتك قسم كبير من ذاكرتك وانت لا تريدها ان تخبو ..ها انت ذا تعود مرة اخرى .تروقنى طريقتك فى العودة للوراء.
..شدنى تعليقك عن الارانب..انه مماثل تماما لشعورى نحوها .فانا اشعر انها انسان ولذا لا اتناولها واذا اخبرتهم انها تصرخ كما البشر يظنون بى الظنون.
انت تتعمق كثيرا فى تحليل الاشياء والنفس .لا تدع الامور كما هى ظاهرة.لابد وان تطفى عليها لمستك الخاصة ونظرتك المختلفة وهذا ما يروقنى فى مقالاتك.
هل لى برأي؟ لا تفكر فى اقتناء كلب
0
لؤي أحمد
شكرا يا مريم على كلامك ..
بس أنا بحب الكلاب.. عايز أربي واحد قوي :(
محمود حافظ منذ 11 شهر
صورة خيالية مبدعة
0
لؤي أحمد
شكرا محمود

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا