الرد على البذيء من كلام صاحب "سؤال جريء" - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الرد على البذيء من كلام صاحب "سؤال جريء"

كشف التهافت في برنامج "سؤال جريء" في نقد الإسلام

  نشر في 31 ماي 2015 .

قدم الإعلامي المُتَنَصِّر الذي يسمي نفسه "الأخ رشيد" حلقة جديدة من برنامجه "سؤال جريء" بعنوان "ماذا قال العظماء عن محمد؟" حيث لجأ كعادته إلى أسلوب التهكم والاستهزاء المغلف بخطاب العِلمية والعقلانية، فيوهم نفسه ومن يسخرونه أنه يقدم نموذجا فريدا في انتقاد الإسلام وبيان بطلانه -حسب زعمه- بالعقل والمنطق والدليل الدامغ، معتمدا في ذلك على إرثه القديم الذي راكمه عن الإسلام قبل أن يتنصر. وأنا أتباع منذ أيام قليلة سفاهات هذا "الرويشد" وأعود إلى بعض حلقاته السالفة من برنامجه الرديء، أتساءل لماذا لم يتصد له كبار علماء الأمة فيسكتون خَرْصَه؟ لماذا لم يناظره أحد من علمائنا الأجلاء فيدمغون باطله بالحق؟ لم أجد سوى جواب واحد مفاده أن ليس كل من تكلم يرد عليه. فالإعراض عن الجاهلين حكمة ربانية تصلح أن يتعامل بها مع هذا "الرويشد" المتنصر. ومع ذلك أجد في نفسي حماسة شديدة في مناقشة بعض هرطقات "الأخ" التي يلوث بها أسماع الناس، خصوصا وأن أطروحاته المغرضة لا ترقى إلى المستوى العلمي الرصين الذي يحتاج إلى علماء جهابذة لردها وكشف بطلانها. فكل من له رصيد من الفقه في الدين يمكن أن يقف على حجم الضلال الواضح وضوح الشمس في خطاب صاحبنا المتنصر -هداه الله إلى الحق-. وقبل الخوض في تسليط الضوء على تهافت "الرويشد" في حلقته الأخيرة أريد أن أوضح أمرا مهما هو أني لا أدعي العِلمية ولا المشيخة. بل أنا مسلم من عامة المسلمين وجدت نفسي مسلما -وكفى بهذا نعمة- وفهمت ديني بعقلي وقلبي، فامتلكت رصيدا يُمَكِّنُني من التمييز بين الحق والباطل بمنهج عقلي منطقي أحاجج به من يخالفني.

وأبدء مع صاحبي هذا بملاحظات منهجية أولية:

-الملاحظة الأولى: يقول أنه فكر وقدر ثم فكر وقدر فهداه عقله إلى ترك الإسلام واعتناق النصرانية بعد أن اكتشف ضلال الإسلام وتناقضاته. وهنا أتساءل مستغربا: إن المنطق الذي رفض به الإسلام يجب أن يفرض عليه ألا يعتنق النصرانية مطلقا فما وجده –حسب زعمه- من قضايا تتنافى مع العقل في الإسلام فإنها في النصرانية أدهى وأمر. ألم يكن حريا به ألا يعتنق أي دين؟ ألم يكن حريا به أن يعتقد بالإلحاد؟ فلو فعل لكان منسجما مع زعمه وكان منهجيا في طرحه.

-الملاحظة الثانية: إن الذي يؤمن بالعقل والعلم ويطلق العنان لمزاعم وادعاءات شتى لا يليق به أن يخاطب نفسه بنفسه، فيسأل ويجيب في غياب تام للطرف المخالف. لو كان البرنامج تبشيريا محضا يدعو إلى النصرانية ويعمل على إقناع الناس باعتناقها لقلنا هذا شأن يخص أصحابه. ولكن أن تطعن في دين بطعون لابد من إخضاعها لمنطق مقارعة الحجة بالحجة من خلال استحضار واستدعاء تفسيرات المعنيين بالأمر ولا يحصل ذلك، فهذا مما يتعارض مع المنهج العلمي الذي يدعيه صاحب السؤال الجريء والذي لا يجرؤ مطلقا على مواجهة أهل العلم من المسلمين الأكفاء. بل يقيم بعض المناظرات المتناثرة التي يُعَدُّ لها حسب أهوائه بين الفينة والأخرى ذرا للرماد في أعين القلة القليلة ممن يتابعونه، وموهما إياهم بأنه يواجه المسلمين بما لا يستطيعون رده.

-الملاحظة الثالثة: مما يثير الانتباه في خطاب "الأخ" أنه يردد كلاما في جل حلقاته يذكر فيه ماضيه في انتسابه للإسلام ويصور للمشاهد بأسلوب عاطفي أنه كان يُمنع من إعمال عقله بحرية وكان يُجبر على تبني أحكام الإسلام العقدية والتشريعية مع تعتيم كامل على كل ما يخالف الدين، مما يوحي بأن المسلمين كأنهم يعيشون في سجن كبير لا يسمعون ولا ينظرون ولا يتكلمون ويفعلون ما يؤمرون. وهذا ما يشير بوضوح تام إلى قصور عند هذا "الأخ" في معالجة القضايا الخلافية بمنهج سليم يحترم عقول الناس ويقدر قيمة الأمانة والموضوعية في فقه الخلاف. ويكفيني هنا أن أقول لهذا "الرويشد" بأن قناته النصرانية هذه تبث في كل بلاد المسلمين، وقبل ذلك أتذكر أني منذ بدأت أميز وأنا أرى في بلدي أشرطة الفيديو والكتب النصرانية والأناجيل التي كانت تعطى لأبناء الجالية تدخل وتصل إلى عموم الناس بكل حرية عشرات السنين.

بعد هذه الملاحظات التي كان لابد منها، أعود إلى موضوع حلقة هذا الأسبوع من حلقات برنامجه المتهافت الذي حاول من خلالها أن يقنع المشاهدين بأن المسلمين "يتسولون" أقوال مشاهير العلماء والعظماء والمبدعين من أجل إثبات عظمة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم. فاستحضر كلاما ينسب "لبرنارد شو" يتداوله كثير من الدعاة والخطباء من باب "وشهد شاهد من أهلها"، حيث طعن في صحة المنسوب لهذا الأديب العالمي الشهير على اعتبار أن الكلام غير موثق بمصدر معتمد. وبالمقابل أتى بأقوال كثير من المشاهير في مختلف الميادين تذم الرسول صلى الله عليه وسلم وتذم الإسلام وتنعتهما بأقبح النعوت. فجعل يفتخر بها ويعتبرها قاصمة لظهر المسلمين الذين –حسب قوله- يعانون من عقدة الغرب وكأن هذه الأقوال قد نزل بها الروح الأمين. فلا كلام بعدها ولا رأي. وعليه أدعو هذا "الرويشد" أن يأمل الآتي بعقله الذي يدعي أنه يُعْمِلُه فأقول:

-إن الإسلام منذ جاء به محمد صلى الله عليه وسلم لم يقم على تعظيم أي أحد له بقول أو فعل. بل قام بالدليل والحجة والبرهان. وأما توظيف كلام غير المسلمين عندما يكون فيه ما يتطابق مع ما نؤمن به فإن الأمر لا يعدو أن يكون إلا تأكيدا للمؤكد وتدعيما للمدعم بالدليل والبرهان. فإن ثبت صحة ما ينسب لأي كان بخصوص تعظيم الإسلام ورسول الإسلام فهذا فضل من الله. وإن ثبت العكس فلا يسعنا إلا أن نقول أن الكلام لم يصح ولا يضرنا ذلك شيئا. بل إن منهج المسلمين احتمل التوقف عند كلام خير البشر محمد صلى الله عليه وسلم فَرُد كل ما لم تثبت صحته ولو احتمالا (راجع علوم الحديث). فما بالك بكلام غير المسلمين. فلو قبلنا جدلا بأن كلام "برنارد شو" ليس ثابتا بالدليل الموثوق، فإن التراجع عنه لن يزيد أو ينقص شيئا من الدين. ثم لابد أن يعرف الناس أن الكلام المنسوب "لبرنارد شو" ليس كلاما متداولا عند كثير من المسلمين. وأتحدى هذا "الرويشد" أن يأتي بكتاب واحد من الكتب المقررة في جميع الأسلاك التعليمية بالمملكة المغربية (على الأقل لأني مغربي فأتحدث بما أنا مطلع عليه) يشير إلى هذا النص من باب تقديمه كنص مقدس وجب حفظه وفهمه والاستدلال به على عظمة محمد صلى الله عليه وسلم. فالصورة التي قدمها صاحبنا توحي كأن كل المسلمين يتكلمون بكلام "برنارد شو" لدرجة تقديسه حتى أنه نسي أن يذكر بأن كلام الأديب العالمي يقرأ في الصلاة بعد الفاتحة مع القرآن. هذه المزايدات أسلوب رخيص لا تمت بصلة للمنهج العلمي والعقلي الذي يدعي "الأخ".

-إن الإنكار على المسلمين أنهم لا يذكرون أقوال الطاعنين في الإسلام وفي شخص نبينا الكريم لأبنائهم ولا يعلمونها لهم لا يقبله عاقل منصف. كيف يعقل أن يذكر المرء ما قيل فيه من سوء ويشيعه بين الناس؟ سيكون ذلك ضربا من ضروب الجنون لا محالة. أي أن كل من تحاشى ما يسيء له وأعرض عنه فإنما يقوم بما يقبله العقل والمنطق. ومع ذلك فإن الواقع يثبت أن المسلمين لا يجدون غضاضة في بسط كل الشبهات التي تحاك ضد دينهم ونبيهم، فيردونها بالعقل والمنطق والمنهج العلمي السليم. وارْجِع إلى المكتبة الإسلامية ستجد فيها ما يذهل، وأتحدى هذا "الجريء" أن يأتينا بما في المكتبة النصرانية من كتب تخاطب العقل وتقارع الحجج دفاعا عن أباطيل النصرانية الضالة. هذا من جهة، ومن أخرى فكل النصوص التي أتى بها "الأخ" ليست بجديدة وليست بالسابقة التي لم يسبقه بها أحد وكأنه فاجأ المسلمين بما قال. والعجيب أن صاحبنا يذكر تلك الأقوال وكأنها من عند الله تعالى قطعية الثبوت قطعية الدلالة، متبجحا بإحالته على مصادرها. وهنا أتساءل: ما الذي يثبت صحة ما نسب لهؤلاء من أقوال في هذه المصادر خصوصا وأن بعضها يعود تاريخ تأليفها إلى قرون مضت؟ أي منهج علمي اتبع في إثبات صحتها؟ أم أن هذه الوثائق لا تناقش ولا ترد ولا يعمل أمامها العقل؟ أليس هذا "الرويشد" قد ترك الإسلام بدعوى أنه شغل عقله فوصل إلى الحق؟ أي ميزان هذا الذي يزن به عقله الحقائق؟ ألم يعلم هذا المتنصر عندما كان مسلما أن نصوص الشرع خضعت لمعايير علمية دقيقة في إثباتها بما في ذلك القرآن الكريم؟ ألم يطلع على علوم القرآن وعلوم الحديث التي لا مثيل لها على الإطلاق في أي دين آخر؟ أتحداه مجددا أن يخضع نصوصه لمنهج علماء الحديث ليثبت صحتها. وفي جميع الأحوال لنفترض جدلا أنها صحيحة وأن أصحابها قالوها حقيقة، فما المشكل؟ طبيعي أن يذكر العدو عدوه بما يطعن فيه. خصوصا إذا لم يجد ما يقارعه به فإن الأسلوب المتبقي هو السب والشتم وتلفيق التهم. تلك التهم التي كيلت لرسول العالمين فتكلف التاريخ والواقع بردها. وأذكر صاحبنا في هذا الصدد أنه ضاق به الحال في أول مكالمة معه في برنامجه. فما أن استشعر أن المتكلم مسلم حتى قاطعه بدعوى أنه يقتبس بدون تفكير فقطع عنه الخط ولم يسمع منه كلمة واحدة. فالعجب كل العجب لمن ينكر على غيره ما يفعل.

-ظهر جليا عند صاحبنا هذا نوع من الخطاب الذي يستغفل فيه عقول الناس، حيث استغل أقوال من عرض من المشاهير ليوهم الناس بأن المسلمين يعيشون على القتل والذبح والإرهاب. إن ما يحدث من أعمال إجرامية في بعض بؤر التوتر في العالم بدعوى الدفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو بدعوى إقامة الخلافة الإسلامية هي أعمال مستنكرة من جل علماء الأمة وعامتهم. بل إن الغالب على المسلمين أنهم يقتدون بمنهج نبيهم صلى الله عليه وسلم الثابت بالدليل المتواتر، حيث أثبت التاريخ أن أول غزوة غزاها المسلمون كانت بعد الهجرة. أي بعد ثلاث عشرة سنة على الأقل من البعثة. فإن كان الرسول صلى الله عليه وسلم دمويا ووحشيا قد أقام دينه بالقتل كما ادعى أصحاب الأقوال المعروضة لماذا انتظر كل هذه السنوات؟ لماذا لم يلجأ إلى العنف منذ الوهلة الأولى؟ ثم إن التاريخ المروي عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لا يطعن فيه أحد على الأقل في خطوطه العريضة لا يتحدث إلا عن غزوات محدودة معدودة على رؤوس الأصابع. إن كان وحشيا للدرجة التي صورها صاحبنا لماذا هذه المحدودية في المعارك؟ ثم من باب الإنصاف لماذا لا يذكر هذا "الرويشد" ما ثبت عند المسلمين أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يلجأ إلى القتال إذا لم يكن له داع؟ ومثال ذلك عفوه عن أهل مكة رغم أن دوافع الانتقام منهم كانت كبيرة لو أراد ذلك. الحقيقة التي لا ينكرها المنصفون أن من يلجؤون إلى القتل كأسلوب في الدعوة إلى الدين أو الدفاع عن حقوق النبي صلى الله عليه وسلم أمثال "داعش" هم قلة في المسلمين يوظفون لغرض تشويه الإسلام كما يوظف هذا المتنصر فهما عملتان لوجه واحد.

أكتفي بهذا القدر فأقول في ختام هذا المقال إن الإسلام نور الله في الأرض تكفل سبحانه بحفظه ووعد بإتمامه ولو كره الكارهون. ثم إن الوصول إلى الحق يحتاج إلى صدق في النية ومنهج سليم في التفكير والتدبر واستخدام العقل بإخضاع هوى النفس لمعايير ثابتة لا يكال فيها بمكاييل حسب الحاجة والمصلحة.



   نشر في 31 ماي 2015 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا