الأدب والسينما - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الأدب والسينما

إشكالية تحويل الأعمال الأدبية إلى عالم السينما

  نشر في 20 نونبر 2020  وآخر تعديل بتاريخ 22 نونبر 2020 .

يعد تحويل عمل أدبى إلى عمل سينمائي من الأمور المثيرة للجدل والإشكال ، فرغم نجاح بعض الأعمال الأدبية إلا أنها قد تفشل فى عالم السينما ، وإن لاقت بعض الأعمال النجاح فى السينما على المستوى الجماهيري فإنها عادة لا ترضى قراء العمل الأدبى ، ولعل أخر تلك الأعمال  التى انتقلت من عالم الأدب إلى عالم السينما هى سلسلة ماوراء الطبيعة للراحل أحمد خالد توفيق ولكن لأنى لم أقرأ السلسلة أو أشاهد المسلسل فلا أستطيع تقييم مدى نجاح العمل أو فشله لهذا سوف أناقش بعض الأعمال الأدبية الأخرى التى تحولت إلى عمل سينمائي ، ولكن اولا سوف أناقش الفرق بين أساليب التعبير فى القصص الروائية عن أساليب التعبير فى فيلم سينمائي مما يخلق تلك الإشكالية .


فى العمل الروائى يكون كاتب العمل هو وحده المسؤول عما يكتب ، وبالتالي يعبر العمل عن الإبداع الفردى لشخص الكاتب ، وإليه فقط يتوجه النقد سواء من ناحية الأسلوب أو المضمون . أما العمل السينمائي فيدخل فيه عدة عناصر فبخلاف السينارست هناك المنتج والممثل والمصور ، أما العنصر الأهم فهو المخرج الذى يدير تلك العناصر ليخرج العمل السينمائي فى شكله النهائى . ويختلف جودة العمل السينمائي  مع جودة تلك العناصر ، فمها كان مستوى الإخراج وإمكانيات الإنتاج جيدة  فإن  ضعف السيناريو سيجعل أى شئ أخر لا قيمة له ، وقد يفشل المخرج فى التعبير عن النص ويسطح مضمونه ، والمنتج وفقا لأغراض ربحية قد يزيل بعض العناصر أو يضيف البعض مما يؤدي إلى تحريف كبير فى النص ، وبخلاف الأشخاص المسؤولين عن إنتاج فيلم سينمائي أو الكاتب المسؤول عن كتابة قصة روائية فإن الأساليب التعبيرية تختلف باختلاف  المجالين ، مجال صناعة السينما ومجال كتابة الرواية .


فعلى الرغم من أن كتابة الرواية وإنتاج فيلم سينمائي تتشابه كل منهما فى الأدوات المستخدمة إلا أنها يختلفان فى الأولوية ، فالعنصر الأهم فى كتابة الرواية هو السرد ، سواء كان سرد وصفى للأماكن والأشخاص أو التعبير عن الحالات النفسية المتغيرة لشخصيات الرواية مما يثير مخيلة القارئ. فى السينما فإن الصورة الحية هى بديل عن السرد الوصفى والتفصيلى وأداء الممثل هو المقابل التعبيرى فى وصف الحالات النفسية لشخصيات الرواية . 


يعد عنصر الحدث هو العنصر الأهم هى صناعة أى عمل سينمائي  ، فرغم أن أى العمل الروائى روائى يجب أن تكون له قصة ومسار واضح للتطور الأحداث فعنصر الإثارة فى الحدث  ليس له أولوية  فى العمل الروائى  ، لهذا تنجح الأعمال السينمائية التى تستند إلى قصص وروايات بوليسية أو روايات فانتازية التى تعتمد على عنصر الإثارة التى تجتذب المشاهد ، ولعل فيلم العراب التى استندت إلى رواية للكاتب الامريكى ماريو بوزو بنفس الإسم دليل على إمكانية نجاح  نقل عمل أدبى إلى عمل سينمائي بالاعتماد على عنصر الحدث ، وتعد رواية البؤساء للأديب فكتور هوجو من أشهر الأعمال التى نجحت فى التحول لعدة أعمال سينمائية وتلفزيونية كان أخرها فيلم البؤساء عام ٢٠١٢ للمخرج توم هوبر الذى ظهر الفيلم  بشكل أوبرالى رائع ، ويعكس هذا النجاح السينمائي اعتماد الرواية بشكل كبير على تراجيديا فى الأحداث .أما عنصر الحوار فهو عنصر ضروري لكل من السينما والرواية سواء كان حوار مع الغير أو مع النفس ، وإن كان الحوار مع النفس غير ضرورى فى السينما بل لا يستحب كثرته على عكس العمل الروائى الذى بصبح الحوار مع النفس له نفس الأهمية أو تزيد فى أهميتها عن الحوار مع الغير .


لا تعكس الأساليب التعبيرية لكل من الرواية والسينما فقط إشكالية نقل العمل الأدبى إلى عالم السينما ، فإختلاف الثقافة التى يعكسها العمل الأدبى ومحاولة نقلها إلى ثقافة أخرى عن طريق السينما تثير الكثير من الجدل ، ولعل نموذج الأدب الروسى  خير مثال على هذا ، فرغم عالمية الأدب الروسي فإنه معروف بواقعيته ، فهو يعكس الثقافة الروسية والشخصية الروسية فى مرحلة تاريخية معينة ، فعلى سبيل المثال ، فيلم الأخوة الأعداء المأخوذ عن رواية الأخوة كارامازوف لم يلقى شعبية كبيرة على المستوى الجماهيري على الرغم من نجاح الرواية بل لعل قراء الرواية فى مصر أكثر من مشاهدى الفيلم ، ونموذج أخر هو فيلم نهر الحب لفاتن حمامة و زكى رستم وعمر الشريف المأخوذ عن رواية أنا كارينينا لتولستوى ، أثار الكثير من النقد لكونه يجعل المشاهد يتعاطف مع البطلة (فاتن حمامة ) رغم أنها خانت زوجها . 


وهذا النقد يحيلنا إلى إشكالية أخرى وهو إختلاف النظرة ما بين مشاهد العمل السينمائي وقارئ الرواية فأغلب المشاهدين يبحثون دائما عن عن نماذج مثالية وأخرى شريرة بينهما صراع ينتهى فى النهاية بانتصار الخير على الشر ، أما كاتب الرواية فعادة لا يقسم شخصياته إلى أخيار و أشرار،  فهو فى النهاية يقدم رؤيته الإبداعية الخاصة فهو يبرز من خلال القصة وشخصياته رؤيته الفلسفة الخاصة بعيدا عن الثنائية الساذجة للخير و الشر ذات الشعبية فى عالم السينما . يعد نجيب محفوظ خير مثال على ذلك فهو من ناحية أكثر الراوئيين العرب التى تشابكوا مع واقع المصرى فى أكثر أعماله الأدبية ، وهو أيضا أكثر الكتاب التى نقلت أعماله إلى عالم السينما ، ومع ذلك فقارئ نجيب محفوظ سوف يدرك أن عدد من الأعمال السينمائية لم تستطع أن تصل إلى رؤية الكاتب ، ويمكن القول أنه كان من صعب نقلها إلى عالم السينما ، فالثلاثية كان من الأفضل أن تبقى بين دفتى الكتاب على أن تظهر إلى السينما فالرواية التى ناقشت حياة أسرة فى فترة تاريخية بدأت منذ ثورة ١٩١٩ ، حيث أبرز الكاتب التكوين النفسى والاجتماعى لأفراد تلك الأسرة وتفاعلهم مع المحيط الخارجي أبرز العمل السينمائي حياة أفراد الأسرة بشكل كوميدى ومبتذل ، وتعد بعض الأفلام المأخوذة عن رواية الحرافيش وهى واحدة من أشهر روايته نموذج سئ على هذا الفشل ، ومن وجهة نظرى فإن فيلم القاهرة ٣٠ يعد من أكثر الأعمال  نجاحا التى حاولت أن تصل إلى رؤية الكاتب . 


لا تقتصر العلاقة بين العمل الأدبى والسينمائى على مجرد نقل القصة ، بل إقتباس الفكرة الرئيسية للقصة داخل قصة سينمائية جديدة ، من الأساليب الأكثر إنتشارا ، فالرواية المسرحية فاوست تأليف جوته ، ففاوست الذى عقد عقد مع الشيطان ليسلمه روحه مقابل أن يمد الشيطان فى عمره ويمتعه بالثروة و السلطة و جميع لذائذ الحياة ليندم فاوست فى النهاية . تم تجسيد تلك الفكرة فى عدد من الأعمال السينمائية و التلفزيونية ، وفى مصر الفيلم السينمائي سفير جهنم الذى جسد دور الشيطان يوسف وهبى ، ففى الفيلم يقنع الشيطان رجل وزوجته بأن لهما ثروة قد ورثاها ويجعل الرجل يقسم بالمصحف بأن له أخ مات وترك له تلك الثروة الضخمة ، مع علم الرجل أنه ليس له إخوة . أما أخر الأعمال التليفزيونية فهو مسلسل ونوس ، فمن ناحية الإخراج و القصة و الأداء التمثيلى ، فهو يعد من الروائع ، فالحوار يحمل مضامين فلسفية متعددة ، و دور الشيطان الذى جسده يحيى الفخراني ببراعة ، فهو يعرى نفوس البشر ويظهر ما فى دواخلها ، أما الكاتب فلقد حمل رؤيته الخاصة ، أنه بالإمكان للإنسان دائما الرجوع والتوبة عن أخطائه وهو ما يتناقض مع الكبر الشيطانى ، أما العنصر الأهم أنه إستطاع أن يجعل الثقافة الدينية المحلية أن تستوعب الفكرة الأدبية وتجعلها مقبولة شعبيا دون أن يشرعن لأى خرافة حول الجن والعفاريت المنتشرة فى كثير من الأعمال التليفزيونية و السينمائية دون أن تحمل مضمون واضح ، فالعمل رائعة أدبية و فلسفية أكثر منه دراما تقليدية . فى النهاية لا يمكن إستنساخ عمل أدبى فى شكله و مضمونه داخل عمل سينمائى دون تغيير ، ولكن عندما يضيف أو يحذف السينارست والمخرج عليه دائما ألا يخرج عن رؤية كاتب الرواية إلا فى حالة الإقتصار على إقتباس الفكرة مع تغيير القصة ، وهنا لدى صانع السينما مساحة أكبر من الحرية ليضع رؤيته الخاصة .



  • 1

   نشر في 20 نونبر 2020  وآخر تعديل بتاريخ 22 نونبر 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا