معروف الرصافي و نظرية النبوة . - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

معروف الرصافي و نظرية النبوة .

| مهدي جعفر

  نشر في 16 نونبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 30 نونبر 2018 .


   لا يشذ الشاعر العراقي "معروف الرصافي" عن قاعدة الشعراء العرب المفكرين الراديكاليين ، فما أبعده عن الشعراء المنمقين للكلمات و الحروف ، أو الناضمين لقصائد الغرام و رثاء السلاطين ، فما من شاعر أصيل إلا و هو بالضرورة مفكر أصيل في ذات الوقت كما يقول أدونيس ، فالشعر بكل تأكيد هو نظرة إبداعية أخرى للواقع تبتعد عن النظرة العلمية و تقترب أكثر من النظرة الفلسفية للواقع المنشغلة بالأسئلة و الإستفسارات أكثر من الإقتناع بالمسلمات و القناعات الإسمنتية الموروثة ، و كي يلتزم الشعر بهذا الإنشغال لابد أن يتحدث في كل من "الدين" و "السياسة" ، أي أكثر سلطتين تغولا لحرية الإنسان و تحديدا لمصيره رغما عن إرادته الشخصية ، من هذا المنطلق و الإيمان العقلاني تندرج أعمال كبار الشعراء في التاريخ العربي خصوصا ، كأبو العلاء المعري و أبو نواس و المُتنبي من المتقدمين ، و أنس الحاج و محمود درويش و أدونيس من المُحدثين .

  و في نفس السياق تندرج أعمال الشاعر العراقي المكنى بـمعروف الرصافي حيث أن اسمه الحقيقي هو "معروف بن عبد الغني بن محمود الجباري" ، ولد في بغداد عام 1875م ، و نشأ فيها حيث أكمل دراسته في الكتاتيب ، ثم دخل المدرسة العسكرية الابتدائية و سرعان ما تركها ، وانتقل إلى الدراسة في المدارس الدينية حيث درس على يد مشايخ بغداد ، إلى أن تخرج على يد الشيخ "محمود شكري الألوسي" ، و بعد التخرج كان يرتدي العمامة و زي المشايخ و سماهُ شيخهُ الألوسي (معروف الرصافي) ليكون في الصلاح و الشهرة و السمعة الحسنة ، مقابلاً لـ"معروف الكرخي" و هو أحد أكبر و أشهر علماء أهل السنة و الجماعة في العراق ، إلا أن معروف الرصافي سوف يخيب أمل شيخه ، كما خيب "عبد الله القصيمي" أمل مشايخ القصيم و عنيزة فيه في بيداء الحجاز ، المهم أن الرصافي اشتغل بعد ذلك في سلك التعليم ، حيث عين مدرساً في دار المعلمين في القدس عام 1920م ، و عاد إلى بغداد عام 1921م ، ثم سافر إلى الإستانة عام 1922م ، و عاد مرة أخرى إلى بغداد عام 1923م، وأصدر فيها جريدة الأمل ، و انتخب عضواً في مجمع اللغة العربية في دمشق سنة 1923م ، و بعد ذلك عين مفتشاً في مديرية المعارف ببغداد عام 1924م ، ثم عين أستاذاً في اللغة العربية بدار المعلمين العالية عام 1927م ، إذ اشتغل معظم حياته في التدريس و الصحافة ، فضلا عن أعماله الفكرية و الإبداعية في الشعر و التاريخ و السياسة .

  و أحد أهم أعماله الإبداعية هو "كتاب الشخصية المحمدية" الذي انتهى من تأليفه سنة 1933 و لم يطبع تجوسا و خيفة مما قد يحدث جراء نشره و قراءته من طرف الشيوخ و الدهماء و "أولي الجهل" ، فاستمسك عن نشره إلى أن مات ، لأسباب شخصية و كذا لأسباب تتعلق بدور النشر التي لم يتجرئ أي منها على نشر كتاب مثل هذا ، إلى أن رأى النور ، قبل سنوات قليلة ، بعد أن غامرت في ذلك مؤسسة “منشورات الجمل” و طبعت الكتاب في حُلة لائقة في ألمانيا سنة 2002 ، اعتمادا على مخطوطة أصلية بخط يد المؤلف .

   فإلى أي حد تبلغ خطورة محتوى هذا الكتاب كي تنكص دور النشر طول 69 سنة عن إخراجه إلى المكتبات ؟؟

  إن الكتاب في مجمله إعادة قراءة لحياة "النبي محمد" من محيطه الذي ولد فيه إلى ما بعد مماته ، متعرضا في ذلك الرصافي بالعرض و التحليل و النقد لأهم الأحداث التاريخية التي صنعت شخصية النبي العربي ، أخلاقيا و قيميا و فكريا و نظرةً للكون و الذات و الآخر ، كل ذلك تطرق له م.الرصافي وفق منهج عقلاني نقدي تاريخي ، يتأسس على وثائق التاريخ و ليس على التأملات الخيالية ، لذلك جاء الكتاب ضخما وقع في أكثر من 750 صفحة ، إذ أن فائدته لا تكمن فقط في كونه نسخة تاريخية منقحة حول حياة النبي محمد ، بل أهميته تتلخص في منهجية التفكير في التاريخ الذي تسدل عليه الجماعة/القبيلة سدول المقدس ، حيث يعتبر الرصافي أن التفكير العقلاني و التحليل التاريخي النقدي يجب أن لا يستبعد أي ثقافة أو دين من دائرة اشتغاله ، لأنه في النهاية الحقيقة لا تخاف النقاش ، و إذا كانت هذه الثقافات و الأديان تقوم على أسس صلبة تمتح من معين الحقيقة ، فإن تحليلها و مناقشتها لا تشكل عليها أي خطر ، بل تندرج فيما وصفه ابن رشد بأن "الحق لا يضاد الحق بل يوافقه و يشهد له" .

  يستهل الرصافي الكتاب بهذه الكلمات المعبرة عن المنهج التفكيكي الذي سيعتمده  لمقاربة موضوع الكتاب ، يقول:《باسم الحقيقة المطلقة اللانهائية ، الحمد لها و الصلاة و السلام عليها و بعد ، فإني أكتب للتاريخ ... إنني أعرف أن كلامي سيسخط الناس ، لأنني خالفتهم لوفاقهم و صراحتهم في بيانها جريا على خلاف ما جروا عليه من عادات سقيمة و تقاليد واهية ، فلست مباليا به و لا مكترثا له ما دمت لا أطلب بما أكتب إلا رضى الحقيقة 》(الرصافي;2002: 15) .

  اختار الرصافي الحديث عن الدين بشكل أساسي لأنه سلطة مؤثرة في مسار التاريخ و حرية الإنسان ، يقول:《القوة التي كان الأرباب يستعبدون بها المربوبون ، فهي إما مادية كالقوة البدنية و ما يتبعها من سلاح و أعوان ، و إما أدبية كالدين و ما تبعه من رؤساء و كهان ، و قد تكون هاتان القوتان أحدهما عونا للأخرى و قد تجتمعان في شخص واحد ، خلاصة القول أن هاتين السلطتين كانتا عبر التاريخ إلى يومنا هما الواسطة لاستعباد البشر بعضهم بعضا》(الرصافي;نفسه: 17-18) ، و اختار وسط الدين أن يتحدث عن مفهوم "النبوة" باعتبارها ظاهرة نشئت بإزاء الأديان خصوصا التوحيدية .

  يقوم منظور معروف الرصافي في هذا الكتاب على اعتبار "النبوة" مسألة أرضية لا علاقة لها بالسماء ، و أن ما يسمى بـ"نبي" هو شخص له تجربة روحية، فتنشر هذه التجربة في أثر اعجاب جماعة/قبيلة النبي بها و احتضانها بأسلوب سلمي أو عنيف ، من هذا المنطلق يكون النبي محمد شخص عادي عاش تجربة روحية من طبيعة خاصة فتبنتها قبيلته تارة بالسلم و تارة أخرى بالعنف ، إضافة إلى ذلك فإن النبوة لها ظروف اجتماعية هي التي تحدد مصيرها ، إما على جهة النجاح أو الوئد في المهد أو بعد مسيرة ، فقد ظهر في جزيرة العرب كما هو شائع عند المؤرخين آلاف الأنبياء ، جمع أشهرهم صاحب "صيد الخاطر" في أحد فصول كتابه هذا (ابن الجوزي; 1992: 411 وبعدها) ، كأسود العنسي و رحمن اليمامة (مسيلمة) و سجاح و طليحة ابن خويلد ، و جنذب بن كلثوم كما أن هناك من يعتبر المختار ابن عبيد الله الثقفي (من أخذ بثأر الحسين ابن علي حفيذ النبي محمد) على أنه أشهر من ادعى النبوة في الإسلام ، لذلك كان يلقب بـ"الكذاب" و قامت ثورتين ضده في الكوفة على هذا الأساس ، الأولى قمعها و الثانية صرعته (ابن كثير; 1998: 32-72)، هذا زائد "صالح ابن طريف" مؤسس مملكة برغواطة في المغرب و الذي ادعى هو الآخر أن الوحي ينزل عليه باللغة الأمازيغية و له قرآن بربري (منديب; 2006: 43) .

  من هذا يلاحظ أن ، الأنبياء التي انتشرت دعوتهم و نجحت من حيث الإنتشار الجغرافي ، لا يعني أن السماء سددت و حمت دعوتهم ، و إنما الواقع الإجتماعي الذين يعيشون فيه آتاح لهم عدة سبل و فرص أحسن استغلالها هؤلاء المسمون أنبياء لأجل رسالتهم الروحية ، أما الأنبياء الذين فشلت دعوتهم في الإنتشار فإنه لو استقرأنا تاريخهم سنجد أن محيطهم الإجتماعي تصارع معهم إلى أن صرعهم على السواء هم و دعوتهم ، إذ لم يجدوا داخل هذا المحيط مساعدين و أصدقاء و وسطاء و متنفذين كي يمهدوا الطريق إلى الدعوة الجديدة ، أما من استطاع أن يجد هذه الظروف و الوسائل الإجتماعية المساعدة و استغلها بذكاء فقد نجح في نشر تجربته الروحية و الدينية و أصبح ممن غيروا تاريخ البشرية بحق ، و لتقديم نموذج على ما ذكرناه ، يمكن أن نطرح نموذج "الدولة-الدينية" كوسيلة تسهل بشكل كبير جدا بل تضمن نجاح رسالة النبي ، خصوصا إذا تأسست مع النبي فإن حمايتها للدين تصبح أهم وظيفة تشتغل على تحقيقها ، و هو ما يحمي  دعوة و رسالة النبي ، ولنأخذ على ذلك نموذج النبي "محمد" و "عيسى" ، التاريخ يؤكد أن محمد أسس دولة بمعناها الكلاسيكي ، المهم أنه خلق سلطة سياسية تتحكم في المجتمع باسم الدين ، سميها دولة أم كونفيدرالية قبلية أو ما شئت ، المهم أنه خلق سلطة مؤثرة و تمتلك قوة الردع ، إذ أن هذه السلطة/الدولة هي التي حَمَت كل من النبي محمد و رسالته أكثر من أي شيء آخر ، و هو ما حكم على الإسلام بالإستمرار في بيداء الجزيرة العربية و كلما استمر امتلك أساليب الإنتشار خارج الجزيرة سواء بقوة السيف/الدولة أم بسلطة الدعوة و المكانة السياسية و الإقتصادية و الثقافية للحضارة الإسلامية .

  أما النبي "عيسى" فقد نشأ في وسط اجتماعي "يهودي" يقتل كل من يدعي النبوة و الكرامات و الخوارق ، رغم أن عيسى دعى جماعته/قبيلته إلى الرسالة التي ابتعث من أجل نشرها ، غير أن أقلية من تلاميذه و المتأثرين به هم من اتبعوه و آمنوا به ، كما أنه لم يهتم ببناء سلطة/دولة ترد عليه غائلة اليهود و تحمي رسالته ، ذلك ما جعل وضعيته تتأزم مع قبيلته إلى أن دعوا له الرومان فأتوا و قتلوه و نكلوا به كأي شخص أحمق ليست له أي أهمية ، لذلك ظلت المسيحية بعد عيسى دين أقلية متخفية ، لكنها لم تصبح ديانة عالمية إلا بعد أن تبنتها "الدولة الرومانية" ، و هنا يتضح الدور الفاعل و المؤثر للدولة كأهم وسيلة لحماية و نشر دعوة و رسالة النبوة سواء بالسلم أو بالعنف ، و يمكن أن نلاحظ ذات الشيء في تاريخ "الديانة اليهودية" ، فهي كديانة في مصر كانت مضطهدة لأن في مصر الدولة الفرعونية لم تكن تحمي دين موسى ، بل كانت تقاومه ، غير أن اليهودية كرسالة نبي لم تنجح إلا بعد أن خرج بنو إسرائيل إلى فلسطين و أسسوا هناك مملكات/دول دينية تحكم وفق الشريعة اليهودية ، و حتما لو بقوا في مصر لكان المصريون قد محقوهم و أبادوا رسالة نبيهم و دعوة دينهم ، فالوسيلة الفارقة بين المصيرين هو "الدولة- الدينية" إذن التي تعتبر سلطة تحمي الدين و رسالة النبي ، إلى درجة قد تدفع للقول بأنه لو لا الدولة لما كانت هناك أديان عالمية (مع بعض التحفض و الإستثناء بالنظر إلى أديان الشرق الأقصى كـ البوذية و الهندوسية) .

  أكيد أن هذا التفسير الدنيوي و ليس الديني لانتشار و نجاح دعوة الأنبياء ، الذي يربط نجاحهم بما هو أرضي و ينفي عناية السماء لهذه الرسائل ، يقلب على حد سواء فهم أتباع هذه الديانات إلى تاريخ أديانهم ، و من جهة أخرى يهدم كذلك بعض التصورات و التأويلات اللاتاريخية و الغريبة لبعض المفكرين العرب (العلمانيين) الذين يعتبرون أن الأنبياء جاؤوا برسائل روحية و ليس بدول و مملكات ، و هذا بعيد عن قراءة حصيفة للتاريخ ، فلو لم يأسس النبي محمد دولة لها جيش قوي يدافع عنه و يحمي دعوته ، لكان قد أُعدم و قُتل من طرف قريش ، بل هذه الدولة هي من أتاحت لدينه البقاء و لنفسه طول العمر نسبيا ، و لإقرار ذلك نستحضر هنا موقف اثنين من أكابر و أعلام الفلسفة السياسة في العصر الحديث من سيرورة تشكل دعوة النبي محمد بإزاء تشكل دولة أوكلت لها وظيفة حمايته و حماية دينه ، و هما "مونتسكيو" و "جون جاك روسو" ، إذ يؤكد الأول في كتابه "تأملات في تاريخ الرومان" قائلا:《وثب العرب من معقلهم لنشر دعوة النبي محمد و توسيع الدولة التي أرسى قواعدها》(مونتيسكيو; 2011 مترجم: 203) ، من جهة أخرى يلاحظ الثاني في كتابه الشهير "العقد الإجتماعي" قائلا :《و أما النبي محمد فقد كانت له تصورات قويمة جدا ، فإنه أحسن شد عرى نسقه السياسي/الدولة ، إذ أن شكل الحكم الذي أقامه قد استدامة في عهد الخلفاء الراشدين》(روسو; 2011 مترجم: 241) ، هكذا فإن أكبر مؤرخين و فيلسوفين سياسيين في العصر الحديث يعترفان بأن النبي محمد أسس دولة أو سلطة بدأت معه و استمرت بعد وفاته ، و حمت دينه و شخصه من الإندثار ، ما يصبح معه اعتبار نبي العرب مؤسس دين و ليس دولة مجرد موقف آيديولوجي لا أساس تاريخي له .

  لأجل ذلك يعتبر معروف الرصافي في هذا الكتاب أن النبي محمد من أذكى و أحنك البشر في التاريخ لأنه خلق مشروع و عرف جيدا كيف ينجحه في بيئة يعتبر فيها النجاح بمختلف أنواعه ضرب من شبه المستحيل ، إذ يصف الرصافي النبي محمد قائلا: “إنه أعظم رجل عرفه التاريخ ، أحدث في البشر أعظم انقلاب عامّ في الدين و السياسة و الاجتماع ، و قد أوجد هذا الانقلاب بواسطة نهضة ، عربية المبتدأ عالمية المنتهى، بدّلت مجرى الحياة الإنسانية وحولتها إلى ما هو أعلى مما كانت عليه قبلها حتى أن آثارها في قليل من الزمن عمت الشرق و الغرب ، و لم تزل آثارها باقية إلى يومنا هذا وستبقى إلى ما شاء الله ، إن تلك الشخصية العظمى التي يمثّلها محمد بن عبد الله في بني آدم قد اجتمع فيها من عناصر الكمال البشريّ ما لم يعرف التاريخ اجتماعه في أحد قبله: عزم لا يردّه رادّ ، و تفكير عميق الغور بعيد المرمى ، و خيال واسع قويّ يكاد يقاوم الحقيقة بقوّته ، و طموح إلى العلى لا يعلو عليه طموح” (م.الرصافي;2002: 16) ، ويمضي الشاعر العراقي في هذا الوصف مضيفا “هذه من العناصر الأصلية التي تتكون منها شخصية محمد ، أضف إلى ذلك ما أوتي من غزارة عقل و ثقوب ذكاء ، إلاّ أنه في هذه الناحية لا يفوق إلاّ المحيط الذي نشأ فيه و العصر الذي هو منه ، أي أن عقليته لا تتجاوز في تفوقها إلاّ العقلية العربية في زمانه وبيئته ، و لئن جاز أن يعلو عليه عال في العقل والذكاء ، فلا يجوز أن يفوقه أحد في ما أوتي من صبر و حزم ، و هو مع ذلك بشر يتعاوره من أحوال البشر ما يتعاور كل إنسان” (الرصافي; نفسه: 16-17) .

  و الملاحظ في صدر هذا الإطراء الذي خص الرصافي به النبي محمد ، أن نجاح هذا الأخير يتحدد تبعا لمواصفات خاصة بشخص النبي و بمحيطه الإجتماعي ، يقول الرصافي: "إلاّ أنه في هذه الناحية لا يفوق إلاّ المحيط الذي نشأ فيه و العصر الذي هو منه ، أي أن عقليته لا تتجاوز في تفوقها إلاّ العقلية العربية في زمانه وبيئته" ، و في ذلك تتبين طريقة التفكير و النظر الموزونة للشاعر العراقي فهو لا يزن ذكاء النبي محمد بميزان زماننا و إنما بظروف عصره ، فبما أن محمد قال لقريش أنه طار على ظهر حيوان مجنح إلى القدس و عاد و صدقوه و لو بعد حين ، إلا أنه لو تأخر ظهوره إلى زماننا و خاطب البشرية بأنه طار إلى الفضاء على ظهر حصان مجنح ، لشك الناس في صحة عقله ، و لتكفلت بعض مستشفيات الأمراض العقلية باستشفاءه ، ما يظهر مرة أخرى البعد المؤثر لزمن و ثقافة الإطار الإجتماعي الذي يدعوا فيه النبي إلى رسالته أو دينه المبتكر ، بناءا على ذلك يمكن أن نقول بأن 《النبي محمد لم يكن خارق الذكاء بقدر ما كان محيطه الإجتماعي غبي بعض الشيء》، و هذا ما استغله على أحسن وجه النبي العربي لصالح دينه المصطنع و الجديد .

  هكذا فأسود العنسي و رحمن اليمامة (مسيلمة) و سجاح و طليحة ابن خويلد ، و جنذب بن كلثوم و محمد ابن عبد الله و غيرهم ممن ادعوا النبوة في بيداء الجزيرة ، لا يختلفون عن بعضهم البعض من ناحية "النوع" فكلهم اصطنعوا لأنفسهم نبوات لا علاقة للسماء بها إلا على سبيل الإدعاء ، بل أن ذلك تكتيك أيضا لعب هؤلاء على وثره كي ينجحوا فيما يدعون إليه ، بل يختلفون فقط من ناحية "درجة" استغلالهم لما جادت به أوساطهم الإجتماعية من أجل نشر نبواتهم و إنجاح دعواتهم الدينية ، فلم يستطع إلى ذلك سبيلا في جزيرة العرب إلا "محمد ابن عبد الله" ، و هذا لا يفرقه عن إخوانه مدعي النبوة بل ما شذ عنهم إلا في سعة صدره و صبره و اجتهاده و ذكاءه الثاقب و استغلاله لظروف محيطه و جهل و غباء قبيلته و أهل زمانه . 

  من ذلك ، فإن النبوة من وجهة نظر تاريخية و سوسيو-أنثروبولوجية تعتبر "بناءا اجتماعيا Construction Socialeأي منتوج أرضي و ليس سماوي ، تتحكم فيه عدة شروط طبيعية لا علاقة لها بشيء خارق ، كالزمن و المكان و طبيعة الثقافة و مستوى الذكاء و درجة استغلال و كيفية التعامل المخطط له مع كل هذه الإعتبارات من طرف صاحب النبوة لا أقل و لا أكثر ، و هذا ما ينفي المسحة الأسطورية عن "ظاهرة النبوة" التي هي بحق ظاهرة بشرية لا علاقة لها بقوى غيبية تسكن فوق السحاب ،فكل مراحلها التاريخية إذا أخذناها بالتحليل و التفكيك ، سنجد أن المتحكم فيها شروط و ظروف أرضية و بشرية بكل ما يعني ذلك من مدلولات و معاني.

  من هذا المنطلق فإن محمد اصطنع نبوةً عربية خالصة ، و أنجحها من خلال  استحداث عدة وسائل رمزية و مادية ، فأما الرمزية فإن محمد حسب الشاعر العراقي بابتكاره لفكرة "لا إله إلا الله بما تحمله من مضمون يفيد هيمنة قوة واحدة على كل المخلوقات هي اختراع محمدي لم يسبق إليه" (الرصافي;نفسه: 18) ، إذ أن هذه الفكرة هي التربة التي سيزرع بناءا عليها دينه الجديد ، زد على ذلك كتابة القرآن و سن العبادات و الصلوات ، و أما الوسائل المادية و هي الأهم و تتمثل في ثلاثة عسكرية و سياسية و اقتصادية ، فإن محمد شيد جيشا مسلحا قادر إلى الإقدام و الدفاع و الهجوم ، و من جهة أخرى ثم بناء دولة/سلطة تتأسس على شرعية دينية ، هذا بالإضافة إلى خلق موارد اقتصادية علما بأن أرض العرب قاحلة فهي لا تصلح للزراعة إلا لماما ، كما أن الصحراء ليست موطنا للسياحة زد على ذلك وقت الصناعة كان غير مفكر فيه آنذاك ، و بالتالي لم يكن للعرب مورد دخل خارج التجارة و الغزو ، ذلك ما أقره محمد فأذن بخروج أكبر حملة غزو عرفها التاريخ إلى جانب حملة الغزو التي قادها جنكيز خان ، إذ يلاحظ د.علي الوردي أن منطقتين بدويتين في العالم خرجت منهما كبريات الحملات العسكرية الفاتحة ، هاتين المنطقتين هما: منغولية و جزيرة العرب (الوردي; 1994: 53) .

    هكذا استغل محمد مقومات زمانه و كَيَّفَ مشروعه مع الظروف المحيطة ، كما أنه خلق بنجاح باهر سبل تجاوز الإكراهات و المشاكل التي واجهته ، ذلك ما ساعد نجاح دعوته و وصولها إلى أسقاع بعيدة عن موطن نشوء هذه الدعوة ، يقول الرصافي: 《إذا علمت هذه الرغبات المادية و المعنوية و علمت أن العرب كانوا بطبيعة بلادهم القاحلة يعيشون في ضنك من العيش محرومين من نعيم الحضارة ، و علمت أيضا أنهم كانوا ببداوتهم من أشد الناس بأسا و أشهرهم في الحروب شجاعة و إقداما ، فقد انكشف لك سر الموفقات و الفتوح التي جنوها من نهضتهم الإسلامية المحمدية.. إن شجاعة و إقدام العرب مع شظف العيش ، حصلت بعدها وحدة في القوم جعلتهم جسما واحدا ، ثم انفتحت لهم أبواب الجنان من جهة ، و تكدست أمامهم غنائم الحرب من جهة أخرى ، فأي عجب يبقى بعد أن نراهم أخضعوا البلاد من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب في مدة لا تزيد عن ثلاثين سنة 》(الرصافي; نفسه; 22) ، بذلك يتضح أن محمد مهد لنجاح دعوته عسكريا و سياسيا و اقتصاديا بشكل قلل من فرص الفشل بنسبة كبيرة 

  يبقى سؤال مهم يتحتم جوابه و هو: ما غاية محمد باختلاق النبوة ؟ يجيب الرصافي قائلا:《لم يكن للنبي العربي هدف ديني فحسب ، بل كانت لو أهداف دنيوية كذلك ، على غرار رغبته الواضحة في صناعة الملك و السلطان لقريش على العرب و العجم ، و ذلك ليس من الدين لأن غاية الدين عبادة الله و ليس السلطان ، لكن لا يمكن نفي طلب محمد السلطان للعرب كغيرهم من الأمم》(الرصافي ;23) ، لكن لماذا كان يحارب باقي الأديان ، أوليس السلطان لقريش بوثنيتهم أسهل؟  الجواب هو لا ، لأن الوثنية وثنيات و كلما تفرق القوم ضعفوا ، زد على ذلك الوثنية دين ليس للعرب في تأسيسه أي مشاركة ، أما الإسلام كدين جديد إذا اقتنعت الأمم أن مؤسسه عربي فهذا يضيف للعرب ميزة لم تتحصل لكل باقي الأمم ، لذلك يقول المؤلف:《بعد أن حصلت له القوة بعد هجرته إلى المدينة ، صار يدعوا القوم و في احدى يديه القرآن و في الأخرى السيف ، فلا يرعى لهم و إلا و لا ذمة ، و لا يقبل منهم عذرا و لا جزية إلا الإسلام ، فكان يدعوهم إليه فإن أسلموا فبها ، و إلا سل سيفه عليهم فلا يغمده حتى يسلموا.. إذ حارب المشركين بشدة ، لأنه كان يريد توحيد العرب دينيا كي ينهض بهم كجسم واحد نحو تحضر عاقبته للناس جميعا》(الرصافي; 22) ، و من هنا يظهر أن النبوة لم تكن بالنسبة لمحمد "غاية" في حد ذاتها ، و إنما تحددت بالنسبة له كـ"وسيلة" فقط للوصول إلى غاية التحضر و السلطان و الوفرة المادية .

  بعد ذلك يتسائل شاعرنا هل كان محمد صادق أم كاذب ؟ فجيب من خلال إعطاء دلالة مختلفة لكل من الصدق و الكذب ، يقول:《ليس الصدق هو ما وافق الواقع ، و لا الكذب هو ما خالفه ، بل الصدق هو ما وافق المصلحة ، و إن خالف الواقع ، و الكذب هو ما خالفها و إن وافق الواقع》(الرصافي; 44) ، و بذلك يكون النبي محمد صادق لأن مشروعه في مصلحة العرب حتما ، إلا أنه من زاوية الحقيقة فإن ما ادعاه بشأن الكون و الحياة و الطبيعة و أصل الإنسان لا يفرق كثيرا عن أساطير الشعوب البدائية ، لذلك فإن نبوته صادقة من جهة المصلحة و كاذبة من جهة الحقيقة النهائية ، و لا مراء عند محمد من استعمال الكذب للوصول إلى غاية فيها صلاح الأغلبية و سلامة مصائرهم ، إذ جمع الكاتب عدة أحداث تاريخية كذب فيها أو أباح فيها الكذب النبي محمد من أجل سلامته و سلامة من معه (الرصافي; نفسه: 46) ، ما يوضح وجها آخر من وجوه ذكاء و واقعية قرارات النبي العربي .

  بعد ذلك يتطرق الرصافي إلى الحياة الخاصة للنبي محمد ، كأزواجه و عبيده و رقيقه و ثروته و كيف تضخمت ، و المشاكل التي حدثت مع أهله و زوجاته ، إضافة إلى البيعات التي أعلنت الولاء له و غير ذلك ، مما يوضح أن مشروع النبي كان يكبر كلما تقدم في السن و يتسلق زيادة مراتب عليا من المجد . 

  وهنا نتوقف عند أحد المشاكل التي اعترضته وكيف فك نفسه من بين أنيابها ، هذه المشكلة هي "حادثة الإفك" ، و هي لقب أطلق على هذا الحدث بعد مدة زمنية و ليس في حينه ، حيث أن الإفك في لغة العرب يعني الباطل الذي يلقى أو يتهم به أحدهم ، فأنا تعرف الواقعة مباشرة على أنها إفك إلا بعد نظر و تحقق ، فالقصة تقول بأن زوجة النبي "عائشة بنت أبو بكر" قد وقع فيها سهم القرعة كي ترافق النبي إلى أحد غزواته ، و في أثر الحرب اعجب محمد بامرأة فتزوجها sur place لم يتأخر رغم أن زوجته عائشة كانت ترافقه ، و عند الرجوع إلى المدينة تخلفت عائشة عن موكب القافلة لقضاء حاجتها في الخلاء ، فالتقى بها أحد الصحابة و كان اسمه "صفوان ابن المعطل" حيث كان مكلف بتتبع القافلة من بعيد و جمع كل ما قد يسقط من ركبها كي يعيده لأصحابه ، و في الطريق وجد عائشة و حرس سلامتها إلى أن عادا معا إلى الديار بعد التخلف عن القافلة بيوم أو يزيد ، ذلك ما جعل الكثير من أهل المدينة و منهم بعض الصحابة و خاصة النبي يتهمون عائشة و صفوان بالزنى و الوقوع في الفاحشة ، و هو ما أوقع محمد في مأزق كبير (الرصافي; نفسه: 368-378) ، فكيف تجاوز هذه المعضلة ؟

   ذاع في المدينة الخبر حتى ثم نظم قصائد في ذم عائشة ، بل بلغ الأمر بعلي ابن أبي طالب أن دعى النبي إلى تطليق عائشة ، غير أن ذلك لم يكن حلا نهائيا كما أدركه ذكاء محمد الثاقب ، فالطلاق هو إقرار بحدوث الفاحشة ، و ذلك يسود وجه محمد و صديقه أبو بكر (أب المتهمة) ، بل إن الطلاق سيجعل التاريخ يذكر عائشة على أنها مذنبة و محمد على أنه تزوج بامرأة غير شريفة ، و كم في ذلك من إساءة إلى شخصه و إلى دينه و تاريخه ، لذلك وجد محمد حلا لودعيا يسكت المجتمع و المؤرخين إلى الأبد عن عرض عائشة ، و هو أنه كتب آيات قرآنية قال أنها أتته من الإله يبرأ فيها عائشة من فوق سبع سماوات ، فما إن علم الصحابة و أهل المدينة بنزول هذه الآيات حتى أقفلت أفواههم عن عرض محمد و زوجته ، فتم جلد الأفاكين أي من نشروا هذه الإشاعة ضد النبي و حريمه ، فطويت صفحة هذه الأزمة عند عموم المسلمين باستثناء الشيعة ، الذين يميلون إلى تأكيد حدث الزنى و أن عائشة فعلا مارست الفاحشة مع صفوان ابن المعطل ، المهم رغم دندنة الشيعة حول هذا الحدث التاريخي إلا أن أغلب المسلمين أجمعوا تبعا للآيات القرآنية التي صاغها محمد و برئ بفضلها عائشة من هذه التهمة المخجلة و الخطيرة ، و به تتضح فطنة النبي العربي فهو رَدَّ كل اقتراحات الصحابة لحل الأزمة ، و ظل يفكر في الحل النهائي أكثر من شهر بعد الحدث إلى أن وقع عليه ، إذ تلخص في اختلاق شهادة كائن لا يشك أحد في صدقه ، و هو الله ، إذن كتب محمد براءة عائشة و نسبها إلى الله تعالى (الرصافي; 373) ، فأسكت القوم إلى الأبد ، و تجاوز المعضلة ، في خطوة تبين رجاحة عقله و ذكاء تعامله مع الأحداث .

  أما من وجهة نظري ، فإن اتهام عائشة بالزنى فقط لأنها تخلفت عن موكب القافلة التي آبت (عادت) إلى المدينة بعد الغزوة التي قادها النبي ، يوضح العقلية البدوية المتخلفة التي كان العرب يتميزون بها ، و التي هذبها النبي الكريم بعض الشيء ، فما معنى اتهام شخص دون حجة و لا بينة بتهمة خطيرة كالزنى ، إذ ذاك يبين أن العرب يعتقدون أن التقاء رجل من امرأة غير متزوجان في الطريق يعادل الزنى ، و هذا هو الحمق بعينه ، فبالنظر إلى مكانة عائشة الغير عادية (فهي زوجة النبي) ، و كذلك بالنظر إلى موقع صفوان باعتباره صحابي ، كما أن وقت اللقاء و الوصول إلى المدينة لا يسعف لتأكيد هذه التهمة ، فالسيد التقا المرأة و أحسن إليها و قاد بعيرها إلى عشيرتها ، و في ذلك كل عناوين السمو و الكرم ، لكن العقلية البدوية جد حساسة من علاقة الرجل بالمرأة لذلك تأبى أن تنظر إلى هذه العلاقة خارج دائرة الجنس ، المهم من القصة هو أنه إذا كان في العرب بعض من الغباء ، فقد تجنب بعضه محمد فأنقد عرضه من إزراء و تنكيل التاريخ به ، بطريقة جد ذكية . 

  إضافة إلى ما سبق ، و من جهة أخرى يفصل الرصافي الحديث حول شخصية النبي العربي و يشذب بعض الأساطير حولها ، على غرار أسطورة “أمية النبي محمد” بمعنى جهله القراءة و الكتابة ، و هنا يرفض الرصافي رفضا قاطعا ما تواضع عليه الفقهاء في هذه المسألة ، فيعتبر أن الأمي بالمعنى اللغوي هو الانتماء إلى الأم ، أما الأمي بالمعنى الإصطلاحي الوارد في النص الديني فهو الإنتماء إلى الأمة أي العرب ، و هنا يؤكد الرصافي قائلا إن: “الأمم كلّها في عهد محمد قسمان: أمّة لها نبيّ مرسل وكتاب منزّل كاليهود و النصارى ، و أمّة ليس لها نبيّ مرسل ولا كتاب كالعرب ، فمحمّد لمّا قام بالدعوة إلى الإسلام أراد أن يميّز في كلامه بين الأمّة التي لها كتاب والأمّة التي ليس لها كتاب، فسمّى العرب بالأمّيين ، وأراد بذلك أنهم أمّة ليس لها كتاب منزّل ولا نبيّ مرسل، ليذكرهم في مقابلة الكتابيين، و لم يرد في هذه التسمية أنهم لا يقرؤون ولا يكتبون لأنّ فيهم من يحسن القراءة والكتابة و إن كان أكثرهم لا يحسنها” (الرصافي; نفسه:166) ، بل الحاصل من معطيات التاريخ أن النبي محمد على الأقل كان يُجيد كل من اللغة السريانية و العِبرية .

  بعد ذلك يناقش معروف الرصابي تبعات نبوة محمد على المستوى السياسي ، أي "الخلافة" ، و هنا يتسائل الكاتب هل عين محمد أحدا ليخلفه في قيادة الدولة ؟ ليجيب الرصافي بالنفي ، و يميل إلى عكس ما يؤمن به مجتمعه العراقي (الشيعي) الذي يعتقد أن الخلافة ميراث لأحفاذ النبي محمد من ابنته فاطمة الزهراء و صهره علي ابن أبي طالب ، إذ يعتقد شاعرنا أن محمد كان أذكى من أن يعين أحدهم ، لأن ذلك يهدد دينه الوليد ، فلو حدد شخصا من خاصته أو أصحابه أو قبيلته ، لثار المسلمون و اعتبروا رسالته انتهازية و سلم يقود إلى السلطة و ليس إلى الله ، لذلك استنكف محمد عن تعيين أحدهم ، و ترك الأمر إلى اشتغال أحد أهم القيم التي دعت إليها الرسالة المحمدية ، و هي "المشورة" أي أن ما خلصت إليه الجماعة من مشورة و انتخاب لأحدهم ، أقرت به الأغلبية و اطمئنت إليه (الرصافي; نفسه:32-42) ، ذلك ما نجح مع أبو بكر و عمر ، غير أن المشاكل بدأت تظهر مع عثمان الأموي (ابن عثمان) الذي انتهت بانقلاب عليه و ثورة ضده ، فانطلقت الفتنة الكبرى و اقتتل الصحابة و استباحوا دماء و عِرض بعضهم البعض (جعيط; 2000) ، رغم أن هذه الفتنة قلت في فترة أبو بكر و عمر ، الذين عزما على محاربة كل من لم يبايع الأول ، بل بلغ الحد بعمر إلى نية حرق بيت بنت النبي محمد "فاطمة الزهراء" بمن فيه من الأنفس ، حيث كان يتحصن في بيتها الصحابة الذين عارضوا و لم يبايعوا أبو بكر (ابن أبي شيبة;2004 :468-469 رقم الحديث38042) ، غير أن ذلك تجنب في آخر لحظة و مرت الأحداث بسلام ، إلا أنها مرت بعنف شديد في عهد عثمان و ما بعده ، و لازالت إلى يوم المسلمين هذا ، و هو أيضا ما يظهر تاريخية دولة النبي محمد فلو كانت "دولة- الله" لما سقطت في غياهب الفتن ، بل إن تعثرها ينبئ بالواضح بأنها بناء بشري قواعد و ممارسات .

  نصل الآن ، إلى خاصية بل ظاهرة فريدة و مهمة جدا ظهرت مع ظهور نبوة محمد ، و هي "الظاهرة القرآنية" ، فالشيء الذي يؤثر في استمرار الظاهرة الإسلامية بشكل كبير هو القرآن أولا و قبل كل شيء ، و في ذلك يناقش الرصافي "مفهوم الإنزال" الذي يشار به إلى كيفية وفود الوحي إلى النبي ، فيقول: “إن الله منزه عن أن يكون في جهة دون جهة ، و منزه عن أن يكون في مكان حتى ينزل شيء انطلاقا منه ، فتعبير القرآن بالنزول و الإنزال في الكلام الموحى به من الله ، لا يقصد به إلا التعظيم و التشريف جريا على ما تعوده الناس من نسبتهم الشيء إلى العلو إذا أرادوا تعظيمه و تشريفه ، لأن الله عظيم واجب التعظيم ، فإن الآتي منه يستوجب التعظيم أيضا ، فنسب إلى العلو كما نسب إلى الله أيضا، فعبر عن حصول الوحي بالنزول و الإنزال” (الرصافي; نفسه:583 وما بعدها) ، وهنا يقدم الاستعمالات الخاصة للقرآن لعبارة الإنزال ، فيستعملها في أمور كائنة في الأرض مثل الحديد و اللباس و الأنعام .

   و يكون الإستنتاج الذي خلص إليه شاعرنا حول مسألة الإنزال والنزول بما يعني عنده الإلهام فيقول “خاصة إذا قلنا بأن القرآن هو المعاني لا الألفاظ كما ذهب إلى ذلك فريق من علماء الإسلام ، حتى إن أبا حنيفة قال بصحة صلاة من قرأ في صلاته القرآن بالفارسية ، فمعنى قولنا إن الله أنزل القرآن على النبي أنه أنه ألهم معانيه ، ثم عبر النبي عن تلك المعاني بألفاظ عربية و قرأها على الناس” (نفسه:586) ، من ذلك يظهر أن الرصافي يعتبر القرآن عمل بشري من الناحية اللغوية و مقدس كمعاني و مدلولات ، أكثر من ذلك يقول:《إن خالق الكائنات العظيم ، أجل و أعظم مما قاله عنه أنبياء البشر و أعظم مما نسبوه إليه》(نفسه;584-585) ، كما أنه ينفي أي شيء اسمه إعجاز لغوي أو علمي عن القرآن (نفسه;599 و مابعدها) .

  فالنص لا يعني كلام الله الناجز مهما اعتقد بذلك المؤمنين ، بل "الله لا يعبر عن نفسه بالكلمات" ، و إنما بوحي يحمل دلالات و معاني مقدسة ، و هو نفس موقف أحد أعلام علم الأديان في العالم العربي و هو الأستاذ "فراس السواح" الذي يميل إلى ترجيح أن الوحي الذي هو حالة وجدانية لا يصل إليها إلا الأنبياء ، ما هو في الحقيقة إلا مجرد التقاط لمعاني من طرف النبي يُبلورها إلى كلمات تدون في كتب مقدسة ، من ذلك فإن الأفيستا و الثوراة و الإنجيل و القرآن و غيره ، ليست كلام الله ، لأن هذا الأخير لا يتكلم و ليست له لغة ، و إنما هذه الكتب المقدسة هي نصوص تحمل معاني الوحي بصياغة لغوية بشرية ، و من ذلك جاء كل كتاب مقدس بلغة النبي أي أن هذا الأخير يتلقى معاني و يحولها إلى كلمات مفهومة في لغته و لغة قومه ، فالله لم يتكلم مع زرادشت بالفارسية ، و مع موسى بالعبرية و مع عيسى بالسريانية و مع محمد بالعربية ، بل الله متنزه عن التلفظ حيث أن اللغة صفة بشرية لا تنطبق على الله ، و ممن تقدموا بهذا التأويل قبل السواح إمام الحرمين الشريفين "أبو المعالي الجويني" و هو أحد أبرز علماء أهل السنة و الجماعة في القرن الخامس ، ناهيك عن أئمة المعتزلة الذين اشتهروا بذلك (فراس السواح;2016: 16-17) .

   بعد ذلك يتطرق م.الرصافي إلى شيء يثير حساسية المسلمين اتجاه القرآن ، و هو تباث محتواه محفوظا أم أن بعض الآيات سقطت منه ، و هو ما يعني أنه لم يصل للتأخرين كما نزل على المتقدمين ، إذ يميل شاعرنا إلى اعتبار القرآن قد سقط منه من الآيات ما لا يعلمه إلا من اشتغلوا على كتابته ، و يجمع من أجل تأكيد ذلك ، جملة من الأدلة التاريخية من أقوال الصحابة و زوجات النبي ، التي تفيد بالقطع بأن القرآن منقوص و سقطت عنه بعض الآيات (الرصافي;2002: 577) ، إضافة إلى ذكر ذلك من طرف بعض المؤرخين و الفقهاء كالإمام السيوطي (ناصر حامد أبو زيد;2010: 53) ، أضف إلى ذلك الألة العقلية و الواقعية التي من بينها تعدد القراءات التي تفوق 10 قراءات ، فإلى اليوم يقرأ العرب شعر "امرئ القيس" الذي عاش قبل الإسلام بقراءة واحدة ، فكيف و لماذا يقرؤون القرآن الذي جاء بعده تبعا لعدة قراءات ؟ إذ يخصص المؤلف فقط للجواب عن هذا السؤال أكثر من 30 صفحة حيث عرض و راجع مختلف القراءات المشهورة عند السنة و الشيعة ليتبين من ذلك أن تعدد القراءات دليل على عدم استقرار محتوى القرآن كميا (الرصافي; 700-736) ، كما أنه من جهة أخرى مراحل جمع القرآن المشهورة لماذا انتهت بحرق عثمان ابن عفان لنسخ أخرى لهذا الكتاب ؟ أليس يعتبر القرآن نسخة واحدة منزلة من عند رب العالمين كما يعتقد المسلمون ؟ إذن لماذا الحرق ؟ أليس تعدد النسخ يدل على عدم وجود محتوى كمي واحد للقرآن ؟ إذا دل كل ذلك على شيء فإنما يدل على أن هذا الكتاب سقطت و عدلت الكثير من آياته ، بتدخل سلطة الأفراد أو سلطة الدولة .

  بعد ذلك و في آخر مباحث الكتاب ، ناقش الرصافي بعض محتويات القرآن ، كالقصص التاريخي الذي يسرده في مختلف سوره ، و يختار عدة قصص أسطورية كقصة آدم و حواء و سجود الملائكة لآدم و خروج ابليس من الجنة ، بالإضافة إلى قصة مريم و المسيح عيسى ابنها و أقصوصة الولادة العذرية ، ليستخلص منها أوجه التشابه مع أساطير الشعوب القديمة خصوصا العراقية القديمة (خصوصا السومريين و البابليين) ، و يتبين بذلك الأصول الثقافية و التاريخية للقصص القرآني ، التي تتبث أنه بشري تاريخي أكثر من كونه معجز فريد لا مثيل له .

  هكذا نكون قد عرضنا و ناقشنا أهم ما تطرق له معروف الرصافي في هذا السفر الضخم ، ذلك دون ادعاء الإحاطة الشاملة لأفكار الكتاب و لا برسالة الكاتب ، على أمل أن تكون المراجعة مشجعة لمطالعة هذا العمل المتقن خصوصا من ناحية المعلومات التاريخية ، دون أن تُشعر القارئ بالإكتفاء و تؤوب به عن قراءة الكتاب .


________________________

مراجع:

معروف الرصافي ، "كتاب الشخصية المحمدية- أو حل اللغز المقدس" ، منشورات الجمل ، برلين- ألمانيا 2002 ، ط 1.

 أبو الفرج ابن الجوزي ، "صيد الخاطر" ، دار الكتب العلمية ، بيروت 1992 ، ط 1 .

عبد الغني منديب ، "الدين و المجتمع" ، افريقيا الشرق ، الدار البيضاء- المغرب 2006 ، ط 1 .

عماد الدين ابن كثير ، "البداية و النهاية" ، الجزء 12 ، منشورات مؤسسة هجر للطبع و التوزيع ، بيروت 1992 ، ط1.

مونتسكيو ، "تأملات في تاريخ الرومان" ، ترجمة عبد الله العروي ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء- المغرب 2011 ، ط 1 .

جون جاك روسو ، "في العقد الإجتماعي- أو مبادئ القانون السياسي" ، ترجمة عبد العزيز لبيب ، المنظمة العربية للترجمة ، بيروت 2011 ، ط 1 .

هشام جعيط ، "الفتنة الكبرى- جدلية الدين و السياسة في الإسلام المبكر" ، ترجمة خليل أحمد خليل ، دار الطليعة ، بيروت 2000 ، ط 4 .

ابن أبي شيبة ، "المصنف" ، الجزء 13 ، مكتبة الرشد ناشرون ، الرياض- السعودية 2004 ، ط 1 .

علي الوردي ، "دراسة في طبيعة المجتمع العراقي" ، منشورات أوريونطاليا ، بغداد 1994 ، ط 1 .

فراس السواح ، "الله و الكون و الإنسان- نظريات في تاريخ الأفكار الدينية" ، دار تكوين للنشر و التوزيع ، دمشق- سوريا 2016 ، ط 1 .

ناصر حامد أبو زيد ، "التجديد و التحريم و التأويل" ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء- المغرب 2010 ، ط 1 .



   نشر في 16 نونبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 30 نونبر 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا