الشجَرُ والأثَر - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الشجَرُ والأثَر

  نشر في 07 شتنبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

     (مسافرٌ أنتَ والآثارُ باقيةٌ،،،
                   فاتْرك وراءك ما تُحيي بهِ أثَرا)

الحِكمة هي عُصارة الفكر وخلاصة التجارب وفيوضات الكريم، أما أرباب الحكمة فهم مصابيح الدُّجى وضوء المشاعل ونجوم الليالي؛ نلتمس الدفء في أكنافهم والسكينة في أعطافهم والقدوة في أفعالهم والهداية في أقوالهم.
ومن مَنثور دُرِّهم ولآلئ أصدافهم نلتقط قولهم: ( اثنان لاتدعْهما؛ زرْع الشجَر وترْك الأثر).
ولأنّ الشجر بعض الأثر والأثر غاية الشجر فوشائج القربى بينهما قائمة ومتينة كعلاقة النّسب والمصاهرة، وبالتالي فإنَّ الميل لأيِّهما واستصحاب أحدهما؛ بالطّرْق على بابه والوقوف على أطلاله وتقليب صفحاته، كفيلٌ بفضِّ أختام تلك الحكمة النفيسة وسبْر أغوارها.
على أنه من البداهة بمكان وقبل أن نلمْلم شعثنا ونشحذ همتنا فنمدّ أيدينا ونغبِّر أقدامنا ونشمِّر سواعدنا لنبذر ونغرس ونزرع، علينا أن نروي ظمأ العقل ونطفأ نار المعرفة ، فنفسح المجال للسؤال عن كُنه تلك الشجرة الوافدة، وعمّا يمكن أن تخطّه في قاموس الكون وسِفر الوجود وصحائف الأعمال؟
وهنا يأتينا الردّ سريعا كالبرق، ووافيا كالغيث،  وشافيا كالبلسم على لسان الفسيلة الشَّغُوفة بالزّرْع و المتَشوِّفة للغرْس فتقول:
أنا حفنةٌ مِن تراب و جرعةٌ مِن ماء و نسمةٌ مِن هواء، أنا الثبات في الأرض والصمود في الفلاة والشموخ في الحياة، أنا استراحة المسافر ومأوى الغريب وظلّ الكادح، أنا عشّ الطائر وكلأ الحيوان ومَطعم الجائع، أنا جمال الكون وصِحّة الأبدان وبهجة الأنظار، أنا مرتع الصبيان ومُلتقى الخلّان وذاكرة الشيبان، أنا الكَفّ الممدود والصدر الحنون والقلب الرؤوف، أنا ميراث كل وارث وبُغية كل طالب وباحة كل مريد، أنا قيلولة الصيف ومظلّة الشتاء وعروس الربيع، أنا بضاعة الطبيب ومقعد العالم وسواك العابد، أنا لسان الشاعر وقلم الناثر وكتاب الأديب، أنا دعوة الأمل وشهادة العمل ورسالة الحب.
أنا أتجاوز حدود البذرة والجزع والورقة ونطاق الأُصُص والطين والماء؛ فقد أكون فضيلةً على لسانِ مُرَبٍّ، أو فكرةً من عقل مفكر، أو عِلْما في حضرة عالِم، أو درسا في فصل معلّم، أو اكتشافا في معمل باحث، أو مدرسة مِن مال مُحسِن، أو كتابا من قلم حاذق، أو عدلا في قصر حاكم.
أنا الصدقة الجارية بلا مال والخلود بلا جسد والذكر بعد الفناء...
حيَّا الله شجرة تلك سماتها، ويا رعَى الله غارسًا تلك مآثرُه وآثاره.
أيّها الأحبّة مِن ذوي الكفوف النديّة والنفوس الرضِيّة؛ التي تتوق إلى الخير وتنجذب للجمال وتتَحزّب للحق:
ردِّدوا مع محمود درويش أنشودته : (ليت الفتى شجرة)،وعَطِّروا ذاكرتم بعليّ بن عبد الله بن عباس الذي عُرِف بالسَّجَّاد بعد غرسه لخمسمائة شجرة زيتون في ضيعته وحرصه على تعفير وجهه بالسجود تحتها كلِّها،واتلوا في كتاب ربكم: (إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصينه في إمام مبين)، وطبّقوا وصية حبيبكم صلى الله عليه وسلم حين قال:(إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها)، واشْرعوا اليوم قبل الغد في غرس فسائلكم...

 فالأيام رُحَّل وما نحن إلّا مَطاياها.



  • 4

   نشر في 07 شتنبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا