الأمازيغية بخط الاوردو - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الأمازيغية بخط الاوردو

  نشر في 08 يناير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 01 ماي 2016 .

    جلال الدين زاكر رجل في الخمسينات من العمر،من أصول باكستانية ذو وجه بشوش ولحية خفيفة بيضاء،صمته تفكر وكلامه ذكر،غزى قلوب جميع من عرفه عن قرب،هو أستاذ في اللغة الإنجليزية بإحدى ثانويات منطقة القبائل الكبرى،يتحدث أربع لغات الأوردو ، الفرنسية،العربية والانجليزية 

نزلت يوماً ضيفاً على حي من أحياء مدينة تيزي وزو   فكان هذا التقي أبرز من لفت انتباهي،بحديثه باللغة العربية الفصيحة دون سواها من اللغات واللهجات فسألت الصديق الذي استضافني  عن سر حديث هذا الغريب باللغة العربية الفصحى وهو من منطقة القبائل وإن لم يكن قبائلي فلماذا لا يتحدث بالعامية التي يفهمها القبائل ؟ ظحك  ورد علي : هو ليس جزائري،لكن أصوله من بلاد القاعدة والطالبان !

شدني الفضول لأتعرف أكثر على هذا الأفغاني،الذي سيكون أول أفغاني احدثه في حياتي وقبل أن أقابله وأتواصل معه كنت قد تابعت محاضرة على اليوتوب للداعية أحمد ديدات رحمه الله شرح فيه معنى كلمة (مولانا) والتي تعني بالعربية (شيخ) مباشرةً حجزت هذه الكلمة في ذاكرتي كي أخاطب بها هذا الأفغاني التقي وهي صفة  تليق بمقامه السامي

في اليوم التالي وكعادته دخل الى محل أحد الأصدقاء من أجل اقتناء جريدة وطنية حيث كنت أنتظره،حاملاً معه بعض الملفات مكتوبة باللغة الفرنسية وبعضها بالعربية وبعد دفعه لثمن الجريدة خاطب صاحب المحل وهو يشير الى الوثائق التي بيده: أنتم الجزائريين عرب وأمازيغ فلماذا اللغة الفرنسية ؟ طأطأ صديقي رأسه .. فهِم كلامه ولكنه غير قادر على الرد بنفس الفصحى التي يفهمها مولانا،لم ينتظر الجواب كثيراً اذْ أجاب بنفسه:لهذا قتلوا الشادلي (يقصد انقلبوا على الشادلي) الأوامر جاءت من الخارج لا يريدون للإسلام أن يسود وكذلك فعلوا في بلدي

اغتنمت الفرصة لأفتح معه نقاشاً حول اللغة والهوية وتداعيات المادة الدستورية التي اثير حولها الجدل وعلى الأرجح يكون قد اطلع على حيثياتها: مولانا معلوماتي تقول بأنكم في افغانستان تعانون من نفس المشكلة وهي تعدد اللغات .. فقاطعني قائلاً:في الحقيقة انا لست أفغاني بل باكستاني وفي باكستان مثل أفغانستان فيها العديد من اللغات واللهجات منها المحلية والأجنبية قبل أن أقاطعه:

لكن باكستان عندها لغة رسمية واحدة وهي الأوردو ؟

نعم صحيح معك حق وهي لغة تطورت مفراداتها من السنسكريتية والفارسية والعربية والتركية والبشتونية أي هي لغة ممزوجة بكثير من اللغات واللهجات،وذلك في عهد سلطنة دلهي .. توقف فجأةً عن سرد تفاصيل تكوين وتركيب لغة الاوردو ونظر الي نظرة متحصر فقال :لكن النموذج الباكستاني ليس نموذجاً يُقتدى به في الجزائر ... ولماذا مولانا ؟ لأن غالبيتكم تتحدثون العربية والعربية لغة عظيمة ومحفوظة في الصدور،ما فائدة دمجها ببقية اللغات واللهجات ؟ أنا لم أتعلمها إلا مؤخراً رغم ذلك أصبحت هي لغتي الثانية بعد الاردو مفضلاً إياها على بقية اللغات التي أُدَرِسُهَا...

ولأني علمت أنه من المهتمين باللغات واللسانيات،ارتأيت أن اسأله عن اندونيسيا التي قيل عنها كذلك بلد متعدد اللغات واللهجات مستعيناً بمقولة قالها إيدير أحد أشهر المغنيين في منطقة القبائل: ومارأي مولانا فيمن يقول : "أندونيسيا فيها عشرات اللغات والعرقيات ولكن سكانها  يتعايشون متلاحمين ولا تجد في بلادهم صراعات وتناحر حول الهوية" /(في حين بعض البربر يحلم بطرد العرب من بلادنا / جزءٌٌ حذفته من المقولة) ؟ وضع المستندات على الطاولة واستدار إلي فقال:في الحقيقة توجد المئات من اللغات واللهجات في اندونسيا وليس العشرات،موزعة في أكثر 17508 جزيرة وقبيلة لكن سوكارنو اهتدى بعد استقلال بلاده من الاستعمار الهولندي لإيجاد لغة سهلة التعلم لتوحيد الاندونيسيين من أصل جميع اللغات واللهجات المنتشرة لتكون لغة رسمية موحدة دون المساس ببقية اللغات،جند لهذا الامر فريقاً علميا متخصصا في علم اللغات واسفرت جهودهم عن أن المالوية هي الاكثر نجاحا ويتحدث بها سكان ارخبيل الغربي لجزيرة ملاوي وتتميز بتجنب كثير من التغير في زمن الفعل والافعال الشاذة وغير ذلك من الصعوبات والتعقيدات التي تتميز بها بقية اللغات ولهذا ارتضاها لشعبه وليس لدوافع عرقية أو قبلية،وهذا نموذج مناسب للجزائر ولكن دون تجنيد خبراء في اللسانيات والبحث ..

كيف وماذا يقصد مولانا ؟

لأن اللغة موجودة ومعلومة ومحفوظة وهي العربية لغة ميسرة للكل والغالبة وحتى في مناطق القبائل والبربر كانو وفي عهد الاستعمار يتدارسونها ( الزوايا ) فكيف بهم بعد الاحتلال ؟

أفهم من مولانا انه لا يوافق الأمازيغ الذين يعيش بينهم في الحي والمدرسة،فما رأي جيرانك وزملاءك في التعليم في مواقفك هذه ؟

في الحقيقة انا ابداً لا اقف ضد الامازيغية ولا أقف في وجه أحد ولا أتعصب للعربية كما يحدث مع بعض المعارضين لترسيم الامازيغية،كل ما هنالك أني أريد اليسر لهذا البلد لا بأس أن يتحدث شعبها لغات عدة ويتعلمونها وحتى البربرية نفسها،أشجع على تعلمها لكن لغة الادارة يجب أن تكون لغة موحدة اللغة الرسمية يجب أن تكون واحدة ،جميع الدول التي تتحدث بالانجلييزية والفرنسية في القارة العجوز إضافة للدول التي ذكرتُها سابقاً تجد فيها لغات ولهجات عدة،يتحدثونها فيما بينهم ولكنهم لا يطالبون بترسيمها رغم أنها لغات ولهجات عريقة ومتجذرة...

أما بالنسبة لمواقف المحيطين بي فهم نوعان :

النوع الاول/ يوافقني الطرح ويرى أنه ما من داعي لترسيم لغة جديدة في بلد يُعاني أهله حتى مع اللغة الرسمية الوحيدة كي نزيد على التلميذ عبيء لغة ثانية

النوع الثاني / هم المعارضين وبشدة أي (المناضلين) من أجل ترسيم الامازيغية،هذا إن صح انهم يناضلون من اجل الامازيغية فأولئك نفسهم من رحب بتدريس لهجة الشارع (العامية) كبديل للعربية اي أن هناك مناضلين من اجل تحطيم العربية والأمازيغية معاً وتمكين الفرنسية ولو على حساب الأمازيغية التي من أجلها (يناضلون)

ليلتفت الي صاحب المحل ويخاطبني بالقبائلية قائلاً : يبدوا أن ( مولانا ) يعرف عن احزابنا وقياداتنا ما لا نعرفه ؟

مباشرة ترجمت لمولانا كلامه للعربية تجنباً لأي سوء فهم....

لينتقل بنا بعدها ومن دون سابق إنذار للأدب الفارسي ونموذج الهوية واللغة في بلاد فارس قائلاً:الأدب الفارسي أدب عظيم وعالمي وكذلك اللغة الفارسية وهذا ما يفسر الاعتماد عليها كلغة رسمية غير أن الخطأ الذي وقع فيه جيراننا الإيرانيين والذي لا اتمنى لأخواني في الجزائر أن يقعوا فيه أن جعلوا من الفارسية عقيدة وليس مجرد لغة وأقصي بذلك بقية العرقيات وعلى كثرتها فلم يعترف الدستور الايراني الا بأربعة عرقيات الى جانب الفارسية وهي (الأرمنية والزرادشتيينية والآشورية والكلدانية) واقصاء التركمانية والعربية والبلوشية وغيرها من العرقيات والتي يقدر المدينين بها بالملايين،وبالرغم من ان هذه العرقيات المهمشة تطالب بدورها وتناضل من أجل ترسيم لغاتهم ،فأنا ضد هذا الترسيم ولكن ضد العنصرية التي تمارس بحقهم كمنع الأميين منهم من الترجمان في المحاكم والمخافر وكثيراً ما يهضم حقهم بسبب عدم اتقانهم للفارسية

وما رأي مولانا في النموذج الهندي ، فكما هو معلوم اللغات الرسمية في الهند هي حوالي 10 لغات فهل يصلح هذا النموذج في الجزائر ؟

الهند ليس بلد ، الهند قارة وطبيعي جداً ان تجد فيها أكثر من لغة ، بل كان يجب ان تسأل :كيف أكتفت السلطات الهندية بترسيم عشر لغات فقط موزعة على حوالي أكثر من مليار نسمة ؟

حمل مولانا المستندات وهَمَ بالرحيل،قبل أن استوقفه بسؤال أخير : سؤال أخير قبل ان تغادرنا مولانا إن أمكن؟ تفضل بني بالعكس لقد سرني الحوار معكم ..

أريد من مولانا نصيحة أخيرة لإخوانه في الجزائر سواء المُدافعين عن ترسيم الأمازيغية أو المعارضين لترسيمها ؟

الجدال بني لابُد منه لكن ليس بين العرب والأمازيغ لأن العدو الحقيقي ليست الامازيغية للعربية أو العكس،أريده صراع عربي بربري من جهة وفرنسي من الضفة الاخرى ،الفرنسية هي العدو يا بني .. لغتتها ..ثقافتها ..سياساتها الاستعمارية الإستعلائية،مشكلة العالم الاسلامي في التبعية للغرب، فرنسا بالنسبة للمغرب الإسلامي .. أمريكا بالنسبة لبلدي باكستان ....

ألقى مولانا تحية السلام مودعاً على أمل اللقاء بنا مرة اخرى ،وغلق الباب خلفه ... 

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته



  • 3

   نشر في 08 يناير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 01 ماي 2016 .

التعليقات

محمد السعيد منذ 11 شهر
مقال جميل وكلامه معقول، حسبتك تتكلم عن ذاكر نايك عندما قرأت السطر الأول.
1
محمد عباد
هو كذلك (ذاكر نايك ) رجل عظيم ومحبوب
حتى من مناظريه
حفظه الله

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا