شقاء فانيسا - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

شقاء فانيسا

قصة قصيرة

  نشر في 30 يناير 2018  وآخر تعديل بتاريخ 04 فبراير 2018 .

     جلست فانيسا في حديقة المنزل، تلاعب ابنتها الصغيرة تحت أشعة شمس الصباح. راحت الطفلة، التي أتمت عامها الأول منذ أسبوع، تزحف بمرح ونشاط على العشب الرطب، وتتوقف كلما قطعت مسافة قصيرة، فتستدير لتنظر إلى وجه والدتها مبتسمة، كأنها تقول لها: "راقبي يا أمي كيف أتحرك ببراعة!"

     تبلغ السيدة فانيسا آيفز من العمر ثمان وعشرين سنة. ورغم تلقيها خبر وفاة زوجها بيتر آيفز على متن سفينة حربية قبل أكثر من سنة، وتوليها مسؤولية إدارة شؤون المنزل والمزرعة من بعده، لا تزال المرأة الشابة محتفظة بجمالها، ولم ينطفئ بريق الحياة في عينيها.

     بينما كانت فانيسا مستغرقة في أفكارها، سمعت صوت بكاء قادما من المنزل، فأسرعت إلى الداخل لترى ما الأمر. كانت ابنتها مينا، ذات الأربع سنوات، تحاول الوقوف على كرسي لتصل إلى زجاجة مربى موضوعة على رف علوي في المطبخ، لكنها سقطت على الأرضية الخشبية وجرحت ركبتها.

أقبلت أمها، ورأتها تبكي.

_آه يا صغيرتي، كان عليك أن تكوني حذرة.

_أمي إن ركبتي تؤلمني. قالت من بين دموعها.

_لا بأس يا مينا، سأضمدها لك حالا.

     أحضرت فانيسا ضمادا نظيفا وقليلا من الماء الدافئ، فنظفت الجرح وضمدته. خف الألم قليلا وكفت الفتاة عن البكاء. قبلت الأم ابنتها مطمئنة:

_ستكونين بخير، إنها مجرد كدمة بسيطة. كان عليك أن تناديني كي ألتقط لك الزجاجة، كنت جالسة مع لافينيا في الحديقة.

     خفق قلبها بقوة حينما قالت ذلك، فقد نسيت الطفلة وحيدة في الخارج. فهرعت إلى الحديقة، وقد راودتها صورة مرعبة، حاولت طردها من رأسها، لكنها ظلت راسخة أمامها...البركة.

     وصلت إلى حيث تركت لافينيا، لكنها لم تجدها هناك، ولا في أي مكان قريب، فتضاعف خوفها، وتوجهت مباشرة إلى بركة الماء وهي تنادي ابنتها باكية. عند البركة، تسمرت فانيسا في مكانها من هول الصدمة، وهي تنظر إلى الجسد الصغير طافيا على صفحة الماء دون حراك.

     في مساء اليوم ذاته، سار حشد من الناس نحو مقبرة القرية، مكون من القس جوناثان، والسيد إيثان الذي حمل النعش الصغير، تسير إلى جنبه السيدة آيفز محمرة العينين، وقد بدت على وجهها آثار دموع جافة. سارت معهم مينا الصغيرة متشبثة بثوب أمها، بالإضافة إلى بعض نساء القرية.

     استمرت فانيسا بلوم نفسها على موت لافينيا، لأنها أهملتها وتركتها وحدها دون أن تدرك ما قد تتعرض له طفلة صغيرة لا تفقه شيئا مما حولها. فكانت تمشي معهم خافضة الرأس، خشية ما ترمقها به العيون من ازدراء.

     وصلت الجنازة إلى المقبرة قبيل الغروب. أنزل التابوت في الحفرة المخصصة له، وبعد أن تلا القس صلواته من أجل الطفلة، أهيل عليها التراب وغاصت في ظلام القبر إلى الأبد.

     جلست الأم بجانب القبر تنتحب، وفي حين دعا الجميع للافينيا بالنعيم الأبدي، أغمضت أمها عينيها وتمتمت قائلة: "أبانا الذي في السماوات، أنا السبب في موت ابنتي البريئة، أنا المذنبة التي تستحق العقاب، رد ابنتي يا الله وخذ روحي مكانها."

بعدها تفرق الجمع، ورافقت إحدى الجارات فانيسا إلى بيتها.

     عانت الأم من الحزن والأسى لعدة أيام حتى مرضت ولازمت الفراش. ذات مساء، نامت مينا بعمق في غرفتها، بعدما عنيت بأمها المسكينة طوال اليوم. كانت فانيسا تتقلب محمومة في الفراش حينما شعرت بيد تهزها وشخص يناديها: "فانيسا...فانيسا! استيقظي يا فانيسا." فتحت عينيها بصعوبة، وتفاجأت برؤية رجل غريب يقف قرب السرير. كان رجلا كبير السن، أبيض الشعر والملبس، تشي ملامحه بالطيبة والوقار.

شعرت فانيسا بالفزع وحاولت النهوض، لكنه منعها بلطف:

_لا تخافي أيتها السيدة، لقد جئت لمساعدتك.

_من أنت يا سيد؟! وكيف دخلت إلى هنا؟!

_أنا مجرد رسول، رسول من السماء.

فتحت فاهها لتعبر عن دهشتها لكنه أكمل قائلا:

_لقد بلغت دعواتك أهل السماء، وشاء الله أن يلبي حاجتك. سوف تعود إليك ابنتك!

فاضطربت فانيسا لما سمعت، وقالت بشيء من اليأس:

_لا تسخر مني يا سيدي، ولا تلوع قلبي المكسور. كيف يمكن أن تعود ابنتي وقد أخذها الموت بعيدا...

فابتسم الرجل:

_لا تقنطي من رحمة الرب يا امرأة، فهو قادر على كل شيء. سوف تحيا ابنتك من جديد، لكن هناك شرط واحد.

_ما هو هذا الشرط يا سيدي؟ سوف أقوم بكل ما تطلبه مني. قالت وقد أخذت ترتعد.

_لكي ترجع ابنتك للحياة، يجب عليك أن تدفعي نصف سني عمرك مقابل ذلك.

فرددت الأم مع نفسها: "نصف سني عمري..."، وما لبثت أن أجابت من غير تردد:

_نعم، نعم، قبلت ذلك، خذ نصف عمري، خذ ما تشاء ولكن أعدها إلي أرجوك. وبدأت تبكي من جديد.

_حسنا يا فانيسا. اذهبي الآن إلى حيث البركة التي غرقت فيها ابنتك، ستجدينها هناك بانتظارك.

     فتحت فانيسا عينيها فزعة، ونظرت في أرجاء الغرفة، لم يكن هناك أحد سواها. جلست في الفراش وهي لا تزال تحت تأثير الحضور الغامض للملاك الذي شاهدته منذ قليل، ومرت دقيقة قبل أن تدرك أنه كان مجرد حلم. دفنت وجهها في الوسادة وراحت تنشج بقوة. فجأة، سمعت صوت ما، صوت طفل يبكي، فأجفلت ووقفت تنصت..."إنها هي! إنها هي بلا شك! إنني أسمع صوت ابنتي...لم يكن حلما، لقد عادت لافينيا فعلا!"

     فخرجت من المنزل وهي ما بين ضاحكة وباكية، وتوجهت إلى البركة، كما قال لها الملاك. علا صوت البكاء أكثر وأكثر، حتى إذا ما وصلت، نظرت أمامها بذهول وهي غير مصدقة، هناك على العشب، جلست لافينيا الصغيرة تنظر إلى أمها! أقبلت فانيسا عليها كالمجنونة وضمتها إلى صدرها، نظرت في وجهها لتتأكد مما ترى، نعم، إنها ابنتها فعلا، عادت إليها سليمة من الموت، فشكرت الرب على صنيعه معها.

     حملت لافينيا وخرجت فرحة لكي تخبر أهل القرية عن المعجزة. لم تفهم فانيسا سبب تعابير الحزن والشفقة التي بدت على وجوههم حينما حدثتهم عما حصل معها. لكنها لم تهتم لذلك، ومضت في الطريق، تحمل بين ذراعيها دمية كبيرة ومتسخة وهي تصيح: "لقد عادت إلي ابنتي!"


  • 2

   نشر في 30 يناير 2018  وآخر تعديل بتاريخ 04 فبراير 2018 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا