العمارة المتوحشة... - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

العمارة المتوحشة...

شاعرية الخرسانة والحرب

  نشر في 19 ماي 2018 .

شهدت نهاية الحرب العالمية الثانية، ولادة إحدى أكثر التيارات المعمارية جدلا في القرن العشرين: العمارة المتوحشة، كان ذلك في بداية الخمسينيات، واستمرت إلى غاية أفولها في منتصف السبعينيات.

وإن بدت عبارة 'متوحشة' غريبة للقارئ، فالسبب يعود إلى ترجمتها الحرفية من اللغة الفرنسية، حيث ظهر المصطلح لأول مرة على لسان المعماريين البريطانيين أليسون وبيتر سميتسون، اللذان اشتقا الاسم من عبارة Béton brut ‘ ‘الفرنسية، أي الخرسانة الخشنة، والتي لاقت شهرتها على يد المعماري الأشهر في العالم 'لوكوربوزييه'، الذي عمد إلى ترك الخرسانة في شكلها الطبيعي، دون صقلها، يقول في كتابه 'نحو هندسة معمارية'، أنه يجب على المعمار أن يتم بمواد خام، وطبيعية، بهدف جعل علاقة المبنى بوسطه أكثر تأثيرا، هنا نستحضر المبدأ الأول لهدا التيار: المادة، حيث أنه تم تشييد معظم مبانيها كليا بالخرسانة الخام، تثمينا لما قدمته للبناء من امتيازات، ورفضا لكل الشكليات الكلاسيكية، المتجلية في الجمال و التناغم بين عناصر المبنى.

كما عُرفت العمارة المتوحشة، بصراحتها في إظهار العناصر الإنشائية الداخلية للبناء، فتبدو واضحة بشكل جارح على واجهة المبنى، من أعمدة وعوارض وبلاطات. كما تصعب معرفة وظيفة المبنى من شكله الخارجي، قد يكون جامعة أو مشفى فيبدو مثل مختبر نازي..

ابتعدت الوحشية عن الزخارف، والجمال، وتعاملت مع الخرسانة المسلحة لِما أضافته للبناء من حرية التحكم بالفراغات في البناية، حيث استوحى المهندسون تصاميمهم من الطبيعة، بجمالها وقسوتها، فأعطت العالم كتلا ذات أشكال بدائية، إِن بساطة التيار وأصالته، هي نقطة قوته وتميزه.

وإذا ما عدنا إلى سياق ظهورها، فسوف نجد أنها قد أتت كحل لمشكلة السكن التي شهدها العالم بعد الحرب، خاصة أوروبا، حيث لا شيء سوى الخراب وملايين من المشردين، فكان لزاما على الدول اللجوء إلى بناء سريع، يحتضن أكبر عدد من السكان، وقد ساعد ثمن الخرسانة المنخفض على ذلك، مما جعلها في تلك الفترة أكثر المواد استهلاكا في العالم، بعد الماء، فبزغ نجم العمارة الوحشية، كبطل حرب.

نستحضر هنا إحدى أول المباني الوحشية وأشهرها، لعبت دورا هاما بعد الحرب، وهي الوحدة السكنية بمارسيليا، أو المدينة المشعة، وتعتبر إحدى أشهر أعمال 'لوكوربوزييه'، بدأ بناءها سنة 1947 واستمر لخمس سنوات، يوم تدشينها ذُهل العامة من قوة هذا الصرح، حتى أنهم أطلقوا عليه منزل المجنون، وصفا لهذا المعماري الفذ، الذي أتى بفكرة تتلخص في تجميع 337 شقة في كتلة من الخرسانة الخام مرفوعة عن الأرض بأعمدة، الشقق صُممت بشكل ذكي وبسيط على شكل بيت مزدوجDuplex ، تفصل بينها ممرات فسيحة على شكل دروب تعج بالحياة، حيث صارت عالما مستقلا يلهو فيه الأطفال ويلتقي فيه الجيران لأحاديث المساء، حتى أن المبنى يحتوي على محلات تجارية، وفندق صغير، ومدرسة ابتدائية، ومكتبة، وقاعة رياضية، أما في سطحه فيوجد مسبح للأطفال وقاعة جمباز، إنه أحد أكثر المباني عبقرية في التاريخ.

الوحدة السكنية بمارسيليا، أو المدينة المشعة.

والحقيقة أن البناء الوحشي قد شهد فيما بعد شعبية بين المعماريين، فتحول من مجرد نمط للسكن الاجتماعي، إلى تيار فكري قائم بذاته، يدخل ضمن العمارة الحديثة للقرن العشرين، فانتشر بين مختلف الأبنية من جامعات ومصحات، ومتاحف، ومراكز تسوق، الخ..

وقد كان هذا الصراع الدائم بين الآراء المعقودة حوله، أحد أهم ما ميزه عن باقي التيارات المعمارية الأخرى، بل أن الجدل حوله استمر ويستمر حتى يومنا هذا، حيث تتميز منشآته بالخشونة والعنف، بسبب واجهاتها الخرسانية الخالية من أية زخرفة أو تزيين، رمادية عنيدة تنم عن الصلابة، ذات كتلة ضخمة، منيعة، يتطلع إليها المرء، فيشعر بجرأتها، ووَحشيتها.

في تلك الفترة، كان أغلب النقاد يهاجمون التيار، واصفين إياه بالقبيح، والوقح، وأنه بعيد كل البعد عن مقياس الانسان، مفتقرا لأدنى معايير الجمال والروح، بل حتى أنه لا ينتمي للمعمار، ليس النقاد وحسب، بل السكان أيضا اعتبروا هذه الوحوش الخرسانية أقبح مباني المدينة، في حين عمد البعض إلى تزيين واجهاتها كي تناسب تطلعاتهم، بينما ظل المعماريون المتبنين للتيار متمسكين بأفكارهم، واستطاعوا بث الروح في كتل خرسانية رمادية صامتة، حتى أنهم لُقبوا آنذاك، بالوحوش.

وقد واجهت التيار عدة عراقيل غير انتقادات الناس، حيث نتج عن السرعة في البناء من أجل الإسكان، مشاكل جمة في التصاميم وفي هيكل المباني، نذكر هنا حادثة انهيار جزء من مبنى 'رونان بوانت' بلندن سنة 1968، بسبب مشكل إنشائي.

مبنى 'رونان بوانت' بلندن سنة 1968

ومن المشاكل التي واجهت البناء آنذاك، غير الجمالية، هي استدامة المباني، حيث أن كونها قد شيدت بالكامل بالخرسانة، وكدا احتواؤها على ممرات منفتحة على الخارج، وعناصر تربط بين داخل وخارج المبنى، قد جعلت الوسط الداخلي باردا لا يطاق، خاصة في منشئ الوحشية الأصلي: إنكلترا الباردة، فكان من الضروري احتواء المباني على مكيفات شُغلت آنذاك بالنفط، إلى أن اندلعت أزمة حظر النفط سنة 1973، التي كانت إحدى أسباب سقوط الوحشية.

لم تعنى الوحشية بالجمال وإنما بكل ما هو وظيفي وعقلاني، فتحول المعماريون من توفير معايير الجمال في الأبنية، إلى البحث الجاد عن حل لمشاكل حقيقية تخبط فيها العالم آنذاك، وماتزال تتخبط فيها دول العالم الثالث اليوم، فانصب الاهتمام على الانسان، ومشاكل الصحة والمساواة والعدالة الاجتماعية والحق العادل في التعليم، فالعالم لم يكن كما كان عليه قبل الحرب، قال الزوجان أليسون وبيتر سميتسون في هذا الصدد أن الوحشية قد حاولت مواكبة التحولات التي شهدها المجتمع آنذاك، ثم ردا على الانتقادات: 'حتى الآن تمت انتقاد الوحشية من الناحية الجمالية، في حين أن هدفها بالأصل هو أخلاقي'.

ولم تظل نظريات الزوجين حول الوحشية حبيسة الورق، وإنما تحولت إلى مشاريع ضخمة لا تنافي ما جاءوا به من أفكار وتمثلات، أهمها حدائق روبن هود شرق لندن، التي اكتمل بناءها بعد عشرين سنة مذ ظهر المصطلح لأول مرة، وهي عبارة عن الزوجان بيتر وأليسون سميتسون أول من أطلقا مصطلح العمارة الوحشية

مجمع سكني بنفس الفكرة التصميمية للمدينة المشعة، لخلق عالم مستقل يحتضن أكبر عدد من السكان بشكل طولي، فاقتبس المعماريان شكل أزقة لندن، ثم جعلوها على شكل ممرات واسعة على طول المبنى، للتنقل، وأيضا لكي يلعب فيها الأطفال، أطلقوا عليها لقب دروب في السماء، بهدف خلق فضاء عمودي، يستوعب أكبر عدد من السكان، في إطار حي واحد، غير أنها عبارة عن كتلتين مستقلتين لا كتلة واحدة مثل وحدة مارسيليا، بينهما حديقة فسيحة تتخللها معابر للمشاة.

حدائق روبن هود شرق لندن، 1972 مخطط المشروع

فشل المشروع فشلا ذريعا لعدة أسباب أهمها موقعه، والتصميم الداخلي الخانق للشقق، فاعتبره السكان أحد أبشع معالم المدينة، في حين دافع عنه معماريون عالميون لكونه أحد أفضل التحف المعمارية لإنكلترا بعد الحرب، من أمثال زها حديد وريتشارد روجرز، بينما تقرر هدمه في الأشهر المقبلة، بعد أن وصفته السلطات بكونه لم يقدم حياة مثالية لسكانه.

من جهة أخرى، توجد مبان من التيار ذاته، دخلت التراث المعماري العالمي، بل وتدرس كمراجع في كليات الهندسة المعمارية بالعالم، أولها الوحدة السكنية بمارسيليا، وأيضا متحف ويتني للفنون الأمريكية بنيويورك من تصميم مارسيل بروير سنة 6196، حيث كانت الفكرة التصميمية للمبنى هي نحث مكعب خرساني من جهة الشارع، بشكل مدرج، حتى يبدو مرفوعا إلى حد ما، بساطة المشروع تجلت أيضا في التوزيع الداخلي لوظائف المبنى، حيث اعتمد المعماري على تصميم بسيط، يجعل الزائر يصوب اهتمامه على معروضات المتحف لا على الوسط الداخلي للمبنى، حتى أن معظم النوافذ القليلة تلعب دور الإضاءة وحسب، لا ربط الداخل بالشارع، بفضل تصميمها على زاوية مغايرة لزاوية الجدار، فيشعر الزائر بالانفصال عن المحيط الخارجي، سواء كان في داخل المبنى، أو في الخارج، حيث يمكن تمييزه عن باقي المباني، بشكله وحجمه، والخرسانة الخام.

وقد تجد في تصميمات أخرى تكرار للكتلة ذاتها، على ارتفاعات وتوجيهات مختلفة، كما هو الحال في مبنى Habitat 67 بمونتريال المصممة سنة 1960،  وهي أشهر أعمال المعماري موش صفدي، بهذا التصميم الفذ، لصناديق من الخرسانة المتراصة فوق بعضها البعض، بشكل يسمح لكل شقة من الشقق ال 158 الحصول على سطحها الخاص، وعلى أكبر قدر ممكن من الضوء والتهوية والانفتاح، تبلغ مساحة كل شقة حوالي 56 مترا مربعا وحوالي 90 طنا، حيث تم تصنيع كل واحدة منها مسبقا، قبل أن يتم وضعها في مكانها وفق تصميم المعماري الذي عمد أثناء تطويره للفكرة إلى استعمال مكعبات الليغو بهدف الوصول إلى شكله النهائي، يعتبر المبنى السكنى الرائد، ذي التكلفة المنخفضة، إحدى أشهر معالم المدينة.

متحف ويتني للفنون الأمريكية بنيويورك، 1966 Habitat 67 بمونتريال المصممة سنة 1960

العمارة المتوحشة، إنها التيار الذي أعدمه أهله، بعد موتها، صارت شيئا نحاول إنكاره، بدل الفخر به، ربما لارتباطها بفترة الحرب، وربما لأن مصطلح الوحشية بلغته الأصل لم يساعد على ترك انطباع جيد لدى الأجيال اللاحقة، حيث تحول من تيار معماري إلى شكل من أشكال العنف المفرط، فاكتسبت عبارة 'متوحش' معناها الذي يعرفه الجميع اليوم، طامرة حقبة وتاريخا منسيا، فتلخص التيار في صورة أبناء الضواحي وهم يعيثون فسادا في الأحياء، وصدر فيلم البرتقالة الآلية سنة 1971، فارتبط ارتباطا وثيقا بالتيار المعماري في أذهان العامة، حتى أن البعض اتهموا البناء الوحشي بالتحريض على العنف في المجتمع، وأن الوحدات السكنية الخرسانية التي احتضنت ضحايا الحرب والمجتمع، هي وكر للوحوش والمجرمين، بشكل يجعل المعمار يصنع الإنسان.

ربما كانت الوحشية تيارا طوباويا يسعى إلى خلق ما يسمى بالمدينة الفاضلة كما وصفها الفيلم، مجتمع يضمن الحق لكل فرد، الغني يحظى بالسكن والفقير أيضا بفضل المباني الخرسانية المنخفضة التكلفة، مجتمع مثالي، ربما كان ذلك حلما مشتركا للعالم في فترة الحرب، وربما، وبشكل عبثي، قد خلق عكس ذلك، مدينة فاسدة dystopie’'، فلَم توفر لسكانها سوى البؤس والبشاعة والعنف، باحتضان البنايات الوحشية لفئة معينة من المجتمع، الفئة الفاسدة المضطهدة، بشكل يجعلها مستقلة عن المجتمع، هذا التفريق الطبقي هو أصل العنف.

قد يكره البعض الوحشية، وقد يلعن هذه الكتل الخرسانية وينادي بهدمها، لشكلها، أو لأسباب أخرى جعلت الناس يلومون تيارا بأكمله، لا بناية واحدة، لكن إذا ما بحثنا عما وراء الخرسانة، بعيدا عن الشكل و المادة، فسوف نجد أن الوحشية في عمقها، قد أتت كردة فعل، تجسيدا صارخا لروح عالم عايش الحرب وخرابها، حيث لم تعد المجتمعات كما كانت من قبل، الحرب أثرت في الفن، والأدب، وفي صميم الإنسان، وانبعثت من حطامها كتل رمادية صلبة، عدائية المظهر صامدة، مثل جندي، لذا لم يكن ظهورها عبثيا، ولا ضربا من هوس المعماري، وإنما لوحة تعبيرية لما اختلج روح العالم آنذاك.

إنها أكبر من أن تكون مجرد تيار معماري، ظهر ثم اختفى، بل هي تصريح معلن، ستظل مبانيه القائمة حتى يومنا هذا، لتذكر العالم بنذير الحرب، إنها أعلام منكسة، حدادا على عالم لا تتركه حرب إلا وتندلع أخرى.

وحشية كازابلانكا:

الدار البيضاء، أو كازابلانكا، شهدت شظايا الحرب أيضا، والاستعمار، والهجرات، والثورة، وأصوات الرصاص تدوي على أنغام موسيقى الجاز، كما شهدت أيضا العمارة المتوحشة.

أعيش في ثالت أحياء الدار البيضاء قِدما: درب السلطان، حين أستيقظ صباحا، أول ما يبادرني من خلال النافذة الضيقة، هو صومعة خرسانية رمادية، رشيقة فارعة الطول، هي منارة مسجد السنة، بُني سنة 1970 على تقاطعي شارع 2 مارس و موديبوكيتا، يعتبر أحد أشهر مساجد درب السلطان و المدينة ككل، حيث يشكل معلمة يسترشد بها أهل المدينة، ويعتبر المسجد الوحيد المشيد بالنمط الوحشي، إذ عمد المعماري إلى الابتعاد عن كل

أشكال الزخرفة التي عرفتها المساجد منذ الأزل، فجمع بين ما هو حداثي وتقليدي، هذا المزيج أعطى المدينة صرحا دينيا فريدا من نوعه، يثيرك شكله الخارجي الزاهد، تقترب، تزيل حذاءك وتخطو إلى الداخل، فيفاجئك سقفه المقبب، وكمية الضوء النافذة من الواجهات الزجاجية المقوسة، كما حافظ فيها المعماري على إحدى خواص البيوت العربية التقليدية، ألا وهو الباحة المركزية المفتوحة على السماء، التي ساهمت في تهوية المسجد، وكدا إنارته، بالإضافة إلى كونها مكانا للوضوء، إنه تحفة معمارية بحق، غير أن التغييرات التي طالت مدخل قاعة الصلاة المطل على شارع 2مارس، بهدف إضفاء بعد الزينة عليه

بالقرمود الأخضر والزليج، قد جعلته يفقد طابعه.

قاعة الصلاة

مسجد السنة، 1970

جون فرونسوا زيفاكو (1916ـ2003)، مصمم المسجد، هو أحد أشهر ملامح المعمار المغربي، والبيضاوي بالخصوص، ذي أصول فرنسية، وُلد بالدار البيضاء ، ودرس العمارة بباريس، قبل أن يعود إلى مسقط رأسه ويفتتح مكتبه، أثَّثَ المدينة بمعالم سحرت السكان والسياح، عبقري خالص اشتهر بمبانيه الوحشية، أتى في زمن شهد فيه التيار ذروته في أوروبا والعالم بأسره، فوجد ضالته في الخرسانة، كما وجد بيئة ملائمة لتطلعاته، الدار البيضاء في القرن الماضي كانت مختبرا لشتى التيارات المعمارية العالمية، في بداية القرن لم تتجاوز السبعة آلاف نسمة ، فتطورت بعد الاستعمار الفرنسي وصارت أكبر مدن المغرب، وأحد أقوى اقتصادات شمال افريقيا، فباتت ورشة مثالية للتجارب المعمارية الفذة، واستمر ذلك حتى بعد الاستقلال، حيث اضطرت إلى الامتداد والتوسع لاحتواء المهاجرين، وكانت الوحشية من التيارات التي نمت وترعرعت على أرضها. زيفاكو شيد أيضا جناح مدخل المعرض الدولي للمدينة سنة، وهو عبارة عن هرم خرساني مقلوب، منغرس في الأرض، قبل أن يتم هدمه في فترة بناء مسجد الحسن الثاني.

له عدد من المشاريع، نذكر منها مدرسة للأساتذة بورززات، ومبنى القرض الفلاحي بالرباط، ومطار تيط مليل سنة 1951، وبعض المشاريع بمدينة أكادير بعد أن دمرها الزلزال، بالإضافة إلى مشاريعه بالدار البيضاء، من مجسم الكرة الأرضية قرب ساحة الأمم المتحدة سنة 1975، وسوق بُني بشكل أنيق سنة 1972 بزنقة أكادير، ومجموعة من الفيلات منها فيلا سويسا وروسيليو، وبعض المدارس مثل راسين وغوتييه، وكدا مبنى لشركة تأمين بشارع الحسن الثاني، بنوافذه الزجاجية المسننة، المنطلقة بشكل جارح من واجهة المبنى، تشعرك أن البناية هي وحش يكشر عن أنيابه.

جناح المدينة، 1954 مجسم الكرة الأرضية،1975

مبنى القرض الفلاحي بالرباط، 1966 الشركة الافريقية للتأمين، 1976

في نفس الشارع، وقبالة مبنى التأمين يوجد مبنى سكني شيد سنة 1965 لإيلي أزاغيري، ولد بالدار البيضاء وتوفي فيها، أحد أشهر الوجوه المعمارية البيضاوية، بنى منزله الخاص في الستينيات بآنفا، وهو عبارة عن فيلا بنية على النمط الوحشي، مكعب منحوت بخرسانة خشنة.

بالإضافة إلى زيفاكو وأزاغيري، اشتهر على الساحة كل من عبد السلام فاراوي وباتريس دو مازيير، افتتحا مقرهما بالرباط، حيث يوجد أحد أشهر مبانيهما الوحشية، وهو مبنى سكني يصفه أهل المدينة بأنه مبنى وحشي وسوداوي، بالعناصر الخرسانية الظاهرة التي تحمل الشرفات، وبلونه القاتم.

كما صمما مبنى بريد في الدار البيضاء في السبعينيات، وهو منشأة فارعة الطول، تظهر عناصرها الإنشائية الخرسانية واضحة من أعمدة متقاطعة مع عارضات تستمر حتى خارج المبنى.

غير بعيد عن المنشأة الأخيرة يوجد ملعب العربي بن مبارك الذي عرف قديما باسم ملعب فيليب بشارع محمد اسميحة، بُني لأول مرة سنة 1920، قبل أن يتم إصلاحه سنة 1989 من طرف دومينيكو باسيانو وعبد القادر بنسالم، ربما رمم في فترة صارت فيها الوحشية جزءا من التاريخ، غير أننا نجد عدة تفاصيل في البناء تحيلنا إلى التيار، منها العناصر المنقضة من واجهتيه، كون المعماريين قد عايشوه وهو في أوجه، غير أن المبنى قد تعرض إلى مشكل تقني في بناء مدرجاته بشكل يجعل الجمهور يهوي إلى الأمام نظرا لانحدارها، هذا بالإضافة إلى مشاكل أخرى تخللت تصميمه، فصار ملعبا للتدريب وحسب، لا لاستقبال الجمهور.

واجهة ملعب فيليب

منزل إيلي أزاغيري بآنفا مبنى البريد لعبد السلام فاراوي وباتريس دو مازيير

يعلو صوت المؤذن داعيا لصلاة الجمعة، فيخطو الناس بجلابيبهم الرمادية من الأحياء المجاورة صوب مسجد السنة تحت قيظ الظهيرة، والطرابيش على رؤوسهم في مشهد بديع، الناس هنا يحبون المسجد، حتى أنهم صاروا يختصرونه باسم 'الجامع' فقط كما لو كان الوحيد بدرب السلطان، لا أحد ينتقد وحشيته، أو انعدام الزخرفة، بل أنه بسبب انفراده أخذ مكانة خاصة في قلوب الناس.

وهو الحال بالنسبة لجميع المباني الوحشية بالمدينة، لها مكانة خاصة لدى العامة، عكس ما شهده التيار في بلدان أخرى، والحقيقة أن ما تعرضت إليه الوحشية من انتقادات قد عجل بنهايتها، في حين أن بإمكاننا اعتبارها أحد أعظم التيارات الحديثة، وأكثرها تراجيدية وقربا للإنسان، فقد عانت، ككل أبناء الحرب، صراعا حميميا بين الشوق إلى ماض لن يعود، والأمل في ماض قد يعود، أكان علينا أن نبني مثلما فعلنا قبل الحرب، أم أنه عالم جديد، وزمن آخر، زمن غنت فيه إذيت بياف بكل ما تبقى لها من روح، عن البؤس والألم، وحياة وردية اللون قاسية، أنرقص لانتهاء الحرب، أم نبكي لضحاياها؟

بإمكان المرء أن يأتي إلى الدار البيضاء، ويزور المباني التي ذكرتها سابقا، على الأقدام، كما فعلت دوما بما في ذلك زمن كتابتي لهذا المقال، لتكتشف سحر المدينة، والمباني المتوحشة الأخرى التي لم أذكرها، و أيضا التيارات المتعددة التي تؤثث هويتها، وسوف تعلم أيضا، كيف أن الوحشية قد تناسبت مع المدينة وأهلها، مثل حذاء سندريلا، في تناغم بديع مع روحها وتاريخها، نحن ما زلنا في حالة حرب، المهاجرون مازالوا يتوافدون، نحن بحاجة إلى بناء اجتماعي لإسكان الناس، بثمن بخس، لكن بجودة في السكن، هذه العلاقة بين الميزانية والجودة، والتي وُجدت لها حلول قبل أزيد من نصف قرن، دون أن نتبنى أيا منها حتى اليوم، فظهر لحل أزمة السكن بالمدينة، نوعان رخيصان من البناء، هما وجهان للعملة ذاتها: دور الصفيح، والسكن الاقتصادي.

الدار البيضاء، مدينة الأحلام والمهاجرين، وَجدت هويتها في بوهيميتها، فيها أغلبية من العمال، يسيرون تحت مطر كانون الأول بملابس باهتة بلون الخرسانة، مدينة صباحية للعمل ولغط الحياة، وأيضا مدينة ليلية، حيث يقضي الشعراء المغمورون الليل في الشوارع، أو في حانات شُيدت زمن الاستعمار، إنها مدينة تعيش في صخب جميل، وجدت جمالها وروحها في وحشيتها، تختلط أحياء الأغنياء بدور الصفيح، أينما وليت وجهك تجد مشردا نائما يلتحف ظل سيارة فارهة، أتى التيار الوحشي وربض هنا، لأنه وجد موطنه، أرضاً ما زالت تعيش حربها وصراعاتها الخاصة، مدينةً يلقبها أبناءها حتى اليوم، بالمدينة الوحش.



   نشر في 19 ماي 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا