سلطة العادات و حرية الإرادات: في منهج الخروج من الأزمات العاطفية. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

سلطة العادات و حرية الإرادات: في منهج الخروج من الأزمات العاطفية.

  نشر في 30 أبريل 2019  وآخر تعديل بتاريخ 03 ماي 2019 .

1. لا تخشى عاداتك :

تتشكل العادة انطلاقا من مجموعة أفكار تلقائية و لا واعية تتكرر، و بحكم هذا التكرار يتم اكتساب سلوكيات و عواطف، فتترسخ العادة حين نقوم بنفس الفعل عددا كبيرا من المرات، مما ينتج عنه حركة الجسد بتلقائية غريبة، فهو يعرف كيفية القيام بالفعل بشكل أفضل من ذهنك؛ فعلى سبيل المثال حين تستيقظ صباح يوم عادي و تبدأ التفكير في مشاكلك، مباشرة يعبر الجسد عن ذلك من خلال تشغيل دارات الذاكرة في الدماغ، و يربط تلك الذكريات بأشخاص، و أحداث، و أشياء، و أزمنة، و أمكنة محددة... و يفتح بالذاكرة ملف الماضي، و حين يستثير الجسد خلال الصباح هذا الملف، تبدأ يومك بالتفكير في الماضي فعليا، و تحس أن لكل ذكرى شعورا معينا ترتبط به و تحمله فيها، و أول درس يجب أن تعلمه هنا هو أن مشاعرك ليست إلا خلاصة لتجاربك الحياتية الماضية، ففي اللحظة التي تتذكر فيها مشاكلك خلال ذلك الصباح، تحس ذاتيا، أي في ارتباطك بنفسك بعدم الرضا، بالحزن، و عليه بالألم، و بحالة من السلبية التي تأسرك، ثاني دروس هذا الصباح هو أن الطريقة التي تفكر بها، و الطريقة التي تشعر و تحس بها هي التي تخلق نمط وجودك، هي التي تتحكم في حالاتك الوجودية، و النتيجة الحتمية لهذا الوضع، عند بداية يومك حيث حالة وجودك الشخصية يحاصرها جسدك في التفكير في الذكريات، و الحنين إلى الماضي، و هذا الماضي المألوف سيكون هو المستقبل المتوقع، فأفكارك بهذا النمط من الوجود تصنع مصيرك، و يضيق فكرك فلا تفكر أكثر مما تشعر به.

إن المشاعر ستصبح وسيلة للتفكير، و وسيلة للفعل و التفاعل، عادة الانشغال بهواتفهم المحمولة لوقت أطول، من الواتساب إلى الفايسبوك، إلى رسائل البريد الالكتروني، ينشرون و يعلقون، و يغردون، يتتبعون أخبار العالم القريب و البعيد، و هو ما يمنحهم الإحساس بالارتباط بكل ما هو مألوف و متكرر في حياتهم، ليخلقوا نسيج من السلوكيات الروتينية، من الفراش إلى المرحاض، إلى المطبخ، تتناول ما اعتدت من قهوة أو شاي، تستحم و ترتدي ملابسك، و تتوجه إلى عملك كالعادة، ترى نفس الأشخاص، و تتفاعل مع نفس العلاقات، و تحفزك نفس الدوافع العاطفية و الوجدانية، و في النهاية يصبح برنامج حياتك روتينيا خالصا، فلا تستغرب إن شخص المختصون وضعك بأنك تعاني من فقدان إرادتك الحرة لصالح برنامج حياة روتيني، فلا تلم الآخرين إن سقطت ضحية حلقة مفرغة، هنا يجب عليك أن تأخذ القرار بنفسك : الخروج من هذا الوضع في أقرب وقت ممكن.

2.  حديث الإرادة :

للتخلص من سلبية هذا الوضع الذي يفقدك حرية إرادتك، يجب الاشتغال على برمجة عقلك الباطن، فأنت في حدود ما عشته إلى حد الآن أكثر من 90 بالمائة من سلوكياتك تم حفظها ضمن برنامج مهيمن عليك، أفعالك، و ردود أفعالك، طبعك، عاداتك، مواقفك هي مبرمجة من طرف معتقدات و قناعات و مفاهيم و تصورات، إلى درجة أن عقلك الواعي لا يعبر عن ما فيه بشكل إرادي إلا في حدود تتراوح ما بين خمسة إلى عشرة بالمائة، و تترجم في صيغة :

" أريد أن ........................................... "

o أريد أن أنجح !

o أريد أن أفرح !

o أريد أن أكون سعيدا !

o أريد أن أحقق إنجازا !

o أريد أن أغير من وضعي !

لكن، للجسم برنامج أخر يختلف تماما عن لغة الوعي تلك، المشكل اتضح الآن في ضرورة البحث عن توافق بين اللغتين، بين البرنامجين معا : البرنامج الواعي و البرنامج اللاواعي؛ و السؤال هو : كيف ننجز التغييرات اللازمة للخروج من هذا الوضع الأزمي على المستوى الشخصي ؟

أول هدف يجب أن تضعه نصب عينيك هو تجاوز آليات عمل العقل التحليلي، فهو الذي يفصل بين العقل الواعي و العقل اللاواعي، عبر التحكم في الموجات الدماغية، شيئا فشيئا، و تبطيئ عملها، و عادة رجة قوية بحياتهم ليتم التغيير : صدمة عاطفية، أو أزمة مالية، أو مرض عضال ... أو خسارة ما ، أو مأساة ما كي يقرروا التغيير و بقوة؛ لكن لم هذه الانتظارية العقيمة ؟ لماذا هذا التأخير القاتل ؟

يجب أن تعلم أن التغيير ممكن أن ننطلق فيه سواء من رحم المعاناة و الألم، أو من قلب الفرح و الابتهاج، أن تنتظر حدثا مزلزلا، هذا فخ مميت، و ستعمل على تكرار نفس ردود الفعل بعد مدة، حين تخف حدة الصدمة أو الأزمة، ستعود إلى منطقة راحتك كعادتك، و هو ما يجعل غالبية الناس، و ربما أنت واحد منهم أيضا، يجدون صعوبة بالغة في تجاوز أزماتهم.

3. السبيل :

دعونا ننطلق من قاعدة فعل و تفاعل بسيطة و واضحة : كلما كانت ردة فعلك الوجدانية قوية، كلما كنت بحاجة إلى خبرة حياتية أكبر، و كلما نما ذكاؤك العاطفي، كلما نما معه اهتمامك بالسبب، و حين تركز على السبب، يركز دماغك على ملمح من الماضي، و يوظف الذاكرة ليصنع ذاكرة طويلة الأمد من تجارب عاطفية إلى أبعد حد، لتبدأ رحلة التشنج و التوتر، و التفكير و الفعل بعصبية مبالغ فيها، أسرى لحدود هذه التجربة العاطفية، بل حتى كيمياء التفكير يتفاعل ضمن حدود هذه المشاعر السلبية، و ربما تشاطرني الملاحظة أنك حين تقوم بردة فعل عاطفية قوية اتجاه حدث ما أو شخص ما، فأنت تعتقد أنه يستحيل عليك التحكم في رد فعلك العاطفي هذا، فتدخل في مرحلة الجموح و الفوران، ربما لساعات أو لأيام، و ربما لشهور، فتنتابك حالة نفسية مزاجية سيئة تهيمن على فكرك و قولك و فعلك و علاقاتك و مردوديتك ... لكن لحظة من فضلك، ألم تسأل نفسك : إذا حدث هذا الأمر المزعج منذ أيام أو شهور أو سنوات لماذا أنت غاضب و مزاجي إلى هذا الحد الآن ؟

انتبه، إذا تعذر عليك الخروج من هذه الحالة المزاجية، لشهور، و تطو الأمر إلى حدود أن بقيت ضحية هذا الأمر لسنين، فسيصبح سمة و طبعا لشخصيتك، لذلك أنت ملزم بالتدريب على كيفية الحد من مرحلة جموح ردود أفعالك العاطفية، و هذه هي البداية الحقيقية لكل تغيير، و أول ما يجب أن تراجعه هو موقفك المناسباتي، فعند كل مناسبة شبيهة أو قربة مما عشته، زمنيا أو فعليا، تستعيد ذكريات تلك المناسبة الأولى القائمة في عمق ذاكرتك، و تبدأ رحلة صراع البقاء، و تستدعي كل مقومات صراع الإيروس و التاناتوس الخاص بك، و تشغل هرمونات التوتر التي توجه مشاعرك، مشاعر البقاء على قيد الحياة، فتنتابك حالة من التوجس و الخوف، و تترقب أن يتكرر ما حدث، لكن هذه المرة توهم نفسك أنك مستعد لمواجهته بخبرات حياتية أكثر؛ فالدراسات أثبتت أن ما يفوق ثلثي البشر يحيون في ظل توتر صراع البقاء، و يعانون من تأثير الضغوطات المحيطة بهم، التي فتحوا الباب على مصراعيه لها، و طبيعي في هذه الحالة أن يتوقعوا السيناريو الأسوأ، و بطبيعة الحال أيضا لديهم حجة بالغة، و عذر قاهر : التجربة السابقة، و بمنطق الاحتمالات رياضيا أو فيزيائيا، فهم يختارون حتما أسوأ النتائج الممكنة ! و لكي يجعلوا هذه النتائج ممكنة واقعيا للأسف، فهم يكيفون أجسادهم على سيكولوجيا الترقب و التوجس و الخوف، إلى درجة أن جسدك سيعاني في تغييب لوعيك من نوبات ذعر، لا يستطيع الوعي توقعها، فهي مبرمجة فينا بشكل لا شعوري، تتجاوز قوة قراراته تسعون بالمائة، و هذا ما يجعل الأشخاص يتصرفون بنفس الطريقة حتى لو عاشوا 200 سنة أو حتى ألف سنة، السبب و المبرر هو : سلطة التجربة السابقة.

إذا استعنا بالتفسير البيولوجي لهذا الوضع سنجد أن هذه المشاعر المتولدة عن سلطة الماضي الأليم، تمنح كلا من الجسم و الدماغ شحنات طاقية متكررة ، تولد في الشخص حالة إدمان الشحنات العاطفية المتكررة ما بين الذاكرة و التصور، ما بين الذاكرة و التوقع، و يوظفونها في حياتهم اليومية، ليس لتأكيد حريتهم، بل لتأكيد قوة القيود العاطفية التي تأسرهم، بلغة أبسط إنهم يتلذذون بآلامهم، كما لو أنها ضرورة لا هروب منها، لكن سيأتي عليك زمن ستحاور فيه نفسك : الآن حان زمن التغيير.

دعنا نقف قليلا عند تمييز من الواجب أن تدركه إذا ما أردت أن تتحكم في مسار التغيير الذي تنشده، و هو التمييز بين التجربة التي تثير في تلك العاطفة، و بين العاطفة ذاتها التي تنتج لديك من خلال التفكير في تلك التجربة باستمرار، فجسدك الذي يحتضن لا وعيك بقوة يعتقد أنه يحيا نفس التجارب السابقة، يوميا، في كل لحظة، و طيلة سنة بأكملها مثلا، فتؤثر نفس مشاعرك في أفكارك، و نفس الأفكار تؤثر في عواطفك، و تفتح الدارة على حلقة مفرغة، و تصبح حالاتك النفسية تحيا بأكملها في الماضي، و هذا هو الجزء الأصعب في التغيير، أي مقاومة التغيير، و تجاوزه يتطلب منك قرارا واضحا : أن تمشي في خيارات جديدة مختلفة عن خياراتك القديمة.

لكن لا تتسرع، فأول عقبة ستواجهك حين تأخذ قرارا من هذا القبيل : الشعور بعدم الارتياح، لأنك ستغادر عالما من الأفكار و المشاعر و العواطف المألوفة، و مهمتك عند هذه النقطة هي : أن تجعل عاطفتك تتبع تفكيرك، و ليس العكس، ستحس بنوع من القلق، لكن دع دماغك و جسدك يحاورانك بوضوح : أنت قلق هذا صحيح، نحن نحس بقلقك، حينها لا تقف عند هذا الإحساس – الاعتراف، بل استمر في خلق أفكار إيجابية تتوافق مع ما تشعر به، و بشكل واع متكرر، لتدخل جسمك تحت دائرة سلطة الوعي، و هي مرحلة تهيئية تضعك على أهبة الاستعداد لدخول مسار التغيير الفعلي باختيارات مختلفة، سيقاومك الجسد و يحاورك من اجل إعادتك إلى ماضيك، إلى منطقة المألوف و الاعتيادي، لكن عليك أن تتوقف عن الإحساس بالذنب، عن الشعور بالخجل، أو بالخوف، توقف عن الشكوى و التذمر، توقف عن إلقاء اللوم على الآخرين، لا تصنع عالما من الأعذار، لا تشعر بالشفقة على نفسك، توقف عن أن تحيا حالة من الأسى على أوضاعك، كي تفتح باب المجهول على صيغ المعلوم، و تجعل جسدك يتبنى خطاب العقل الواعي : لنبدأ التغيير الآن، أو غدا على أبعد تقدير؛ و قد تعترضك مقاومة التغيير من الخارج، من الآخرين حولك :

o لم تحاول و قد حاول الكثيرون من قبلك و فشلوا ؟

o أنت تشبه أباك كثيرا ستفشل حتما ؟

o دعك من تفاهات التغيير و ساير الوضع كما هو فلا إمكانية للتغيير مطلقا ؟

o إذا كنت تحبني فدعك إلى جانبي في نفس الوضع، لن تخسر شيئا !

o جرب نفس المنهج و لنغير في الخطة قليلا !

صدقني ! إذا استسلمت لهذا الحديث، و استجبت له كما لو كان صحيحا، فإن نفس نمط التفكير سيؤدي بك إلى تبني نفس الخيارات، و نفس الخيارات ستخلق لديك نفس السلوكات، و ستنتج نفس التجربة، بنفس المشاعر؛ و الخدعة الأكبر أنك ستستسلم لسلطة اللاوعي القائمة في جسدك، و ستسقط فريسة لأسوأ السيناريوهات المستقبلية، و ستكون فرص التغيير ضئيلة حينها، و السر بسيط جدا : لا وعيك لا يميز بين الحدث القائم في عالمك الواقعي، و بين العالم الذي تنشؤه في تفكيرك العاطفي فقط، و لذلك فمن السهل عليه أن يأسرك في عالمه الأكبر، و لو نويت التغيير، و وجهت إرادتك نحو التغيير، لكن هذا لا يكفي لإحداث التغيير الفعلي، فسلطة اللاوعي أقوى من سلطة الوعي، و سلطة جسمك أقوى من سلطة العقل، فالجسم تكيف منذ ملايين السنين على فرض منطقه، منطق البقاء، و في حالتك أنت الآن صار الخادم ( الجسم ) سيدا، و صار السيد ( العقل ) خادما، و بمجرد أن تقع تحت قبضة اللاوعي الذي هو بقوة تسع رجال من عشرة، فشخصك سيستلذ متعة من نوع خاص : متعة الالتذاذ بتعذيب الذات، و تفضل باستسلام خادع المعاناة و الشعور بالذنب، فهما الشيئان الوحيدان اللذان يمكنك أن تتنبأ بهما؛ و بالتأكيد ستجد صعوبة بالغة للارتماء في حضن تجربة المجهول المستقبلي، لأنك مرة أخرى و بكل بساطة لا تستطيع التنبؤ به ! هنا يجب أن تصنع قوتك، فأروع صيغة للتنبؤ بمستقبلك هو أن تنجزه، هو أن تبنيه منذ الآن، ليس من وسط المعلوم، بل بين براثن المجهول.

فاس : 30/04/2019



  • خالد هجلي
    46 سنة مدرب معتمد وطنيا و دوليا، كوتش ممارس و أستاذ فلسفة بخبرة 23 سنة
   نشر في 30 أبريل 2019  وآخر تعديل بتاريخ 03 ماي 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا