المثالية وقد سقط مدُّها - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

المثالية وقد سقط مدُّها

زوايا النظر....

  نشر في 05 ديسمبر 2021  وآخر تعديل بتاريخ 10 ديسمبر 2021 .

يزيدك ابن خلدون ثباتًا ورجاحة حين تعرف أنه وصف منذ مئات السنين واقعك اليوم، يقول: "... والسبب في ذلك أن النفس أبدًا تعتقد الكمال فيمن غلبها، وانقادت إليه، إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب، ..... ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبدًا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها، بل وفي سائر أحواله". [ابن خلدون: ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، تحقيق: خليل شحادة، ط2، دار الفكر - بيروت، جـ1، فـ23، ص148].

ومن بعد ابن خلدون؛ أدخل فرويد مصطلحًا مثيرًا على علم النفس الحديث، هو: "التماهي بالعدو"، المصطلح الذي تحدث عنه باستفاضة فرانتز فانون بكتابه "معذبو الأرض".

إذن؛ هناك تماهي لابد حاصل بالسلوك والأفكار والعادات بين الغالب والمغلوب، تماهي يصيغ فيه الغالب واقعًا مرتكزًا على مصالحه، اقتصادية وسياسية وأمنية، حتى ولو بالقهر وعلى حساب المقهورين، حتى مع شمولية الفرض لكافة المستويات، أخلاقية وثقافية واجتماعية ونفسية.

إنها دراماتيكية لاشعورية مُقيِّدة لطرفيّ المعادلة، الغالب والمغلوب، ومن ثَمَّ لا اندهاش أبدًا من فوران مسائل خلافية كمسألة المثلية الجنسية ودعمها، حتى إنها ليست الأولى، ولن نظن أنها الأخيرة.

إنك لن تجد هنا تأصيلًا فقهيًا للمسألة، كما لن نعدك بجدلية طبية تثبت أو تنفي ماهية الفعل الجينية؛ فهذه شئون متخصصيها، وهم كُثر، وإيمانًا بما نوه إليه ابن حجر العسقلاني بأنه: "من تحدث في غير فنه أتى بالعجائب".

إنما أطرح زوايا النظر المهملة والتي لا يمكن إغفالها، ولا رجاءً في محاججة أولئك وهؤلاء وإقناعهم، هو همس بأذن الداعي والداعم والنافض كلتا يديه، همس أقرتنا عليه النفس من زاوية "قل كلمتك وامضٍ".

(1)

إن لفظة (مثلية) لفظة ناعمة بريئة، أثر تراكميتها بالأذهان عادي، إن لم يكن معدومًا مهما طال الزمن، بعكس ألفاظ وتسميات حقيقة للفعل: شذوذ، شواذ، شاذ، لواط، لوطية، لوطي، إنها جزلة، في ثناياها ريبة تبعث على الهروب. ولكي يتأتَّى للناظر الحكم، عليه تسمية الأشياء والأفعال بمسمياتها؛ لأن فيه جلاءً للحقيقة بإزاحة الغشاوة عن البصر وإزالة المُدلِّسات من الفكر، ثم يأتي القبول والنفور على أثر ذلك.

(2)

حصر المعركة بمواجهة بين طرفي نزاع فقط، المسلمين – وبالأخص الأصوليين – من جهة، والشواذ بداعميهم من الجهة الأخرى، دون أطراف أخرى؛ محض هراء وافتراء؛ فالعالِم والمتعالم يُدركان أن ليس للواط وزنًا بكل المعتقدات الدينية والوضعية، إلا قليلًا.

(3)

تخبرك اليهودية؛ فتقول: "وَإِذَا اضْطَجَعَ رَجُلٌ مَعَ ذَكَرٍ اضْطِجَاعَ امْرَأَةٍ، فَقَدْ فَعَلاَ كِلاَهُمَا رِجْسًا. إِنَّهُمَا يُقْتَلاَنِ. دَمُهُمَا عَلَيْهِمَا". [سفر اللاويين 20:13]. "لاَ تُضَاجِعْ ذَكَرًا مُضَاجَعَةَ امْرَأة. إِنَّهُ رِجْسٌ". [سفر اللاويين 22:18]. ناهيك عن قصة هلاك مدينتي "سدوم" و"عمورة" بالحرق والخسف، حينما أمطر الله عليهما نارًا وكبريتًا بفعل خطايا أهلهما، ومن بينها الشذوذ الجنسي. [سفر التكوين، الإصحاح 19].

وحديثًا؛ نشر موقع سبوتنيك عربي التابع لوكالة روسيا اليوم الإخبارية بتاريخ 20/12/2019 تحقيقًا بعنوان: "فجرتها جامعة وأشعلها حاخامات… ضجة في (إسرائيل) حول "المثلية الجنسية""، أُشير في سياقه إلى الجدل الكبير الذي أحدثته جامعة "بار إيلان" العبرية ومقرها مستوطنة "رمات جان" بالإعلان عن ندوة نقاشية للموضوع، وهو ما عارضه حاخامات اليهود وعشرات الجماعات الحقوقية، واصفين الدعوة بذريعة لنشر الفسوق والفجور بالجامعات.

(4)

تُطالعك المسيحية بقولهاـ: "... لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى أَهْوَاءِ الْهَوَانِ، لأَنَّ إِنَاثَهُمُ اسْتَبْدَلْنَ الاسْتِعْمَالَ الطَّبِيعِيَّ بِالَّذِي عَلَى خِلاَفِ الطَّبِيعَةِ، وَكَذلِكَ الذُّكُورُ أَيْضًا تَارِكِينَ اسْتِعْمَالَ الأُنْثَى الطَّبِيعِيَّ، اشْتَعَلُوا بِشَهْوَتِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَاعِلِينَ الْفَحْشَاءَ ذُكُورًا بِذُكُورٍ، وَنَائِلِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ جَزَاءَ ضَلاَلِهِمِ الْمُحِقَّ". [رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 1: 22-28]. "أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الظَّالِمِينَ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ؟ لاَ تَضِلُّوا: لاَ زُنَاةٌ وَلاَ عَبَدَةُ أَوْثَانٍ وَلاَ فَاسِقُونَ وَلاَ مَأْبُونُونَ وَلاَ مُضَاجِعُو ذُكُورٍ ..... وَلاَ خَاطِفُونَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ (أي الجنة)". [رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 6: 9، 10].

وحديثًا؛ أكد البابا تواضروس بطريك الكرازة المرقسية في موعظته الأسبوعية على أن اللوطية "ليست حرية، وتتنافى مع الحق الإلهي"[البابا تواضروس: عظة الأربعاء، نقلًا عن جريدة اليوم السابع المصرية، عدد الجمعة بتاريخ 12/2/2016م]. ومن قبله اعتبر القساوسة "فريد فيلبس" و"جيري فالويل" مرض الإيدز عقاب الله لفعل اللواط.

(5)

يكفيك من نصوص الإسلام لتتأكد أنها فاحشة قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأعراف 80]. وأن الشيعة يحكمون فيه بالقتل، ضربًا بسيف أو حرقًا بنار أو إلقاءً من شاهق مكتوف اليدين والرجلين... إلخ، مع جواز الجمع بين عقابين في آن.

(6)

تتجلى إذن حقيقة اتساع المواجهة العقائدية والفكرية مع الشواذ وداعميهم، ويُدحض في الوقت نفسه قصر المواجهة والخلاف على المسلمين وحدهم، بل وتنكشف خبيئة المتذرع بأنه لن يأنف قبول اللواط إلا إسلامي رجعي متطرف ظلامي.

(7)

لما كانت مثل هذه الأفعال من العظائم؛ فإن شرعنا الحنيف أثبت لها من ضوابط الاتهام الدقيقة والسديدة الكثير، حتى إنك لتتخيل ألن يقدر على استيفاءها أحد. كذلك وُكِّل أمر شرع الله لأولي الأمور، ولم يُترك لعوام الناس، لأن الولاة ومن ينوبون عنهم قادرين على تحري الدقة قبل إلصاق التهم بالناس، في اللواط وفي غيره، ولهذا جُعل القضاء ودرجاته للتقاضي.

لن أُغمض عيني عما وصلنا له من منزلق، حتى باتت الناس – إلا من رحم ربك – تأخذ بعضها بالشبهات، بل وتقتص أحيانًا بنفسها في افتئات صريح على حق الدولة ومؤسسات القضاء، مثل هؤلاء نسأل الله لهم الهداية، أما تكويننا العقدي والفكري نستقيه من رعيلنا الأول.

سأحكي لك قصة في ذات السياق؛ جئ برجل إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - زمن خلافته، زُعم أنه لاط بطفل؛ فشهد الأول أنه رأى، وشهد الثاني أنه رأى، وكذلك الثالث، فلما جاء الرابع (الإجماع على شهادة أربعة عدول في اللواط كما الزنى تمامًا) صاح فيه الفاروق قائلًا: "اتق الله عز وجل في أخيك هل رأيت؟"، فقال: يا أمير المؤمنين، ما رأيت شرًا، فسأله: "وماذا رأيت؟"، قال: رأيت أن فلانًا وفلانًا (يقصد الرجل والطفل) قد التحفا بلحاف واحد يرتفع وينخفض"؛ فكبر عمر وحمد الله على نجاة الرجل، بل وأمر بالثلاثة الأُوّل فأقام عليهم حد القذف. [راجع: شرح كتاب الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري، باب حديث: "ثلاث من الكفر بالله: النياحة وشق الجيب والطعن في النسب"، شرح: أبو الأشبال حسن الزهيري، جـ33، ص11].

هكذا لا تؤخذ أعراض الناس في دين الله بالهوى ولا ترهات القول، وهكذا تُدرأ حدود الله بالشبهات، لأن الأمر دين، وفي دين الله لا يُؤفك أحد إلا بإقرار أو بدليل. وعوام الناس أمثالي وأمثالك لا ينوط بهم عقاب الشواذ ولا التحريض عليهم كما يزعم المرجفون من التنويرين؛ فإنه لا يُقام إلا بقاضٍ مفوض، ولا يُنفذ إلا من صاحب سلطان ومن يُنيب، بل إن الإتهام لا يقوم إلا بقرائن وشهادة أربعة عدول، يرون بأم أعينهم الثمانية الإيلاج رؤية المرود يدخل في المكحلة.

(8)

لا يهم فضح الشواذ من سترهم عندنا، نعم هم موجودون بيننا وحولنا، ولكن بكم عددًا ونسبة؟! حتى وإن كانوا على ضآلة أعدادهم قريبون جدًا منا ونحن لا نستشعرهم؛ ففي المحصلة ليس ثمة عقيدة ربانية ولا قوانين أرضية تكفلت باقتلاع المعاصي والجرائم اقتلاعًا، كما لم تُعلن إياها بترغيبها وترهيبها قدرتها على إقامة كل الناس على صراط مستقيم؛ فليبقوا إذن، ولكن متوارين.

(9)

هذه ليست دعوة لمعاصي السر، حاشا لله، ولكن ستر العاصي لمعصيته، وسترنا له إن علمنا بحاله ما لم يفضحه ربه عند ذي سلطان، فيه رقائق قلبية كمفاتيح خير، فسحة للمراجعة والتوبة، أو نبع للمعافاة من قوله ﷺ: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين". [متفق عليه من حديث أبي هريرة]. طالما لم يُنفى عنه الإيمان بالاستحلال.

كما في الإسرار زوال للذة القلب بالحيطة، فلا شك لكل معصية نشوة تصل أقصاها مع الاستساغة والمقبولية، بينما إن خالطتها رهبة الخوف؛ خفتت وتحولت ألمًا ولومًا، على الأقل عند سويّ الطباع ممن لم يُطمس على قلبه، وهذا بالضبط عين ما قاله ابن القيم بأن: "كثرة المساس تُفقد الإحساس"؛ فلكل معصية لهيب يلسع، بشرط أن يبقى فاعلها موقنًا بأنه يقترف خطيئة، أما وإن صارت (عادي) وكثر مساسها؛ فعلى الدنيا السلام.

قارن أنت حال من يدخل داره على أهل بيته حلاله، وحال من يدخل على امرأة لا تحل له، ترى الأول مرتاحًا سريرًا، بينما الثاني متدثر الوجه يخاف أن يُعرف فُيؤذى، غارق في عرق قلقه، يتلفت يمنةً ويسرةً كي لا يرقبه الناس، حتى وهو جلوس بين فخذيها نشوته منقوصة، أي نشوة تلك والتسمّع يُجننه كلما دبت قدمين خارج الباب، ولو كانتا قدمين قِطة. كل ذلكم الوخز يُفسد اللذة، وقد يستنفر الفطرة السوية يومًا ما فيرجع.

(10)

أحيانًا يكون أصحاب معصية السر، بمن فيهم الشواذ، شرًا مستطيرًا، وأحيانًا يكونون خيِّرين ديِّنين ليِّنين؛ فعلى مذهب أهل السنة والجماعة يزيد الإيمان وينقص، ولعل تلك المحاسن تصير عونًا على الرجوع، وتلك مدعاةً أخرى للكتمان. 

وسواءً أكانوا طيبين ناجحين أو عتاة في الفجور؛ فنحن العوام لا سلطان لنا عليهم، حسبنا من النصح والبيان ألا يُقر واقعًا مناوئًا لعقائدنا بذريعة أن المنادين به أخيار.

(11)

تلقف بعضهم شيئًا مما قاله المفكر الجزائري محمد أركون في التفرقة بين الحداثة المادية والحداثة العقلية، ليأكدوا على أن تحديث الوجود الإنساني على أصعدة الملبس والمسكن ووسائل المواصلات والاتصالات لا يكفي، متعللين بأننا لما استوردنا الحداثة الغربية استوردناها ناقصة الأركان، تشربنا منها المحسوسات، وأغمضنا الطرف عن العقليات، ولذا صرنا في فصام أو الشيزوفرينيا، والعلاج أن نستوردها كلها، بما فيها الفكر والمعتقد.

هذا حق أريد به الباطل. إن فرار الغربين أميالًا بالعقلية العلمية والفلسفية عن الذهنية اللاهوتية والأصولية ما جاء إلا بعد أن استحكمت شرور الأصولية المسيحية لأكثر من ألف سنة، وصل الحال فيها لبيع صكوك الغفران بالمال إرضاءً لطمع الباباوات ومن عاونهم، وصل إلى الزج بالبسطاء في حروب لا ناقة لهم فيها، ولا طائل أصلًا منها، بحجة خدمة الرب ورفعة للمسيح - عليه السلام -، وما تكشف لاحقًا أنها ما إلا خدمة لطغمة طماعة، والرب منها برئ، والمسيح - عليه السلام - لو كان بينهم لقاتلهم هم.

لقد ذاق الغربي الأمرَّين؛ فلما امتلك فرصته، أشاح بكل قيمة أقامها مجتمعة، ولم يعد يرى إلا المادية سبيلًا للتحرر والاستنارة من مغاليق الاستبداد. أما نحن المشرقيين، مسيحيين ومسلمين، لم يصل بنا حال الأصولية إلى هذه الدرجة من دهس وتسليع الغيبيات والروحانيات، إننا - بكل ما عانيناه - لم نعاني في أرواحنا وأموالنا ومعتقداتنا بهذا الشكل.

ثم إننا لنقبل بالتحرر والاستنارة في العلم والتكنولوجيا والأدب والفنون والسياسة، لكن تحجبون عنا ذلك وتزاحموننا في ديننا وعقائدنا وشريعتنا ومنهاجنا.

(12)

حين نتحدث عما يتسق وما لا يتسق مع أفكارنا نُتهم، وتعلو الأصوات أن اخسئوا، ليس مسموحًا لكم بالكلام والرأي، حتى وأنتم على أرضكم المحكومة بشريعتكم، حتى إن تطابق كلامكم مع أفكار المستشارة الألمانية "انجيلا ميركل" التي بررت رفضها للتصويت على قانون المثلية بـ: "إنما جُعل الزواج بين ذكر وأنثى".

عجيب أمر هؤلاء القوم، ليل نهار يتباكون على حقوق الرأي عندنا، وما إن أظهرنا ما يُعارضهم صرنا مرضى رهاب، نحتاج إلى علاج أنفسنا من الهوموفوبيا.

(13)

إن ما يجري في إرساء اللوطية بالمجتمعات الشرقية لا يختلف كثيرًا عن مرسيات الأفكار الأخرى ذات المراحل الثلاث:

- المجاهدة: بدعم تأطير فكرة ما لإبرازها، ثم سلخ مجتمع منبثق عن المجتمع الأم كأعضاء مدافعين عنها، ثم المناداة بحماية هؤلاء من الاضطهاد، وإن لم يعانوا من الاضطهاد أصلًا.

- التطبيع: يُنتقل فيها من مجرد حماية المنبثق إلى إلزامية قبوله وإدماجه بدون (شوشرة) لا منه ولا من غيره.

- الانتصار: يتسنى فيها للمنبثق الفاعلية وفرض القيم، والتدليس بأنها قيم إنسانية عامة وطبيعية، وأنها جزء من قيم المجتمع الأم المسلوخ عنه المنبثق أيًا كانت جغرافيته المعرفية.

(14)

عند تلك المرحلة لن يقف الطوفان، عند تلك المرحلة لن يُقيم الناس – إلا من رحم الله - وزنًا لحِلّ ولا حُرمانية، إن ما أوجب لقوم لوط - عليه السلام - العذاب ليس فقط الفعل، بل وأيضًا درجة التشبع باستحلاله، ارتفاع معدلات استساغته وقبوله، الاجتهاد في ليّ عنق الحقيقة في سبيله، كأنني به - عليه السلام - حينما ﴿وَجَآءَهُۥ قَوْمُهُۥ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ حاملين المشاعل في ليلة ظلماء يلفها السواد، وكانوا قُبيلها مباشرة ﴿وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ﴾ ولم يستكفوا، وهو صلوات ربي عليه مُمسكةً يساره بضلفة باب داره المتحركة، سادًا فتحتها بجسده خشية أن يتدافعوا منها دخولًا على الضيوف، ومُشيحًا بيمينه في وجهوهم، نافرةً عروق رقبته، مُحمرةً أوداجه، يصيح: ﴿قَالَ يَٰقَوْمِ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌۭ رَّشِيدٌۭ﴾ [سورة هود 78]. يُكررها مرارًا علَّهم يرجعون، وفي كل مرة تزيد حدة غضبه ويرتفع صوته أعلى: ﴿هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾... ﴿هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾... ﴿وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ﴾... ﴿وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ﴾... ﴿أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌۭ رَّشِيدٌ﴾... ﴿أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌۭ رَّشِيدٌ﴾... ﴿أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌۭ رَّشِيدٌ﴾... ﴿أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌۭ رَّشِيدٌ﴾.

كثرة المساس أفقدتهم فعلًا الإحساس؛ فعموا وصموا، ولولا يد الله سبحانه سابغة فضله على نبيه الكريم لنالوا منه، ومن ضيوفه، أو تهوّر سفيههم وألقى بمشعله على لوط وداره ومن آمن معه. لا قِبل لنا نحن - وليس فينا نبي - بدفع اهتياج القوم إن هم تكاثروا وألفوا واستساغوا واستحلوا وصار اللواط والسحاق عندهم (عادي). 

تلك عشرة ونيف زاوية، سأُخرس بعدها همسي، وأعود لما كتب ابن خلدون أعزي به نفسي، بعدما قلت كلمتي... سأمضِ، وحسبي من سؤال الله النجاة بنفسي وبأهل بيتي.


  • 3

  • ذات الخير
    "الأصل في الكون السكون، والأصل في العلاقات الوحدة". إبراهيم عبدالمجيد.
   نشر في 05 ديسمبر 2021  وآخر تعديل بتاريخ 10 ديسمبر 2021 .

التعليقات

Dallash منذ 7 شهر
لا حول ولا قوة إلا بالله...احسنت اختي طرح رائع لحالة تعاني منها مجتمعاتنا
1
ذات الخير
أكرمك الله، أسعدنا مرورك الكريم

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا