هشام سراي يكتب : رسائل الحب و الوفاء / جدي العزيز ... - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

هشام سراي يكتب : رسائل الحب و الوفاء / جدي العزيز ...

  نشر في 30 مارس 2016 .

جدي العزيز عبد الرحمان 

ألقي إليك تحية ملؤها الشوق و الوفاء مني و الهجر و الجفاء منك ، أسألك ايها العجور عن حالك و صحتك ، عن كل ما يحيط بك ، كيف حال القرية بأسرها قبابها و الحمائم التي تعشش فوق القباب ، كيف أضحت أشجار الصنوبر الباسقة و الزيتون الشامخة ، أي جدي عبد الرحمان مضى وقت طويل مذ زرتنا في مدينتنا الصاخبة أعرف أن الأمر لا يروقك في المدينة فكل مظاهر الحياة التي تحبها لا تتوافر هنا ، فالحياة الهادئة و الطبيعة الخلابة و سحنة الفلاحين وطيبتهم و الجلسات الحميمة مع الأصدقاء و الخلان ممن قضيت معهم زهرة الشباب وعنفوان الكهولة ، أنا أعرفك جيدا يا جدي طيب القلب زكي في المجلس كريم عند العطاء وفاءك لمن عاشرتهم يضاهي وفاءك لأهل بيتك كل أوصافك تدفع الناس لحبك و مصاحبتك ويبدوا أننا الشخصين الوحيدين الذي يعانون من فراقك المرير ، إن كرهك للمدينة ونمط العيش فيها ينسيك إبنتك وحفيدتك ، وخاصة حفيدتك التي تكتب لك الرسائل في أوراقها الصفراء و تحرص أن تكون اللغة التي تكتب بها رسائلها لغة رصينة وراقية حتى ترضيك و ترضي شغفك الكبير باللغة العربية ، لا يمر يوم من الأيام إلا ونذكرك في مجالسنا ونتذكر اللحظات الجميلة التي قضيتها معنا الشتاء الماضي ، لقد كنت يا جدي سر بسمتنا و المؤنس الحنون لنا في هذه المدينة الكبيرة البائسة ، مر شتاء هذا العام قاسيا كئيبا يحمل غيما كثيفا من الحزن و الشجن و لست أعرف مالذي حدث ؟ على الرغم من أن كل الأشياء لم تتغير ، ربما هو إبتعادكم عنا وابتعادنا عنكم وكما تعرف غربة الأوطان أشد وطئا من غيرها ، الحياة هنا سريعة خاطفة يمر اليوم و كأنه لحظات لست أعرف لماذا يتزاحم الناس من أجل العيش في المدن ، في حين أنك لن تشتم غير روائح الوقود ولن تستمع غير صفارات السكك الحديدية ولن ترى سوى المباني وزحمة البشر الذي ينتشرون في كل مكان كأنهم في يوم محشرهم .

لقد كان هذا اليوم طويلا وشاقا يا جدي و مداخلاتي أصبحت تثير غضب الأساتذة و إستياء الزملاء فكلاهما لا يحبون الثرثرة و التفلسف كما يصفون الأمر فأستاذ الدعاية مثلا يعتقد فعلا أن الإعلام الغربي أنموذج عالمي يحتذى به و داعم حقيقي لمسيرة الحياة الديمقراطية و الحفاظ على حرية التعبير وحقوق الإنسان ، في حين أرى أن هذا الكلام مجموعة من الترهات و التفاهات التي يجب أن يتم تعديلها ، صحيح أنني أبدوا حماسية و غاضبة في الكثير من الأحيان و أنا أخاطب محاوري ولكن الأمر لا يتعدى الحوار و الإثراء المعرفي ! أما الزملاء فهم يدخلون المحاضرات على أمل أن يخرجوا منها ، أسفة يا جـــــدي لأني اثقل عليك في رسائلي ولكني أجد نفسي في الفترة الأخيرة وحيدة ، فأمي بالكاد تجد لي وقتا فبرنامجها مزدحم و عملها يأخذ كل وقتها فهي بالكاد تتمنى لي نوما هنيئا ، كونها صحفية فهذا أمر مميز بالنسبة لي ولها أيضا ولكنها تواجه الكثير من المتاعب في تأدية عملها و الحصول على بعض المعلومات من المسؤولين ، الجميع يتكتمون هنا حتى على الصالونات الثقافية و الحفلات الموسيقية ، لا تقدم المعلومات و تفاصيل الحدث إلا للمؤسسات الرسمية أو المقربة من الحاكمين أنت تعرف نحن نعيش في بلادنا ورغم ذلك نحن غرباء ، يجب أن تكون صحفيا متملقا و منافقا وفاسدا حتى تقوم بعملك على الوجه الذي تريد .

أه ، صحيح يا جدي لقد أنهيت قراءة الكتاب الذي أهديتني إياه " إلى ولدي " لأحمد أمين " ، فعلا إنه من الدرر التي يجب أن يقرأها كل شباب هذا العصر فهي يحتوي على نصائح و إرشادات مهمة نابعة من تجارب الكاتب ، كما أن الرسائل التي يرسلها الى ابناءه كانت مشبعة بالعاطفة و الصدق و الحكمة و المعرفة و التواضع ، الشباب في مثل سننا يا جدي يحتاجون أكثر شيء إلى المعية و الرفقة الصالحة و القدوة الحسنة التي تجعلهم يفكرون في الكثير من أفعالهم و افكارهم بل ويعدلون من طريقة عيشهم ، لمجرد أن يجدوا من يشعرهم بأهميتهم و قدرتهم على فعل الكثير ، لهذا كان جيل الصحابة خير القرون وكلهم كانو في عمر الشباب لأنهم وجدوا المربي و الصديق و الأب الحنون سيدنا محمد عليه الصلاة افضل التسليم ، وكذا كان صلاح الدين الأيوبي فاتحا مجاهدا لأنه تربى ايضا على يد ابيه نجم الدين ايوب و في كنف عمه اسد الدين شريكوه لهذا كان الإنجاز عظيما هو فتح القدس ، تلومون كثيرا هذه الأجيال يا جدي وكثيرا ما كنت اسمعك تتذمر من واقعهم ولكنكم في الحقيقة لم تقدموا أفضل منهم بل يبدوا أن لديهم الفرصة ليقدموا في حين أنكم ضيعتم الكثير من الفرص رغم واقعكم السهل و المريح نسبيا مقارنة بواقعنا المرير ,,

لا أريد يا جدي العزيز عبد الرحمان أن أثقل عليك أكثر و لكنني أعرف قدرتك على الاستيعاب و فهم الظرف الذي نمر به ، ارجوا ان لا تتأحر هذه البرقية في الوصول إليك مثلما هي العادة رغم انني ارسلها عبر البريد السريع ولكن كما تعرف كل الأشياء رديئة تبعث على الكأبة ، المهم يا جدي اهتم بنفسك جيدا فالشتاء بارد هذا العام ، و لا تنسى ان تبعث بسلامي لخالاتي و نساء الخال و أبنائهن في انتظار ان تراسلني لك مني قبلات بحجم المحيط . حفيدتك كاتيا الصغيرة .

 بقلم : هشام سراي


  • 1

   نشر في 30 مارس 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا