ما أبسط.. هذا الملح و ذاك السكّر... - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ما أبسط.. هذا الملح و ذاك السكّر...

  نشر في 13 ديسمبر 2020  وآخر تعديل بتاريخ 14 ديسمبر 2020 .

( ما أبسط... هذا الملح و ذاك السكّر ..! ) 

جميعنا يُدرك أن الحياة محطات .. و في كل محطة نبحث عن غاية و هدف ولكن ما يحدث في أغلب الأحيان هو أننا نقوم لا شعورياً بِسجْنْ إحساس السعادة و السرور في أقفاص تلك الأحلام و الأمنيات...فنحصد محصول من القلق الوفير في سبيلها .. وكأنها تُعاقبنا على سوء التعامل معها... بالتأكيد حصولنا على كل ما نتمناه إحساس لا يضاهى ولكن ماذا إن طالت الطريق و امتلأت بالعقبات و بدا لنا الصبر كالبخار بعدما كان ماءاً ..هل سننكس الرايات حداداً عليها ..

ومن منظور آخر.. عندما عندما تتحقق  تلك الأحلام ستأتي أخرى...و لن تتوقف الأمنيات ..هي اشبه ماتكون بالدوامة لمن يراها طريق السعادة( الأوحد) ... ولكن مايجب أن ينتهي هو ذلك القلق المفرط بشأن تحقيقها ،، و هكذا نحن منذ أن كنا صغاراً .. مطلوب منك المذاكرة لاجتياز المراحل الدراسية الصغرى و من ثم المرحلة الثانوية... و من ثم  تزداد المطالب بإحراز تقدير عالي لكي يمنحك خيارات أفضل في دراستك الجامعية وعندما تحرز ذلك التقدير ..حينها سيفيضُ قلبكُ بالسعادة ٣ أيام بلياليها (تخيل فقط ٣ أيام!) .. و بعدها كنت تعتقد أن كل ماتبقي هو هيّن .. إلى أن يصبح تحدي التخرج من الجامعة هو كل مايشغل بالك المسكين .. وعندما تتخرج عندها ستفرح لمدة ٣ أيام و ستغمرك فيها السعادة.. و في اليوم الرابع ستبدأ بالقلق على تأخر أوراق تخرجك التي ستطرق بها كل أبواب الأحلام...وان كنت من دول العالم الثالث (البائس) ستركض للتخلص من التزامات الخدمة الوطنية أو ( الجيش)  وعندما تنتهي ستبتهج لمدة ٣ ايام أيضاً ...وحينها ستظن أنك في نطاق الراحة التي لا يضاهيها أي شيء آخر ... وفي اليوم الرابع سوف تباغتك هموم كثيرة ماذا ستفعل بعد ذلك .. هل ستجد فرصة عمل كريمة؟! وهل ستجد مايسد رمق جيوبك الملساء التي لم تلُامسها النقود بعد ..

وان كنت ممن يجيد هواية القلق جيداً منذ الصغر حتماً انت ستجد فرصة عمل .. ولكنها براتب متواضع يكفيك لشرب المشروبات الساخنة في القهاوي المتواضعة .. و ثلاثة خروجات مع الأصدقاء في الشهر ،، و مع ذلك ستحلّق من الفرح ٣ أيام وفي اليوم الرابع سوف تبدأ ماكينات القلق بالعمل لوحدها.. لتبحثَ لك عن فرصه للدراسات العليا...لكي تنتشل نفسك من تلك الوظيفة التي كنت بالأمس سعيدا بها... وما أن يتكلل هذا المشروع الدراسي بالنجاح ستفرح بشدة و لمدة أقصاها ٣ أيام فقط.. لتبدأ البحث بقلق عن الهروب خارج الديار باحثاً عن فرصة في تلك الدول المتقدمة.. و ستجد المكافأة على سنوات القلق بإنتظارك ..نعم ستجد الوظيفة التي لطالما أردتها و المقابل المادي المُجزي ولو بعد حين ..و ستستعد كثيراً و كثيراً.. ولكن لن تزيد على تلك الثلاثة أيام التي عهدتها.. و ستتفاجأ ايضاً بأن حجم القلق سوف يزداد و ستفكر كيف ستساعد أسرتك التي فارقتها .. و التي اثقلت كاهلها طوال تلك السنوات الماضية..

ناهيك عن مشروع الزواج ! ان كنت ممن تَخطّوا مرحلة اختيار الشريك فتلك مصيبة لأنك ستفكر مرارا و تكرارا في بحار من التفاصيل ... وان لم تكن كذلك.. أبشر.. فالمصيبة أعظم ..!

ولكن إطمئن.. ستمر كل تلك اللحظات مستنزفةً عقلك و أفكارك...و ستتزوج و ستفرح من أعماق قلبك.. وانت تعلم أنها ٣ أيام.. وستصرخ منتشياً قائلاً : اليوم خمر.. وبعد ٣ أيام أمر ..  (معتقداً أنها قمة الايجابية! ) ..

وفي اليوم الرابع ستجدها أمور كثيرة وليس أمراً وحيداً .. و تفاصيل لا متناهية و ستقلق بكل تأكيد بخصوص مشروعك إلاستثماري و منزل أحلامك الفخم  و تفاصيل أسرتك الصغيرة التي لم يكتمل أفرادها بعد ... وخطط سنين التقاعد التي ربما لن تعيشها ...

... وهلم جرا... و هكذا تبدو  هي الحياة دوامة لاتنتهي  ...

و ناهيك عن (متلازمة الخبر الجميل ذو الثلاثة أيام ) التي أرهقتنا ربما أكثر من مكسب سعادتها المؤقتة ..ان كنت حريصاً على هذا القلق.. إدّخر منه ولو قليلاً .. تخيل كم سيتخلل هذه الرحلة من اللحظات العاصفة و خيبات الأمل و الصدمات المفاجئة... و ماستجلُبه معها من  الحزن و الضيق و تسلسل الذكريات البائسة و  التي لا تحتاج منا اي مجهود او استئذان وبأقل تردد عتبة بِرُغم مقاومتكَ لها ..

تخيل كم يستنزفك هذا القلق و التفكير...ومتى سوف تدرك أنه لا راحة بانتهاء فترة أو مشروع أو دراسة... و لا سعادة مطلقة تغلفها تلك المكاسب... و لنكن صادقين ربما (بعضٌ) من هذا القلق قد ساعدك كثيراً في تحقيق من أحلامك ولكن كثيره أضرّك ..

وستمضي السنين و ربما بعد أن تشيخ ستعرف حينها أن كل ماحققته ربما ساعدك و أراحكَ كثيراً.. ولكن ربما أسعدك قليلاً  (مجموع أيام تلك الثلاثيات! ) ...

وان كنت حقاً سعيداً حينها... ستعرف أن ما أسعدك بحق كانت لحظات  بسيطة و تفاصيل أبسط.. اللحظات اليومية وليست المشاريع الكبيرة ... ربما كانت كلمات سواء كنت قائِلُها أو قيلت لك.. من قَبيل  شكراً و كم أنا ممتن وكم أنا سعيد لرؤيتك.. أو ربما دعوة سَمعتها أم كانت بظهر الغيب ... و ضحكات صافية مع من أحببتهم.. و هدايا بسيطة جدا كالرسائل الورقية ... و معروف و عطاء و بذل منك أو إليك ...ربما كانت صبرك على الطاعات أو ربما تأثير جميل على من هم بقربك...أو صدقة أو تعاطف ... أو لحظات كنت فيها مواسياً و سندا لأحدهم أو كان أحدهم لك فيها بالمثل .. لحظات السعي و التعب و ربما ذلك العرق الذي تَصبّبَ فوق جبينك ... ربما كان طريق منزلك الجميل ذو الأضواء الخافتة... أو كوب القهوة الذي تُسعدك رائحته قبل مذاقه .. ربما هي الكتب و الروايات و أعمدة الصحف التي قرأتها كل يوم و أضافت لك كثيراً.. أو الرحلات البسيطة التي قمت بها حتى .. ربما هو الجمال الذي رأته عيناك في الطبيعة و البشر من حولك ... 

غياب كل تلك التفاصيل يومياً و غياب التمعن فيها... عن حياة نتعامل فيها بالحسّ الحسابي حتى مع الأحلام ..  ماحققناهُ منها و مانحن بصدد الإقبال عليه ... اشبه بمن تناول وجبة فأشبعتهُ،، ولكنها لا تحتوي على ملح أو بهارات.. ككوب مشروب دافيء دون سكّر ... صحيح ربما تكون تلك الوجبة،، مشبعة،، و لن تتضوّر جوعاً لساعات.. وحتما سيستفيد الجسم منها... و لكنها دون متعة ياعزيزي ودون مذاق ..!!

ما ابسط هذا الملح و ذاك السكر ... و ما أعظمهم !!

ضَعهُم .. و ستصبح كل الأيام مثل تلك الثلاثيات الموسمية ..! ومن ثم ستصبح حولاً و من ثم عمراً.. مديداً سعيداً..

محمد السر..



  • Mohamed Elsir Eltayeb
    كاتب هاوي ... مهتم بالمجالات الأدبية و الفلسفيةو الفنية و الإجتماعية ...
   نشر في 13 ديسمبر 2020  وآخر تعديل بتاريخ 14 ديسمبر 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا