وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا

  نشر في 11 مارس 2021 .

لقد خلق الله تعالى الإنسان وكرمه وفضله على كثير ممن خلق، وجعله قويا فيه ضعف، ضعيفا فيه قوة، ضعيف النفس، والبدن، والقلب، والعاطفة، ضعيف النفس بسبب نوازع الخير والشر فيه، وما يعتريه من الغفلة والوساوس والأهواء، ضعيف البدن لما هو معرَّض له من الأمراض والأسقام والهرم والفتور، فهل يعي الإنسان ضعفه هذا؟ هل يفقه كنهه؟.

إننا كلما ازدادت مساحة وعينا بمشاعرنا ورغباتنا نصبح أكثر قدرة على التحكم بها والتكيف معها وأكثر حكمة في التعامل معها، ولكن الوعي بكل أنواع مشاعرنا صعب جدا لكثرة تقلبات النفس وتداخل حاجاتها ورغباتها، ومع ذلك فإن هذا الوعي بأبسط مستوياته مطلوب منا، فهو الذي يخلق إنسانا ناضجا ومتكاملا ويجعله سويًا وراضيًا عن نفسه وعن حياته ويمنحه الطاقة الإيجابية والعقلانية للعمل والسعي في سبيل تحسين وضعه وتطوير نفسه، ويجعله يدرك أنه ليس إنسانا كاملا، ربما كلنا ندرك ذلك إدراكًا نظريًا ولكن بالوعي في حقيقة مشاعرنا وأنفسنا سندرك ذلك إدراكًا عمليًا راسخًا، أن كل نفس إنسانية يعتريها الضعف والنقص وأن هذا النقص والضعف في نفوسنا فطري، فحين ينظر الإنسان في أعمق رغباته وحاجاته وميوله في عالمه الداخلي الذي لا يراه غيره، ويحاول أن يوازن كل ذلك مع عالمه الخارجي بما فيه من قيم ومبادئ الحق والخير والصواب والواجب فإنه يجد هذه النفس التي بين جنباته أضعف من أن تحقق ذلك التوازن المطلق في هذين العالمين.

والقرآن الكريم - في كثير من آياته - حين يخاطب مرة نفس الإنسان ومرة عقله ومرة قلبه - يؤكد من ناحية أن الأصل في طبع الإنسان وخلقه هو الضعف والعجز أمام قدرة الله تعالى وعظمته وأمام خلق نفسه وغموضها وإعجازها، ولكنه من ناحية أخرى يدعوه إلى صنع هذا التوازن في نفسه، غير الموجود في أصل خلقه، إلا أنه يمده بسبل وآليات صنعه وإيجاده، وأنه هو السبيل الذي سيؤجر عليه ويحاسب.

ومن الواقع المشاهد ندرك أن الكثير من البشر كان قادرا على الوعي بنفسه ومعرفة طاقاتها ومستوى قدراتها ومن ثم الوصول بها إلى أعلى درجات الإيمان والخير والحكمة، وأن هذا الإنسان الضعيف، هو الذي غزا الفضاء وصنع واخترع وتقدم، وطور الحياة الإنسانية من حالتها البدائية إلى حالها الذي هي عليه اليوم، من العلم والقوة والحضارة والإمكانات المادية والمعرفية.

وبهذا يمكننا أن ندرك ما معنى أن يصبح الإنسان صديقا لنفسه، لرغباته وأحلامه، لعجزه وضعفه لخوفه وأمله، وبهذا الفهم أيضا نرفض أن نرى في الناس كمالًا وسموًا أو بشرًا خارقين، فوق العادة، بل نرى في كل ناجح وكل قوي انتصارًا داخليًا، سبقته معارك وجدالات كبيرة، وتعثرات كثيرة، تمامًا كالتي تحدث في نفسي وفي نفسك، وفي نفس كل إنسان، وندرك الفرق بين من هو قوي فعلًا، وبين من يتصنع القوة، القوي الذي يتقبل ضعفه ويتكيف معه ويعمل على تجاوزه، وبين من يتكبر على ضعفه ويتنكر له، ويحسب نفسه فوق البشر، معصوم عن أي خطأ ومبرأ من كل عيب، وهو - المسكين - ليس كذلك، فيخسر اكتساب القوة الحقيقة ويخسر بالتالي السلام الداخلي مع نفسه.

سيدنا أبو بكر في خطبته الشهيرة عندما تولى الخلافة، لخص بعضًا من هذه المعاني بوضعه معيارًا أخلاقيًا لمفهومي القوة والضعف، حين قال رضي الله عنه:

"والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوى فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله".

أي إن معيار القوة عنده هو أداء الحقوق، حق الله وحق النفس وحق الناس، وبغير ذلك فإن تكلف القوة والكبرياء لن يكون مجديًا، لأنه ضعف، أي إن أثر الإنسان وعمله وجهاده هو الجوهر والأساس في ميزان القوة والضعف، بل هي سنة الكون، أن القوة لا تكون إلا بالحق والصواب والعدل، وبقدر اقترابنا من هذا المعيار تكن قوتنا، وبقدر ابتعادنا عنه تظهر حقيقة ضعفنا وعجزنا.

فاللهم اهدنا وارحم ضعفنا.


  • 6

   نشر في 11 مارس 2021 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا