حتى لا أنسى - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

حتى لا أنسى

وقائع يوم الجمعة 14 جانفي 2011 بشارع بورقيبة، تونس

  نشر في 15 يناير 2019  وآخر تعديل بتاريخ 26 يناير 2019 .

التحقت ببطحاء محمد علي بعد الثامنة صباحا بقليل...

مع الثامنة والنصف، بدا الشد والجذب المعتادان بين القوى السياسية لأخذ قصب السبق وتزعّم المسيرة المنتظرة. أطراف تنادي بالتريّث أكثر ريثما يكبر التجمّع وأخرى ترى ضرورة الخروج الفوري بالمسيرة.

بعد محاولتين فاشلتين للانطلاق، وجدتني في كوكبة تتقدّم مظاهرة متوسطة العدد تتوجّه نحو نهج روما.

في مفترق نهج روما، انقسمنا شقّين: بعضنا ينادي بالانعطاف يسارا باتجاه الباسّاج، للتعبئة في انتظار أن تكبر المظاهرة وبعدها تتوجّه إلى شارع بورقيبة، وبعضنا يرى ضرورة أن تتوجّه رأسا إلى شارع بورقيبة

كنت من الشق الأوّل، لكنّ الشق الثاني نجح في جرّنا باتجاه شارع بورقيبة.

عند بلوغنا ساحة ابن خلدون، كان هناك صف من وحدات البوليس المدجّجة بكل أنواع العتاد. ولكنّنا فوجئنا بطراوة صفّهم وهشاشة صدّهم. لم نلق منهم أدنى مقاومة ونحن ندفعهم لنشق صفّهم ونمرّ.

كانت كلّ مداخل شارع بورقيبة الجانبية مفتوحة وسرعان ما انتشر الخبر، فتقاطرت الجموع من كلّ صوب. سمعنا بعد سقوط بن علي، أنّ محمّد الغرياني الأمين العام للتجمّع، كان قد حشد داخل أسوار دار التجمّع في شارع محمد الخامس غير بعيد عن وزارة الداخلية حيث تركّز الاعتصام، ميليشيات من مئات المرتزقة وسلّحهم بالهراوات وكانوا على أهبة الانطلاق لدعم البوليس والفتك بالمتظاهرين... لماذا لم يخرجوا إلينا؟ لماذا لم يتصدّ لنا البوليس بوحشيته المعتادة والمتوقّعة؟ ألأنّ أغلب أعوان الشرطة من أبناء الشعب الذين مالت قلوبهم لصالح الثورة؟ هل كانت هناك ضمن دوائر القرار، إرادة ما في عدم قمع المظاهرة وأوامر بعدم التصدّي وفسح المجال؟ هل سمع التجمعيون برخاوة البوليس ففهموا أنّه لا فائدة من إطلاق ميليشياتهم؟

كان الجو احتفاليا في الشارع الكبير، لا مواجهات ولا قنابل مسيلة للدموع ولا كرّ ولا فرّ... قبلات وأحضان وشعارات وأعلام... وكنت أردّد في سرّي

c'est trop beau pour être vrai

مثّل وصول مسيرة المحامين التي كانت قد انطلقت من شارع باب بنات بالقصبة إلى شارع بورقيبة، لحظة فارقة أعطت شحنة معنوية عالية للمعتصمين أمام وزارة الداخلية. كانت عيون الناس تبرق فرحا وافتخارا بهم: "حماة الحق والحقيقة معنا. لقد قُضِيَ الأمرُ، وصار من المستحيل هزمنا"... هيبة الرّوب الأسود لا تضاهيها هيبة...

تتابع وصول المسيرات الشعبية والقطاعية كلّ مرّة من ناحية: هؤلاء مواطنون وصلوا من ناحية شارع قرطاج قادمين من الوردية، وأولئك ممرّضو الصحّة قدموا من مرتفعات الرابطة، إلخ.

للتاريخ، رأيت بأمّ عيني، هاتين اللتين سيأكلهما الدّود والتراب، صلاح مصباح يصل شارع بورقيبة على رأس مسيرة ويرفع شعارات مغنّاة...

مع الساعة الواحدة والنصف، بدأ بعض أعضاء المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل يظهرون للعيان... ظلّوا مختبئين في مكاتبهم يتابعون تطوّر الأحداث، ويقيسون النبض... هل أنسى لهم ما فعلوه لمّا كانت رقعة الثورة تتّسع كلّ يوم أكثر وكان لهيبها يزحف نحو مركز السلطة ليحاصرها... كنّا نحتمي بمقرّات الاتحاد في العاصمة وفي الجهات، وكانت البيروقراطية النقابية قد شنّت منذ فترة حملة تجريد من المسؤوليات النقابية لكلّ من طالب بتحديد عضوية المكتب التنفيذي بدورتين. كان عبد السلام جراد قد خطب منذ أيّام أمام بن علي في قصر قرطاج مؤكّدا على ولاء الاتحاد لنظام الحكم... كان من بين مناورات البيروقراطية للالتفاف على هيجان القواعد النقابية واصطفافها في خندق الثورة، أن تبثّ في ساحة محمّد علي أغاني مرسال خليفة وقصائد محمود درويش بمضخّمات تصمّ الآذان، كي تمنع أي نقاش أو خطابات تحريضية.

الحمقـــى، غاب عنهم أنّ شعر درويش أفضل من أيّ خطابات وأقوى تأثيرا واستنهاضا للهمم... كانت جدران ساحة محمد علي ونهج المنجي سليم تتزلزل مردّدة صدى صوته وهو يقرأ "لاعب النرد"... كانت ذبذبات صوته تشكّل غلافة مخملية في سماء العاصمة المغلّفة أصلا بالسحب الرصاصية فتعطي ثورتنا عمقها الإنساني ومسحة رومانسية تؤجّج جذوة الأمل في غد أفضل.... اللئام، هاهم الآن يتبخترون في الشارع ليسجّلوا حضورهم... كانوا يحرصون على مصافحة كلّ من يعترضهم ومبادلته الحديث حتى يرسخوا في ذاكرته فيشهد لهم بالحضور لاحقا...

كان كمال الزغباني لا يكف عن مهاتفتي من صفاقس مستفسرا عن الوضع في شارع بورقيبة بدقة الروائيين: "هل الشارع ممتلء بكامله؟ كم تقدّر عدد الأنفار في المتر المربّع الواحد؟ لو تقارن كثافة الحضور بمظاهرة صفاقس قبل يومين، أيّهما أهم؟ ألا يزال هناك متظاهرون جدد يلتحقون بشارع بورقيبة؟ ما المسافة التي تفصلكم عن أوّل صفّ من قوّات البوليس؟ هل يصوّبون نحوكم سلاحا أم يمسكون بهراواتهم فقط؟"... وكان محمّد الهادي الوسلاتي لا يكفّ عن الذهاب والإياب على رصيف نزل كارلتون رافعا ورقة كتب عليها

Ben Ali Dégage

إلى غاية ذلك الوقت، لم يكن هناك ولا شعار واحد ذو صبغة إسلامية... أبدا، أبدا، أبدا...

كان اليوم يوم جمعة، وبعد الصلاة، وصلت أولى مسيرات المتديّنين من جامع الفتح رافعة شعارات تدلّ على هوية أصحابها. لكنّ الحضور الجماهيري الضخم الذي كان هناك سرعان ما ابتلع المسيرة فذابت فيه دون أن تنجح في لفت الأنظار إليها...

كنّا نبحث عمّا يسدّ الرمق ويبلّ الريق لدى دكاكين العطارة في أنهج ابن خلدون والقاهرة ومرسيليا. لم يكن هناك شيء يذكر: البيض المسلوق ب250 مليما للبيضة الواحدة والماء المعدني والبسكويت، ليس أكثر...

لم يكن هناك ما يؤشّر إلى انقلاب الأوضاع، قلنا نأخذ قسطا من الراحة على رصيف مقهى بنهج القاهرة عند مفترق جون جوريس...

وجدنا هناك وجوها سياسية معروفة وفنانين أذكر منهم لزهر العكرمي وأحمد الماجري، إلخ.

جلسنا وكانت جميع النقاشات تدور عن الثورة واستحقاقتها بصوت مسموع... شاكست لزهر وكنّا نعرف بعضا من أيام الثانوية في قفصة : "ها نحن في أحد مقاهي الحي اللاتيني بباريس"... غمز باتجاهي مستلطفا وواصل حديثه مع جلسائه...

فجأة ونحن هناك رأينا الناس يركضون باتجاهنا قادمين من ناحية شارع بورقيبة ثم تصاعد دخان القنابل المسيلة للدموع وبدأ يغزو أنوفنا وعيوننا...

سارعت الدكاكين والمقاهي إلى إنزال ستائرها المعدنية محدثة قرقعات تصمّ الأذان. هرعنا واقفين وانصرفنا دون أن ندفع

جرينا إلى الأمام ثم تراجعنا إلى الوراء ثم إلى الأمام ثانية... توجّهنا نحو عمارة نريد أن نحتمي بأدراجها فصدّتنا إحدى الساكنات قائلة "هناك قنّاصون مختبؤون في سطح العمارة بانتظاركم، سيبيدونكم" لم يكن هناك وقت للتفكير في ما إذا كانت صادقة أم كاذبة... هربنا دون وجهة معلومة...

اتخذت من مقولة مظفّر نوّاب "في الرياح السيّئة، يُعْتَــمَـــدُ القلبُ" بوصلة لي وجريت باتجاه 22 مكرّر نهج القاهرة... وكما لو أنّنا تواعدنا على الالتقاء هناك، وجدنا أنفسنا مجموعة من حوالي ثلاثين شخصا في الطابق الأوّل من تلك العمارة الهرمـــة... كان لابدّ من تعميد ذلك العنوان المناضل بعبق الثورة، ذلك العنوان الذي طالما ناله شرف مراقبة البوليس السياسي...

أتحدّث عن مقرّ الجامعة التونسية لنوادي السينما التي كانت قد اختارت خندقها من زمان، وقطعت على نفسها عهدا منذ ولادتها بأن لا تتذوّق فنّا يدير ظهره للوطن ولكادحيه... كيف التقينا هناك؟؟ وما الذي جمّعنا؟؟ بعضنا لجأ هناك كمن يحتمي ببيته مصطحبا أصدقاءه، والبعض الآخر رآنا نلجأ هناك فاطمأنّ لمظهرنا وتبعنا كمن يلجأ إلى مسجد أو سفارة... في بهو الطابق الأوّل، التقينا كما لو كنّا نعرف بعضنا من زمان... عمّال وبطّالين وطلبة... ولكن أيضا أمّهات مرفوقات بأبنائهنّ وبناتهن وفنانين وصحفيين... لم نتعجّل خلع الباب لأنّنا كنّا موقنين بأنّ أحد أعضاء الجامعة لن يتأخّر في القدوم لإيوائنا... ولم تتأخّر رئيسة الجامعة في الحضور... فتحت المقرّ آليا وكنّا قد اتخذنا الخطوات التنظيمية الأولى بشكل آلي أيضا: خفض الأصوات وتجنّب غسل الوجه بالماء لعدم تأجيج مفعول الغاز... وكانت جارة الطابق الأعلى قد أمدّتنا بقارورة كوكاكولا تلقفناها لنبلّل بها وجوهنا ونطفئ وخزات الغاز... والبقية إعلان فوري لحضر الجولان ترتّب عنه بقاؤنا محتجزين بالمقرّ.... كنّا ثلاثين أو نكاد. كانت إحدى الحاضرات تتوسّل إلينا طول الوقت أن نخفض أصواتنا المخفوضة أصلا. ورغم مبالغتها في محاصرتنا إلاّ أنّها كانت محقّة نوعا ما بعدما اخترقت زجاج القاعة عبوة غازية أصابت الجدار المقابل فاحتفظت بها سعيدة وسامم شرف للجامعة. كان وقع أحذية فرق التدخّل وهم يصعدون درج العمارة الهرمة يرجّ الجدران ويصيبنا بالشلل والخرس. وكنّا نسمع زخّات الرّصاص ونتابع أصوات المطاردات والسباب وأقذع القول في مربض السيارات المقابل للعمارة. أسدل الليل ستارته على المدينة وأيقنّا أنّنا بائتون هناك لا محالة. فانصرف الفضاء المعتّم يساعدنا بما يستطيع على هزم الوقت والبرد والجوع. وفيما جنح البعض إلى المكتب الداخلي حيث يحفظ أرشيف الجامعة، فتكوّروا في الزوايا وتوسّدوا حافظات الأرشيف، بقي أغلبنا في القاعة الرئيسية المطلّة على الشارع متحلّقين حول طاولة الاجتماعات... هدأت الجلبة في الخارج، وبدا واضحا أنّ البلاد تشدّ أنفاسها إلى القنوات التلفزية والإذاعات التي كانت تبثّ بيان الثلاثي الذي يسعى جاهدا إلى إنقاذ بن علي. أذكر كيف تحلّقنا حول مذياع الهاتف الجوّال للصديق الصحفي عمر الغدامسي، وكيف تناقشنا كثيرا عن السرّ من وراء اعتماد الفصل 56 بدل الفصل 57 من الدستور لتولية الوزير الأوّل نيابة الرّئيس المعلّق في السماء على متن طائرة أشيع أنّ فرنسا رفضت هبوطها على أراضيها، وذلك بدل رئيس مجلس النوّاب الذي كان تكليفه سيعني أنّ الشغور نهائي وليس مؤقّتا.

كنّا في الأثناء نتغذّى من قطع السكّر التي نتقاسمها بعدل، وبوليمة افتراضية أعدّتها لنا الحاجة أمّ أمين بلسان أمهر من يدي أشهر الطهاة.

في الصباح، كانت تلك الشابة التي تعيش في فرنسا أوّل المغادرين بعدما اتّصل بها زوجها المحتجز في عمارة مجاورة بشارع باريس وطمأنها على إمكانية الخروج. بعدها وصل والد الشقيقتين المراهقتين من المنزه السابع وحيّانا بحرارة قبل أن يصطحب بنتيه. وتتالت المغادرات في شكل تسرّبات سريعة، حتى لم يبق في البيت سوى أبناء الجامعة. ولم تُدِرْ سعيدة الشريف المفتاح في قفل باب الشقّة إلاّ بعد مغادرة آخر فرد. نزلنا الدرج لنمدّ رؤوسنا متطلّعين إلى الخارج فلم نلمس للحياة نبضا في نهج القاهرة. مشيت كالنائم باتجاه مربض السيارات بنهج المختار عطية، ولا شيء في دماغي غير صورة ضوء الشمس التي غمرت مقر الجامعة. كانت شمسا غير عادية بضوئها الذهبي الساطع والمنعكس على معلّقة شريط

the Kid

لشارلي شابلن. وابتسمت إذ تخيّلت نفسي ألتفت باتجاه بلكونة الشقة لأرى شارلي شابلن يلوّح بعكّازه راقصا... لابدّ أنّه انتظر مغادرتنا القاعة ليغمز صديقه الطفل داعيا إيّاه إلى الرقص على طاولة الاجتماعات نكاية في الشرطي الذي توقّف عن مطاردتهما وظلّ جامدا داخل إطار الصورة...



  • 3

   نشر في 15 يناير 2019  وآخر تعديل بتاريخ 26 يناير 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا