السندباد لاينام - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

السندباد لاينام

السندباد لا ينام

  نشر في 28 ماي 2020 .

روح تسكن في كل شيء، تتوحد مع توالي الأجيال والتجارب، قصص وقصص، وهذا العالم لا يكف عن الدوران، وذاتي المثقلة بالمعنى، متطرفة..وما من أحد له السلطان على القلوب، وأنا؟ أنا المسيح المصلوب أنتظر القيامة، ولا أنتظر من يدون تجربتي ومأساتي..

بداية العهد:

لما كنت في المرحلة الإعدادية كنت أكتب كلمات جميلة، لم تكن نثرا ولا شعرا..كانت كلمات فقط، أحاكي "مصطفى لطفي المنفلوطي" معلمي الأول الذي عرفته بفضل أبي، كان معجب به، كيف لا أحب المنفلوطي وأبي يحبه؟ كيف لا أقرأ المنفلوطي عدة مرات في اليوم وأبي يقول لي إنه أروع ما أنتجت الساحة الأدبية.

كان لي دفتر جميل أكتب فيه أشعار درويش ونزار قباني، كنت أرسم في الدفتر الورود وعيون الفتيات الجميلة، وأزين أعلى الصفحات بقلوب لأضفي على الدفتر جمالية، كانت روحي تتراقص فرحا وسرورا.. في ذلك السن العذب كتبت ما لن أستطيع كتابته الآن..أومن أن لكل مرحلة خصوصيتها وظروفها..

كانت تجلس معي في المقعد الأمامي فتاة أذكرها جيدا، كان اسمها سهام -أتحدث عن السنة الثانية إعدادي- كانت "جبلية"، في عينيها عبق البادية التي أنحدر منها، تفوح منها راحئة المروج والتراب أيام الحرث، لا أنكر أنني أحببتها حبا صافيا خالصا يافعا كعمرنا..تلك تجربتي الأولى في الحب، كلما رأيتها يحدث أمر عجيب، لا أستطيع إزاحة عيني، تقول لي "متشوفش فيا هكا"..كتبت عنها كثيرا كثيرا كثيرا، كانت ملهمتي بعد المنفلوطي..

سفر المجهول:

كنت عندها أمسكت بمارد النظم، لم يمكث معي طويلا، ضاع، فقدته في دروب الحي المظلمة، لم أستطع المحافظة عليه، ربما تقاطعت مصالحنا..

المهم أنني أذكر اليوم الذي بحثت فيه عن الدفتر، لم أجده، فقدته كما فقدت سهام بعد الإعدادية...أنا الآن في نهاية السنة على وشك اجتياز الإمتحان الوطني.. في هذا الجملة الأخيرة لخصت حياة وأحداثا وانكسارات وحزنا عميقا، أتلاحظ يا من تقرأ ماذا يفعل الكاتب، إنه يختصر مراحل من حياته، يقفز عنها بكل سهولة، ماذ فعلت أنا، ببساطة قفزت عن مرحلة كتبت فيها عشرات القصص والخواطر والخربشات، مرحلة لا أستطيع محوها من ذاكرتي مهما حاولت النسيان، لكنها موسومة بالضبابية واللاوضوح، لا أنساها ولا أقدر الحديث عنها..

في اللغة يقال أن ما نعبر عنه موجود في الواقع ومستمد من تجاربنا، هذا ما أتعارض معه، كيف لا أقدر التعبير عن هذه المرحلة؟ أليست جزءا من حياتي وتجربتي؟ أحتاج لقدرة لغوية خارقة كي أكتبها، ربما أكتسبها بعد حين، سأتدرب جيدا على الكتابة لأستطيع القبض على العهد المجهول من حياتي..

سفر الشريد:

لاشيء هنا..غرفة ألوذ إليها ليلا، لا أبدع في إعداد "الطاجين"، لم أكتسب بعد كيف يتقن الآخرون صنع "الطواجن" بارع في طهي "اللوبيا" لكنني لا أملك "الكوكوط"، عندما أحصل عليها " غادي يعفو عليا الله من الطواجن العيانين والبيض ومطيشة، ومالها البيض البيض ومطيشة"..

أين أنت ياصديقي، يقول صديقي في الهاتف، أرد عليه، أنا في المقهى، لا مكان آخر لي بعد الغرفة الجميلة، في المقهى أفكر جيدا وأتأمل كل شيء، وبعد منتصف الليل أغوص في الكتابة والهجوم على كل شيء، أغتال وأقتل كل شيء..أشهر السكين في وجه الجميع..كل ما يؤلمني أعنفه بقلمي وأنهال عله بالسب والشتم وأقبح الصفات، ليرتاح الجانب المظلم مني.

لكل واحد منا جانبه المظلم، ماذا نفعل حياله؟ لن نفعل شيئا نحن مطالبين بمعرفة ذلك فقط، عرفت ذلك بعد أن قرأت قصة قصيرة في مسابقة نظمت في إحدى الجمعيات، كانت تتكون لجنة التحكيم من أساتذة اللغة العربية المميزين، قال لي أحدهم في كلمة وجهها إلي، أذكرها جيدا، "أنت تريد بهذه القصة أن تخبر العالم بشيء كان له وقع فظيع، في قصتك عدة أصوات، قصة مضطربة، لم أقرأ لقصاص إستخدم هذه التقنية لأقول أنك تقلد، أنا متأكد أنك تقلد نفسك"..الحقيقة أنني كنت أصارع نفسي عندما أكتب.. أحاول ترويضها وتفصيلها على مقاسي، ألا فروضوا أنفسكم، علموها الذل الذاتي قبل أن تذلكم بعد عزة.

روح تسكن هنا، أحن للطاجين شبه المحروق، ويعود الضباب يحاصرني...

لم يظهر الملاك الذي انتظرته كثيرا..هذه سماء مكناس جئتها مع أبي وحقيبتي الصغيرة وأوراقي، أجلس الآن وحيدا، أين أنت يا أبي..أستيقظ فلا أجدك في مضجعك، أتترك هذا الطفل وحيدا وتعود إلى القرية؟ عد، فأنا رجل من اليوم..اليوم أرفع الشارة مع رفاقي، أصرخ، "ودمي من أجل حقوقي عملتو شلال" أصرخ وأصفق، أنا ابن الفلاح المزارع، أنحرد من التربة والوحل.

هل كل رفاقي كادحين، أبناء فلاحين مغلوب على أمرهم، جاءوا إلى الجامعة بحثا عن ماذا؟ لماذا نصفق ونرفع الشعارات؟ من يسمع أصواتنا المتعالية المدوية، من الذي يهتم لهذا الخطاب الذي ننجزه؟

أما أنا كنت أرعى الغنم، يوقظني أبي صباحا، أخرج الخرفان والجديان والماعز، كنت أحبهم كثيرا، أذهب بصحبتهم إلى المرعى، أقضي الضحى، ثم أنزل بهم إلى الوادي، الشمس تصيب خدي، والماء عذب بارد، أدر كما ترد ماشيتي..أركض خلف الحمل الصغير، أعانقه أداعبه، ثم أستلقي تحت الشجرة، نم أيها الحمل الجميل..



   نشر في 28 ماي 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا