العالم العربي ... أوروبا في العصور الوسطى - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

العالم العربي ... أوروبا في العصور الوسطى

  نشر في 02 مارس 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

أولا وقبل أن أخوض في خضم الأسباب التي دفعتني لقول ذلك يجب أن أوضح أننا لم نصل بعد إلى اللحظة التي نغدو فيها فوهة لجحيم مستعرة كما يروج البعض، ولكن سفينتنا تغرق بالفعل في أعماق بحر شاسع لا منارة بقربه، قد يكون الغرق بطيئا، لكنه ملحوظ وجلي للعيان، وأي مدعاة لغير ذلك فهو حجب لحقيقة تسطع أمامنا كالشمس في ضحاها وهنا أسرد لكم عدة أسباب وجدتها كافية لترجعنا إلى غياهب زمن سحيق وغابر، قبل أن يخبو بريقنا تدريجيا فيما بعد :

أولا : تسطيح العقول وغياب الوعي

لنفترض أنك رجعت ردحا من الزمن إلى الوراء وناقشت شخصا من عصور الظلام والتخلف في أي شيء تعتبره اليوم من المسلمات الفكرية، ستجده ببساطة ينظر إليك بريبة وربما ينعتك بالهرطقة والجهل، لأن أفكارك من وجهة نظره شاذة عما هذبه وعلمه مجتمعه. منبع المشاكل التي تعصف بنا في واقعنا العربي هو انتشار الجمود الفكري وانعدام الثقافة بشكل يجعل المرء مجرد بغبغان يردد ما يدور حوله من ترهات وأكاذيب، وبالطبع أذا تكررت الكذبة مرارا وتكرارا ستصبح فيما بعد حقيقة لا جدال فيها. إذا ناوبك الشك في كلامي فنظر إلى نسبة الأمية الموجودة في بلادنا، حتى منظومة التعليم العربي فهي فاشلة بكل المقاييس، ترتكز بشكل أساسي على الحشو والتلقين وتمحو أي بذرة إبداع قد تنمو في الشخص يوما ما وتجعله في النهاية مجرد نسخة أسنة لمن قبله، وكما قال إسحاق عظيموف " أؤمن بشدة أن هناك نوع واحدا من التعليم وهو التعليم الذاتي " فلا تستغرب عندما ترى الدول العربية ترعى الكتب التافهة وغير الملهمة والناس يقرؤونها بنهم شديد، بينما نظائرها من الكتب التي تحتوي على زخم هائل من المعلومات وتنشط الذهن مطمورة تحت غبار أرفف المكتبات. كما تجد السفسطائيين والتافهين هم من يسلط عليهم الضوء وتتبعهم أعين الناس وتتقصى أخبارهم، وعلى النقيض من يرفض السير مع السرب ويترك القطيع تراه يغرد وحيدا من دون أن يسمعه أحد. وهذا تماما ما كان يحدث في أوروبا قبيل عصر النهضة،حيث كانت الكنيسة هي من تقرر ما يجب قراءته وسماعه، وما يعد محرما وكفرا، وأدى ذلك إلى خمول العقول آنذاك وغرقها في عتمة الظلام.

ثانيا : هناك مؤامرة كونية تحاك ضدنا !

شخصيا لا أميل إلى إتباع نظرية المؤامرة ولا أظن أنها سبب كافي ومنطقي لتدهورنا بهذا الحال، ولكن إذا تماشيت معك على نفس منوال النظرية، ستجد أنها حتى لو كانت موجودة فهي تعد سببا ضئيلا من عشرات الأسباب، فالعدو مهما يكن لن يستطيع نخر عظامك مادمت متماسكا وغير متناحر من الداخل، جل ما سوف يفعله هو زرع بذرة الفتنة وتركها تنمو وتتشعب حتى تسكن عقول الناس وتسيطر عليهم، في هذه الحالة ستصبح صيدا سهلا له وسيقتحمك من دون أدنى مقاومة لأن الناس سينشغلون بالتقاتل والتنازع فيما بينهم وينسون الخطر الخارجي المحدق بهم. تلك النظرية أيضا استوطنت عقول الناس في أوروبا القديمة، فكانوا ينسبون أي مكروه وضرر يحدث لهم إلى السحر مما دفعهم إلى الإيمان بالخرافات والابتعاد عن المنطق، كما رأوا أن أي رأي يخالف ما يعتقدونه هو بمثابة تعدي صريح عليهم ومؤامرة لزعزعة ثقتهم فيما دس لهم من أفكار.

ثالثا : الدوغمائية في الآراء

نحن لا نعترف بالاختلاف ولا نقبل به، كل منا يولد من رحم بيئة ما تبلور أفكاره وتوجهها بنظرة عدائية للبيئات الأخرى، مما يجعل من السهل إشعال نيران الفتنة والتعصب مع أول شرارة تلوح في الأفق، ما تغفل عنه أذهاننا هو أن اختلافنا قوة بحد ذاته، لا يوجد مجتمع متشابه، تختلف العقليات والانتماءات لكل فرد منا، لو لم تتقبل ذلك بصدر رحب وتفرغت لتصيد الأخطاء وتوزيع الاتهامات فهذا يعني فنائك أنت ومن تبادله العداء. وهذا يعود بنا إلى زمن كانت أوروبا فيه تتنازع وتتناحر فيما بينها بغباء تام، ولو أطلعت قليلا على أسباب الحروب التي كانت تدور في ذلك الوقت، ستجدها غير منطقية بتاتا وربما يموت الآلاف من أجل ملك متغطرس أو حاكم شره للدماء.

رابعا : لسنا مركز الكون !

ما زال البعض منا لا يشعر أننا ننزلق إلى حضيض الهاوية ويرى أن الغرب هو من يقبع في أقبية الظلام ونحن من نعمر ونشيد في الأرض. والحقيقة أن نظرتنا الكوبرنيكوسية لأنفسنا هي وهم مصطنع نغذي به عقولنا لكيلا تنجرف مع تيار الألم والحسرة، فنحن لا نقدم شيئا فعليا للبشرية عدا أننا دول مستهلكة فقط، نتغنى بالحسرة على الأمجاد والتقدم الذي كان يشهده العالم العربي في ذلك الوقت، لكن التاريخ لن يعيد نفسه إلا إذا أرادت الأمم ذلك وسعت إليه بدل البكاء والتمني. وقد عاشت أوروبا حقبة من الزمن مدفونة تحت ركام الوهم والجهل، فعندما قال غاليليو أن الشمس هي مركز الكون لا الأرض ثار كبريائهم واتهموه بالهرطقة والكفر، لأنهم لم يستوعبوا أنهم ليسوا مقياسا لكل شيء، وأن الكون لم يصنع من أجلهم، وقد أرضت تلك الفكرة غرورهم على أي حال، ولأنهم يرغبون فيها جعلوها حقيقة لا تقبل الجدل.

أخيرا : اللامبالاة أسلوب الحياة

تطغى اللامبالاة على ربوع البلدان العربية بصورة شنعاء، إن تكرار الشيء عدة مرات بشكل نمطي يؤدي إلى جعله أمرا روتينيا ويطمس الاعتياد شعور الغضب والسخط الذي انبثق منك أول مرة حيال أي حدث مؤلم يطرأ عليك، بعد ذلك ستجد عنفوان غضبك يهدأ تدريجيا وعندما يمر الحدث مرة أخرى أمامك لن ينبس لسانك بكلمة، لأنك ببساطة ستتأقلم وتروض نفسك عليه. وهذا بالضبط ما يحدث في أراضينا، في حين أن أمرا تراه هينا من الممكن أن يجري صوب عينك ولا تلتفت له، يعد في أوروبا والدول المتقدمة حدثا جللا وانتهاكا لا يمكن السكوت عنه. هناك بالطبع أسبابا عدة لذلك ربما في مقدمتها الفقر الذي يجعلك تتقبل أي شيء على مضض، وهو أيضا نفس السبب الذي جعل من أوروبا قبل عصرنا هذا قارة ينتثر فيها التفكك المجتمعي ولا يبالي أحد بالأخر مدام سيخلد هو للنوم ممتلئ البطن حتى لو ترك جاره بأنين جوع مستمر.

في النهاية ليس علينا فقدان الأمل، فبعد دجى الليل يأتي شفق الفجر ماحيا خيوط الظلمة، ولا تنسى أن عصر النهضة الذي أنقذ أوروبا من براثن الجهل أتى تدريجيا،لكن التغيير للأفضل لن يأتي لشعوب راكدة طغى اليأس عليها، كل ما علينا هو نفض غبار الجهل وترك نور المعرفة يغمر بلادنا.


  • 15

   نشر في 02 مارس 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات

Mohammed Abdo منذ 8 شهر
مقال جميل جدا اقترح فقط ان يكون هناك بعض الشواهد والامثلة لاثبات ما سلف ذكره بالمقال. الا ان اقتراحي هذا لاينقص من المقال ولا من الشكر للكاتب المحترم
0
Omar Helal
شكرا على مرورك وعلى اقتراحك اخي
مریم كاظم منذ 10 شهر
مقال ممیز وقلم جمیل.... هل تقصد بالبغبغان، الطائر الببغاء؟
0
Omar Helal
نعم لكن جاءت الكلمة بالهيئة العاميه
نتغنى بأمجاد الماضي..صدقت..مع أنّ الفتى ليس من يقول كان أبي إنّما الفتى من يقول ها أنذا..شكرا على الطرح الجميل شكلا و مضمونا
0
Omar Helal
يسعدني مرورك
أعيد قراءة هذا المقال المميز أخ عمر مع قهوة المساء، وللمرة الثانية أكتشف و أتذوق نقاط مهمة ذكرتها،
ألممت بالداء من كافة الجوانب
- تسطيح العقول وغياب الوعي
- هناك مؤامرة كونية تحاك ضدنا !
- الدوغمائية في الآراء و عدم قبول الاختلاف
- الاعتقاد أننا مركز الكون
- اللامبالاة أسلوب حياة
0
Omar Helal
شكرا لك على القراءة و المرور
Leila Bent منذ 1 سنة
تحياتي لك على المقال الرائع
في انتظار جديدك
0
Omar Helal
يسعدني مرورك
مقال جميل وواقعي الى حد كبير .. تحياتي لك ..( مع تصحيح بسيط ان نظرتنا بطليموسية وليست كوبرنيكوسية )
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا