الهروب نحو منطقة التقدير - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الهروب نحو منطقة التقدير

حاجة الإنسان للتقدير

  نشر في 11 شتنبر 2017  وآخر تعديل بتاريخ 10 يونيو 2018 .

هذا المقال كتبته السنة الماضية ولاأدري لماذا لم أنشره وبقي في المسودة لهذا الوقت
قراءة ممتعة

السنة الماضية كنت قد نشرت تغريدة عن موضوع التقدير، هاته التغريدة خلقت تفاعلا لا بأس به على الفايسبوك (موضوع آخر لماذا الفايسبوك وليس تويتر)، لذلك قررت التوسع قليلا عبر هذا المقال.

حاجة أساسية أم كمالية

في سنة 2012 وخلال دورة عند الدكتور مصطفى أبو السعد عن تربية الطفل، شدد الدكتور كثيرا على أهمية مدح الطفل وخاصة أمام الآخرين، حينها كانت ابنتي ريم لم تكمل عامها الأول ولم أع جيدا أهمية الموضوع، لكن مع مرور الأيام ومع قراءتي للموضوع في عدة مجالات مثل العلاقات الزوجية والعلاقات المهنية تبين لي أنها حاجة فطرية أساسية وليست مجرد رفاه روحاني ونفسي.

عدم إشباع هاته الرغبة قد يؤدي إلى حدوث الكوارث كما سوف أسرد لاحقا.

تقدير الوالدين للطفل

يبدأ يعي جودة تعامل المحيط معه مبكرا، خلال سنواته الأولى يكون متعلقا بالبيت ووالديه بشكل كبير، لكن مع دخوله للحضانة والمدرسة يبدأ يخف هذا الارتباط رويدا رويدا (وهذا هو الأصل) وتتفرق اهتماماته وانشطته بين البيت المدرسة وأماكن أخرى.

للأسف صرنا في زمننا نقضي وقتا اقل مع الأسرة والأطفال، وحتى من يحرص على الحوار يوميا مع أطفاله يكون جل حواره شبيه باستنطاق قسم الشرطة أو المخابرات لمن يشتبه فيهم في العمليات الإرهابية : "ماذا درستم اليوم؟" ، "كم حصلت في آخر اختبار؟" ، "ما هو ترتيبك هذا الشهر؟" وما إلى ذلك، إجابات الأطفال المفرحة لهاته الأسئلة تكافؤ بفرح وفخر واهتمام، أما غير ذلك (وهو الغالب لأن نسبة المتفوقين في أي مجال قليلة) فالويل كل الويل للطفل المسكين، وهنا يبدأ الطفل في البحث عن مكان يجد فيه التقدير الذي يحتاج إليه.

تقدير المراهق

مع تقدم الطفل في السن، تزداد عليه الضغوط من المدرسة والبيت، ويدخل في تغيرات جسمانية ونفسية، وتزداد حاجته أكثر وأكثر للشعور بالإهتمام، فإن لم يجد هذا الاهتمام في الأماكن الآمنة لا في البيت ولا في المدرسة ولا في نشاط هادف، فإنه يصير فريسة سهلة لبعض الأماكن والأنشطة التي تؤثر سلبا على حياته من عدة نواح.

تقدير الزوج والزوجة

تدور معظم أعمال الدراما العربية حول الزواج والطلاق والضرة والخيانة، وعلى قلة متابعتي لها (لأنني أجد ملاذي في الأعمال الأجنبية) إلا أنني نادرا ما أصادف عملا يضع إصبعه على موضع الألم.

فالزوجة والزوج يحتاجان دائما وبانتظام لجرعة كبيرة من الاهتمام من الطرف الآخر، عدم إشباع هاته الرغبة الملحة هو ما يولد معظم المشاكل الأسرية والإجتماعية كما يؤكد البروفيسور طارق الحبيب (أخصائي العلاقات الأسرية).

التقدير في المجال المهني

شخصيا أمضيت 10 سنوات من العمل في فرع شركة نوكيا بالمغرب، ولم أحتفظ في ذاكرتي سوى بالأشياء الطيبة (وهي الغالبة)، وأجملها كان التقدير المستمر الذي كنا نحظى به سواءا من بعضنا البعض أو من رؤسائنا في العمل وكذلك من نسبة كبيرة من الزبناء.

هذا التقدير لوحده جعلنا نعمل بحماس واستمتاع، وهو أيضا ما أخر خروجي لعالم المقاولة.

وتحرص الشركات المحترمة دائما على بعث هاته الرسائل (وإن شكليا) للحفاظ على موظفيها ورفع إنتاجيتهم.

التقدير في المدرسة

تقع على كاهل المدرسين والأطر التربوية مسؤوليات كبيرة، فبالإضافة للتحصيل المدرسي، هناك مسؤولية التعامل النفسي مع التلاميذ.

للأسف نجد أن الكثير من الأساتذة لا يقسمون نفس الاهتمام والتقدير بين تلامذتهم، فالتلميذ المتفوق دراسيا غالبا ما يحظى بنصيب الأسد من الاهتمام والتقدير على حساب زملائه، هاته التقسيمة تؤدي إلى تكريس شيء من الكراهية والحقد والبغض بين الأطفال والمراهقين، نفس الشيء قد يحصل أيضا في البيت بين الإخوة.

الهروب نحو التقدير

تختلف الأماكن التي يفتقد فيها الشخص للتقدير، لكن الوجهات قد تتوحد بحثا عنه، وأهمها وأكبرها في زمننا الرقمي :

الشبكات الاجتماعية

وقد فطن أصحاب الشبكات الاجتماعية لهذا الموضوع وحرصوا على إدراج زر الإعجاب سواء كان قلبا أو أصبعا أو ما إلى ذلك، لذلك من الطبيعي جدا ان صارت مجتمعاتنا تعج بأشخاص ناجحين جدا في العالم الإفتراضي، لكنهم في المقابل غير قادرين على التواصل في العالم الحقيقي.

الشارع

كان في السابق يصنف كأخطر ملاذ للباحثين عن التقدير، لكن من وجهة نظري أعتقد أنه مع دمقرطة الولوج للأنترنت صار أقر ضررا من الشبكات الاجتماعية.

فعندما يشعر الطفل بالإهانة والإهمال في البيت وفي المدرسة وفي أماكن الأنشطة الموازية (التي قد يسجل فيها رغما عن أنفه) إن أول فرصة يجدها للخروج للشارع سوف يستغلها، وهناك وجلبا للإهتمام قد يدمن أشياء وسلوكيات تعود عليه بالضرر، مثل معاكسة المارة، والتدخين وتخريب المرافق العامة.

فبمجرد أن يسمع جملة مثل "لم ار شخصا تأقلم بسرعة مع التدخين مثلك" من بائع السجائر مثلا حتى يصير مدمنا رسميا على التدخين.

والفتاة إن سمعت سيلا من المديح والغزل في الشارع فإنها أكيد سوف تبحث عن المزيد منه، خاصة إن كانت كل حواراتها في البيت عبارة عن مواعظ ودروس وتحذيرات.

المقاهي

من الظواهر العجيبة التي لم أكن أفهمها في صغري، هو مواظبة بعض الأشخاص على ارتياد المقاهي، بل وجلوس بعضهم في نفس المقعد لسنوات، في حين كان والدي رحمه الله يلازم البيت مباشرة بعد خروجه من العمل، ولا أذكر أبدا أنني رأيته يجلس في مقهى، اللهم إن كنا في رحلة سفر خارج المدينة للضرورة.

إدمان الرجل التوجه إلى المقهى بدل المكوث في البيت هو ببساطة هروب نحو التقدير، إما لبراعته في لعبة الورق أو الشطرنج، أو لسماع أصدقائه له باهتمام خلال تحليلاته السياسية والرياضية، ولصدق تكهناته بنتائج مباريات كرة القدم. في المقابل تجد كل حواراته في البيت مع زوجته نقاش حول شراء أشياء جديدة، تغيير للفراش، وإعداد للولائم من أجل استقبال الأقرباء و "رد الصرف" وما إلى ذلك.

المحادثات الهاتفية والتسوق

بما أننا نعيش في مجتمع ذكوري، فإن النسوة لا تهربن للمقاهي وإنما تلجأن للخروج نحو التسوق (دون شراء شيء في الغالب) جماعة، حتى تبهر جاراتها وصديقاتها بتمييز الجيد من المقلد من الأثواب مثلا.

وهناك فئة أخرى يحرم عليها الخروج فتكتفي بالثرثرة عبر الهاتف مع الصديقات والجارات والعائلة.

العمل

الإدمان على العمل من الظواهر التي لم أكن أجد أيضا تفسيرا، وهي ظاهرة تجسد النزوح إلى منطقة التقدير، فتجد الموظف يسعى إلى قضاء أكبر وقت ممكن في العمل ليس حبا وإخلاصا في العمل، ولكن بحثا عن نظرات التقدير وعبارات مثل "كنت متأكدا أنك الوحيد القادر على فك هاته المعضلة".

العمل التطوعي

نشط مؤخرا العمل الجمعوي والتطوعي، وخاصة الموسمي، وذلك راجع لعدة عوامل، ومن بينها البحث عن الذات، والعمل على الرسالة، وكذلك أيضا البحث عن التقدير، بالإضافة على أنواع أخرى من الكسب الثانوي.

بين الآمن والملغوم

بعد ذكر عدد من المآمن بحثا عن التقدير نستطيع تصنيفها إلى آمن وملغوم، لكن المسألة لا تقف هنا، فلا يجب إغفال أصل المشكل، وهي إشباع الحاجة الدافعة بالشكل السليم، وبعدها لا بأس من خروج الزوج لتلقي المدح من أصدقائه عن براعته في تحديد الفائز والخاسر في المباريات بين الفينة والأخرى، وانخراط الزوجة في أعمال خيرية أو كذلك مشاركة الإبن والإبنة في أنشطة يشعر كل واحد فيها بالإنجاز والفخر.


  • 3

  • ضياء الحق الفلوس
    طالب علم في مدرسة الحياة. مهم بالتنمية الذاتية و طالب في الأكاديمية الدولية للتنمية الذاتية. مولع بالبرمجيات و مسابقات البرمجة و التكنولوجيا الحديثة. المسؤول الوطني عن المسابقة الوطنية للبرمجة للطلابMCPC مؤسس مشار ...
   نشر في 11 شتنبر 2017  وآخر تعديل بتاريخ 10 يونيو 2018 .

التعليقات

Salsabil Djaou منذ 8 شهر
موضوع قيم فعلا و زادته الامثلة التي ذكرتها وضوحا، ساشاركك بتجربتي البسيطة ،انا ايضا من اشد المعجبين بالدكتور مصطفى ابو اسعد ،وقد شاهدت له فيديو يتحدث فيه عن الصداقة ،قال بان صديقي لا ينتقدني بل يمدحني و يشجعني ،و اتبعت نصيحته مع المحيطين بي وتفاجأت للتأثير السحري عند شعور الاخرين بالتقدير وبايجابية نظرتك لهم ،سررت جدا بقراءة مقالك الرائع تحياتي سيدي الكريم.
1
ضياء الحق الفلوس
تحية متبادلة، شكرا جزيلا على التفاعل

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا