حُسنُ المجالسة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

حُسنُ المجالسة

كيف نجني المتعة والفائدة من الآخرين؟

  نشر في 14 أبريل 2018  وآخر تعديل بتاريخ 15 أبريل 2018 .

كنت إلى عهدٍ قريب، قليلاً ما أجرؤ على طرح الأسئلة على الآخرين. كنت أخال سؤال الناس عن وظائفهم أو مؤهلاتهم أو همومهم ومشاكلهم، ضربٌ من التطفّل لا داعي له. بل كنت أحسب أن سؤالهم عن وجهات نظرهم جرأةً وتدخّلاً في شؤونهم. كنت أراها عيباً يحسن بي التعفّف عن ممارسته. فأكتفي بالسكوت والتبسّم لدى الاجتماع بهم.

وقد كنت أظلم أولئك الذين يكثرون من طرح الأسئلة. وأتّهمهم بأنهم يهتمّون بمعرفة تفاصيل الناس، في الوقت الذي يتوارون فيه خلف حِجابٍ ثخين من التستّر. حتى اثار انتباهي شيءٌ: وهو أنيغالباً ما كنت أسعد بوجودهم. في الوقت الذي قد أنفر فيه من الّذين يكثرون الحديث عن أنفسهم، وعن حياتهم الخاصة وعن آبائهم وأولادهم وبطولاتهم من غير داعٍ أو سبب.

فاكتشفت أن من يسأل الآخرين لا يهمّه تصيّد أخبارهم. بقدر ما يهمّه تجاذب أطراف الحديث معهم، وربما بقصد التعلّم منهم وتفهّم طرائقهم، بغض النظر إن كانت توافق هواه أو تخالفه. من يسأل كثيراً لا تهمّه التفاصيل التي ستلقيها على مسامعه مهما كانت مملّة، ولا يهمّه كثيراً ما سيتلقّفه من أسرار، بقدر ما يهمّه أن تنفّس عن آلامك وتروّح عن نفسك فتسعد بصحبته.

الأطفال يسألون ليكتشفوا العالم. التلاميذ يسألون لإماطة اللثام عمّا صعب عليهم. الأم تسأل لتقف على حاجات صغارها. والزوج يسأل ليتفّهم مشاعر زوجته. من دون طرح الأسئلة على بعضنا نغدو غرباء. تصبح معلوماتنا تكهّناتٍ وظنوننا تهيّؤات.

طالما أثارت المفكرين والعلماء أسئلةٌ شائكة، أمضوا حياتهم في الإجابة عليها. فخرجوا بقوانين ونظريات قلبت نظرتنا التقليدية وغيّرت حياتنا. وكذلك طرح الفلاسفة أسئلةً عميقة تتعلق بالوجود والفضائل وسعادة الإنسان. بالأسئلة نتعلّم، ومن دونها نبقى حبيسي الواقع وأسرى الأوهام. وبها نتقدم، لأنّها تثير تفكيرنا في تلمّس النقص، وتساعدنا على إيجاد الحلول.

حين تولى غريغ دايك إدارة هيئة الإذاعة البريطانية زار مجمّعها الضخم، فتوقع موظفوه أن يُلقي عليهم خطاباً يشرح تصوّراته وخططه. لكنّهم فوجئوا به يطرح سؤالاً واحداً على الجميع: ما الشيء الوحيد الذي أستطيع فعله لجعل عملك أفضل؟ وجلس معهم ينصت لأجوبتهم باهتمام. ثم أتبعهم بسؤال آخر: ما الشيء الوحيد الذي أستطيع عمله، لأسعد المستمعين والمتابعين لنا؟

اقرأ في هذا الصدد: سافر ، ولو في حارتك

ويبقى السّؤال: لماذا لا نسأل؟ ألِأنّا كُسالى، والأسئلة تحتاج إلى حضور الانتباه؟ أم لِأنّا لا نبالي بالآخرين ولا تهمّنا حياتهم ولا أحوالهم؟ أم لِأنّا مشغولون لا وقت لدينا لطرح الأسئلة، فضلاً عن سماع الأجوبة؟ أم لِأنّا نخشى أن تكون أسئلتنا سخيفة؟ أم لِأنّا نخشى أن يكتشف الآخرون جهلنا؟ أم لِأنّا نستحي من الحديث؟

وهي أسبابٌ غير مقنعةٍ في مقابل الفائدة التي نجنيها من تعلّم طرح الأسئلة المناسبة، ومن التمكّن من فنّ المحاورة، ومن التقرّب إلى الآخرين. فضلاً عن المعلومات التي نحصل عليها منها.

اطرح أسئلةً مفتوحة كتلك التي تبدأ بـِ : لماذا وكيف وصِف. تجنّب الأسئلة المغلقة (مّن وكم وهل)، وكذلك تجنّب الأسئلة المحرجة، واسأل عن أشياء مفيدة أو ملهِمة. من قبيل: ما هو أجمل مكان زرته ولماذا؟ ما هو أعزّ الناس إلى قلبك؟ ما تحبّ من الفنون؟ ما تمارس من هوايات؟ ما هو العمل الذي تتمنى ممارسته؟ ما أكثر شيء تفخر بقيامك به؟ ما أجمل شيءٍ حصل لك في الآونة الأخيرة؟ كيف تطبخين اليالنجي؟

الأسئلة الذكية تحثّ الآخرين على التفكير مع تجنب إحراجهم. وهي وتدفعهم إلى إعادة تقييم الأمور من غير إيقاعهم في مغبّة الاعتراف بأخطائهم. وهي تثيرهم على إيجاد الحلول لمشاكلهم من غير أن نقع في حرج إملائها عليهم. واللبيب تكفيه الإشارة.

المتسائل، هو إنسانٌ واثق بنفسه وليس خجولاً. اختار أن تكون أنت بطل اللقاء، مؤثراً سماع أخبارك على أن يلقي عليك قصص بطولاته. وهو كريمٌ وليس أنانياً. يحبّ أن يرى حلو خصالك ولا يهتم بالحديث عن أخباره. وهو هادئٌ يؤثر الإنصات إليك على مقاطعتك محدّثاً عن نفسه.


الموضوع منشور أصلاً في نافذتي

اقرأ أيضاً: امنح نفسك فرصة النمو


  • 10

  • أقباس فخري
    لا أكتب للناس بل أكتب لذاتي. أحاول العثور على نفسي حين أكتب. لعلّي ألملم شتاتها المبعثرة فأجمعها، أو عساني أعيد تكويني.
   نشر في 14 أبريل 2018  وآخر تعديل بتاريخ 15 أبريل 2018 .

التعليقات

دائما التألق والإبداع في مقالاتك استاذ أقباس فهي حقا... تثير مواضيع لا غني لنا في تناولها في علاقاتنا مع الاخرين ...
جميل ان نفتح حوار مع الاخرين ( لكن بدون تطفل) ولتطبيق مبدا ... break the ice
فالمرء داىما... بغيره .. ومع غيره
1
Rami Mohammad منذ 2 سنة
كلامك صحيح .. أظن إذا أردنا أن نطرح أسئلة فقط لفتح أبواب النقاش و تجاذب أطراف الحديث فإني سأفضل "أسئلة المناطق المشتركة" فقط لا غير . كما ذكرتَ أنت سابقاًً . كلعب رياضة ما أو موضوع سياسي ما أو ما شابه .. أما ما بقي من أسئلة فهي تندرج تحت باب "التطفُّل" و يتنافى مع الخلق الذي حثَّ عليه هذا النص "من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".. كذلك لا يوجد هنالك سبب حقيقي "للأسئلة الشخصية" على الإطلاق .. إلا إذا كنا نشاهد أن هنالك تهديد "حقيقي" مرةََ أخرى على حياة ذلك الشخص و نريد أن نقدم مساعده .
4
طرحت مهارة تأسرني،وفن من فنون الذكاء العاطفي:التواصل مع الآخر.
تحدث عن الأسئلة الذكية التي ترسل رسائل اهتمام لا فضول أو إحراج..وتجعل الآخريعيد اكتشاف ذاته من خلالك
جودة مقالاتك لا تضاهيها إلا جودة قصصك أستاذ أقباس.
أقول لك بلهجة المغاربة: الله يعطيك الصحة..قلمك هايل.
5
كوثر منذ 2 سنة
راق لي موضوعك ...
انا احب اسأل الاشخاص المقربين لي جدا ،
عن يومهم ، وعن حالهم ، واخر اخبار عملهم او مايطرأ عليهم من امور جديد ..
ليس تطفلا ! انما حتى اكون على مقربه منهم وحتى اكون على علم بمايضايقهم او يفرحهم ،

لكن للاسف .. البعض يتهمني بالتطفل !
والبعض يتذمر !
والبعض يكذب او يخبئ !

رغم نواياي هي ان اقف بجوارهم ..
5

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا