ساعي البريد - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ساعي البريد

  نشر في 29 يوليوز 2014 .

نظر حولهُ مليّاً ، لا حركة ، بسرعةٍ تعبّرُ عن خوفهِ وتوجّسهِ نظرَ إلى الأعلى ، فراشة ، ليست إلّا فراشةٌ سوداءُ تسبحُ في فضاءِ الغرفة ، تدورُ وتدورُ حولَ المصباح ، ليست حركتها بشيءٍ يكسرُ الهدوء أو يعكّرُ هذا الركود ، حرّكَ كرسيه إلى الوراء ، أصدرَ صوتاً مزعجاً ، ها نحنُ ذا ، وقف ، شعرَ بدوار ، أمسكَ رأسهُ بيديه ، غشاوةٌ في عينيه ، استندَ إلى الطاولةِ لثوانٍ ، هزَّ رأسهُ بقوة ، استعادَ حالتهُ الطبيعيّة ، اتجهَ نحو النافذة ، رفع الستارة ، لم يلحظ أنّه الفجر ، دخلت أشعةُ شمسِ الشّتاءِ الخجولة إلى الغرفة ، دخلت بسرعة ، اجتاحتها اجتياحاً ، كما اجتاحت الوحدةُ حياتهُ على حينِ غفلة ، فقد استيقظ ذات صباحٍ ليجد نفسهُ في منافي هذهِ الدنيا ، ذاكرتهُ لا تساعدهُ على تذكّرِ أيّ تفاصيل ، عادَ إلى كرسيه ، يحاولُ ويحاول ، يضربُ رأسهُ بيديه ، يضربهُ بالجدار ، علّهُ يتذكّر أيَ شيء ، يريدُ تذكّر ذلك البرزخ ، رحلتهُ من رحمِ الوطن إلى جحيمِ المنافي القسرية ، إصابةٌ في جسدهِ نفتهُ مرغماً ولا واعياً ، استفاقَ ليجدَ نفسهُ خارجَ المكان وأناسٌ حولهُ يقولونَ أن رصاصةً ما دخلت من النافذة واستقرّت في جسده وتمَ إسعافهُ إلى هنا ، يتذكّرُ أنهُ استلقى على سريرهِ ذات ليلة ، وأخذ يحملقُ في سقفِ غرفتهِ حتى غطَّ نائماً ، ليستفيقَ بعدها بيومين ويجدَ نفسهُ هنا ، عادَ ينظرُ إلى السقف ، شاهدَ الفراشةَ تدورُ دورتينِ في فضاءِ الغرفةِ قبل أن تحطَّ على زجاجِ النافذةِ وتلتصقُ عليهِ ببلادة ، سألَ نفسه : " ما جدوى أن تنجو حياً بعد أن تنزفَ وطناً ؟؟ ، ومن اتخذَ القرار ؟؟ ، من منحهم هذا الحق ؟؟ " ، تأفّف ، قامَ مجدداً ، هذا المرة نحو الخزانة ، فتحها ، زقزقة الباب تكسرُ هدوء الغرفةِ مجدداً ، أخرجَ الرّسالة ، عادَ إلى طاولته ، فتحها وقرأها مجدّداً ، كتبها منذ أشهر ، وينتظرُ أيّة فرصة لإرسالها إلى عائلته ، أعادها بعنايةٍ ووضعها على الطاولة ، توجهَ نحو التقويمِ المعلّقِ على الحائط ، انتزعَ آخر ورقةٍ فيه ، اليوم ، ليلة رأس السنة ، سنةٌ جديدة ، فكرَ في هذا مليّاً ، " وما الفرق ؟! " ( قالَ في نفسه ) ، خرجَ منذ الصّباح ، لا يرغبُ في ممارسةِ أي طقسٍ من طقوسِ الصّباح ، البردُ شديد ، كلّ ما حوله يوحي بالسّعادة ، لكنّها لا تمسهُ بشيء ، " غريبٌ أن ترى كل ما حولك سعيداً ولا يصيبكَ مسٌّ من السّعادة " ( قال في نفسه ) ، لكنّهُ لا يسكنُ زمانهُ ولا المكان ، كلُّ ما حوله يزهو بلا ألوان ، أو أنّ الغشاوةَ استقرّت في عينيه ، دخلَ إلى إحدى الحانات ليحتسي كأساً من القهوة ، جلسَ وطلب ، لاحظَ رجلاً يجلسُ على الطاولةِ المقابلة ، يحمل حقيبةً كبيرة ، ويخرج رسائلَ ويضعُ أخرى ، " ترى ماذا يعمل ؟! " ، لاحظَ الرجلُ نظراتهِ وتابعها فخشي أن يفسرَ فضولهُ بشكلٍ خاطئ فشربَ القهوةَ على عجلٍ وهمَّ بالرحيلِ وبينما هو على الصندوق لدفعِ المال ، لاحظَ أنّهُ لا يحملُ محفظته ! ، ارتبكَ وقال لصاحبِ الحانة : " أرجوكَ يا سيدي ، يبدو أنني نسيتُ محفظتي في المنزل امنحني خمس دقائق لآتي لكَ بالنقود " ، فما كانَ من هذا الأخير إلّا أن بدأ بالصراخ وهددهُ بطلبِ الشرطة إن لم يدفع ، " ولكن يا سيدي قلتُ لك ، محفظتي في المنزل ، ومنزلي قريب " ، التفتت أنظارُ الناسِ إليهما وهما يتجادلان ، فوقفَ الرّجلُ صاحبُ الرّسائل وقال لصاحبِ الحانة أنّه سيدفعُ المالَ عن الشّاب ودعاهُ للجلوسِ على طاولته ، " شكراً لكَ يا سيدي ، شكراً لك ، لقد نسيتُ محفظتي في المنزلِ هذا الصباح " ، " لا عليكَ يا صديقي يبدو أنّكَ شابٌ طيّب " ، " شكراً يا سيدي ، المعذرة ، ماذا تعملُ حضرتك ؟؟ " ، " ساعٍ للبريد ، وكنت أوزّع الرّسائل هنا وجلستُ لأستريحَ قليلاً في هذه الحانة " ، " امنحني خمس دقائقَ يا سيّدي ريثما آتي بالنقود " ، " لا داعي يا صديقي ، ليس مبلغاً يستحق هذا " ، لا أبداً ، أرجوك ، خمسُ دقائقٍ فقط " .

ركضَ ركضاً ، يريدُ جلبَ الرّسالةِ على الفور ، وصلَ إلى بابِ المنزل ، فأخبرهُ جارهُ أن رسالةً ما قد وصلته ، تفاجئ ، تناولها ودخل ، فتحها بسرعة وقرأ : " ابن أخي العزيز ، أنعي إليكِ بكل أسى نبأ وفاةِ والدتك ، حيث كانوا يعيشون في إحدى الخيامِ بعد أن أتى الخرابُ على منزلكم وبعد أن دمرت الحربُ كل شيء ، وبعد أن تشردَ الجميع .. "

توقفَ عن القراءة ، هوى على كرسيّهِ مجدداً ، نظر أمامهُ فإذا هي الرسالةُ على الطاولة ، أمسكها ، نظر إليها ، كان قد نسي أنّهُ ينقصها عنوانُ المرسلِ إليه ، وضع رأسهُ على الطاولة ، وعادت تلكَ الفراشةُ السوداءُ إلى الدّوران ..



  • 10

  • سامر النجار
    أعيشُ على هامشِ الحياة ، أقتاتُ الكلمات ، وكلُّ ما لدي قلمٌ وبضعةُ أوراقٍ وعشرون عاماً على هذا الكوكب .
   نشر في 29 يوليوز 2014 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا