أنا و أجدادي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أنا و أجدادي

الجد الأول

  نشر في 29 مارس 2019 .

هذه الحكاية سمعتها من أمي عن أحد أجدادي الذين ذكرتهم في مقالي السابق، لم أشهدها بعيني لكنني تخيلتها و كأنني أرى المشهد المضحك - المبكي بأم عيني، و إليكم الحكاية :

جدي هذا كان يعمل في الحاكورة (١) القريبة من داره، و صدف أن ظهرت قطعة صخر بين الغرسات الجدد، ظنها حجراً صغيراً فنكش حولها التراب ليرفعها عن الأرض، لكن كلما أزال التراب عنها كلما بدت أكبر، كان جدي ما يزال محتفظاً بقوته رغم تقدمه في السن، و ظن نفسه في سن الشباب، و أن عزيمته عزيمة الأبطال، شمّر عن ساعديه و انحنى للأسفل ليرفع الصخرة الكبيرة العنيدة، أمسك بها بإحكام و رفعها بكل ما اوتيَ من قوة، فإذ به يشعر و كأن ضهره انقسم شقفتين، و ما عاد قادراً على الحراك، و في الحال رمى الصخرة و تناول عصاه المتينة و تحامل على نفسه حتى اقترب من الدار، صرخ على أبنائه و زوجته لمساعدته في دخولها، فجاءت ستي "رحمة" زوجته لوحدها ملبية نداءه، كان الأبناء بعيدين كلٍ في عمله، و لم يسمعوا صراخه الواهن الضعيف. 

قالت له : خير ليش جاي على بكير؟ و ليش صحت علي؟ 

قال : تعالي اسنديني ضهري انبرق (٢) و ما لي حيل أمشي. 

هرعت إليه بسرعة و حاولت مساعدته حتى أدخلته إلى الغرفة الأرضية الواسعة، و فرشت له فراش الصوف المخصص للضيوف، و سحبته إليه و ساعدته في التمدد عليه و هي تقول سلامتك يا "أبو محمد" ، و أي سلامة كان جدي ينعم فيها؟ 

كان يتلوى و يموت من شدة الألم، كان يشعر و كأن سيخاً من النار دخل في مخ عظم ظهره، لم يحتمل الألم و لم يعد يقوى على الحراك و كأنه مصاب بالشلل النصفي، قال لها - و هو يأنّ و يتوجع - أحضري لي الجلّاس (٣) الكبير و ضعيه على بطني لعله يشفط الألم من ظهري! 

قالت له : يا أبو محمد كاسات الهوا ما بتصير على البطن، اقلب على بطنك لحتى اجيبه و أُجهّزه. 

شهق جدي و قال : ليش أنا بغضر أتحرك؟ صرت مثل المشلول، جيبي الجلّاس و اعملي مثل ما قلت لك. 

حاضر، أمرك.. و ذهبت. 

أحضرت الجلاس و أشعلت قطعة قماش قطني فيه، أمسكت الجلاس الزجاجي بقطعة قماش سميكة بعد أن خبتْ النار بداخله، و سمّت بالرحمن و وضعته على بطنه مثلما أرشدها، كان الجلّاس يشفط فعلاً كما تفعل المكنسة الكهربائية، لكنه لم يشفط آلام الظهر كما ظنّ جدي، بل شفط لحم بطنه حتى صار معظم البطن داخل الجلّاس الكبير، و صار يعاني من آلام جديدة نتيجة احتباس البطن في الجلّاس، و بالكاد يستطيع إلتقاط الأنفاس! 

قال لها : ويحك يا رحمة ما رحمتيني، قتلتيني. روحي استدعي حدا من ولادي يجي يخلصني من هذا الجلّاس اللعين. 

ذهبت ستي مسرعة و عادت بعد قليل و بصحبتها أولادها الثلاثة، دخلوا ملهوفين ملتاعين بعدما روت لهم الأم ما حدث لأبيهم، و ذهلوا بمنظر أبيهم المستلقي بالفراش على ظهره، و بطنه مكشوفة و محصورة داخل الزجاج، حاول أكبرهم أن يسحب الجلّاس من بطن جدي، لكن لم يتزحزح قيد شعرة و زاد استعصاءاً. 

حاول الثاني و الثالث دون جدوى و دون أن ينقطع أنين جدي و تأوهاته، و كلما شدّوا الجلّاس بقوة كلما تألم جدي أكثر... 

انعقد رأي الأبناء على كسر آنية الزجاج بالدبّور (٤) ، فصرخ جدي : لا لا، بالدبّور لا. بعدين بصير شقف نتف. 

قال أحدهم نأتي بقطراف (٥) كبير و نرميه على الجلّاس فينكسر، سمعه جدي فقال : لا لا، بالقطراف لا. بعدين بيهرس لي جسدي. 

تشاورا مرةً أخرى و قالوا : ما ضل غير نكسره بإيد الهوان (٦) و نخلصك منه. 

اعترض جدي مرةً أخرى، لكن لم يعد يستطيع أخذ أنفاسه و كاد يختنق، فقال لهم مستسلماً صاغراً بصوت خافت : اي، اكسروه متل ما بدكن و خلصوني، رايح أموت. 

و عندما كسروه و خرجت بطنه الحبيسة في القمقم، زفر جدي و نطق بالشهادة كأنه ولِد من جديد، صحيح أن الجلّاس لم يشفهِ من آلام ظهره، لكن الخوف و الألم الذي عاناه من هذه التجربة جعلاه ينسى آلام ظهره، و طار من الفرح بنجاته و سلامته من ذلك الشرّ الخطير. 

-انتهت-

الهوامش :

(١) : الحاكورة قطعة أرض صغيرة تكون ملحقة بالدار و مخصصة للزراعات المنزلية و تربية الدجاج و تنور الخبز و سواه. 

(٢) : انبرق ظهره بمعنى إلتوى بعنف نتيجة حركة خاطئة تسبب آلاماً شديدة. 

(٣) : الجلّاس آنية من الزجاج تشبه كأس الحجامة لكن أكبر، تستخدم في العلاج الشعبي للشفاء من آلام الجسم، مثل كاسات الهوا (كؤوس الحجامة) بإشعال النار بداخلها حيث تمتص الجلد و تسحبه إلى الداخل. 

(٤) : الدبّور مطرقة 🔨 كبيرة لتكسير الحجارة، يستخدمها البناؤون في عملهم. 

(٥) : القطراف الصخرة الكبيرة في لهجة أهل دارة عزة ضيعتي و مسقط رأسي.

(٦) : إيد الهوان أو يد الهاون أداة من النحاس تستخدم للدق و الهرس. و الهاون جرن نحاسي يشبه القدح الكبير. (انظر صورة الغلاف). 






  • 2

  • جهاد الدين رمضان
    محامي سوري سابقاً و لاجئ حالياً ، قارئ جيد و كاتب مبتدئ ، أكتب ببساطة و صراحة دون تنميق و تزوير.
   نشر في 29 مارس 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا