حياتي مع الاكتئاب - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

حياتي مع الاكتئاب

  نشر في 07 يونيو 2017  وآخر تعديل بتاريخ 12 يونيو 2017 .

لم يكن سهلاً أبدًا منذ سنوات أن أكتب عن ألمي النفسي بشكل خاص ومباشر، لكن الآن أكتب عن الاكتئاب، بل عن اكتئابي:

لسنوات اضطررت إلى سماع الكثير من عبارات النصح واللوم وحتى الذم من أشخاص اهتموا لأمري لكنهم لم يتفهموا ما أمر به، ولم يزد الأمر عن كونه عبئًا نفسيًا إضافيًا.


العشرات من الأشخاص الجيدين الذين تجنبت مصادقتهم، العشرات من الأنشطة التي كانت أثقل من جبل فوق روحي، والكثير من المناسبات التي كانت من المفترض أن تصير ذكرى جيدة لو لم أتغيب عنها. لم أكن سعيدة بتضييع حياتي، ولا باستلقائي لساعات بين أفكاري السوداوية. مقاربة الحياة والموت التي لا تنزاح عن دماغي كطفل يتنازع عليه أبواه المنفصلان..

مع الاكتئاب، يمكنني أن أعيش بلا حياة لأيام وأسابيع وشهور، الكثير من المشاعر القاسية والقليل جدًا من الأحداث، في البداية يهتم الآخرون كثيرًا، لكنهم يملون المحاولة، يبتعدون تباعًا مقررين أنك مرتاح مع اكتئابك، يصير تعبيرك عن الحزن سخيفًا، الإعراب عن الألم يكون مبتذلاً، رويدًا رويدًا تصير خفيًا، لكن يمكن رؤيتك بين الحين والآخر لتوجيه النقد أو التعبير عن الانزعاج من أسلوب حياتك، شخص ممل كئيب، مُدَّعٍ للعمق، أو منعزل عن الواقع، ربما ينعتونك بالحساس، أو عديم المسئولية، أحيانًا يتهامسون بشأن حياتك الخاصة التي لن تسير أبدًا على هواهم. لكنهم يكررون على مسامعك -عندما يلحظونك- أن "السعادة خيار" وعبارات مثل أن "تصنع سعادتك" أو "عالمك الخاص" أو "أنت لا تحاول أن تتغير".

مع مشاعر تثقلك، إحساس بعدم الرغبة بفعل أي شيء، لا شيء يستهويك، لكنك تحاول كل يوم أن تحيا، ترتدي العديد من الأقنعة محاولاً نيل القبول في مجتمع ينبذ الحزن، ولا يعترف بالضعف، على سبيل المثال: يمكنني أن أشحذ همتي ليوم أو أيام لحضور مناسبة وإظهار بعض البسمات والظهور بمظهر ودِّي وادعاء السعادة، أنجح بالكاد في هذه المهمة، لكن الأمر يبدو كما لو أنني صعدت قمة جبل شاهق بينما تنقصني أية لياقة بدنية: أختنق، أنزوي لأيام مستجديةً الهدوء والراحة بعد هذا العمل الشاق. لكن أحدًا لا يتفهم مقدار الجهد الذي أبذله لأبدو بخير لبعض الوقت.

عندما تداهمك المشاعر السلبية، لا يمكنك أن تبتسم بدهاء قائلاً: "حسنًا، لن تخدعني أيها الاكتئاب، هذه المشاعر ليست مبررة، ولن أنجرف بالحزن". تبدو وكأنك لا تسيطر على الأمور هنا، وهذا ما لا يتفهمه أي أحد.

يصنَّف الاكتئاب كمرض، والوصول لحالة مَرَضية يعني أنك لم تعد تسيطر على الأمور وأنك في حاجة إلى علاج، هذه القناعة يكون من الصعب الوصول إليها، وحتى عندما تتدهور الأمور وتُضطر للاقتناع بذلك، فإنه من الصعب أن يفهم المحيطون بك هذا الأمر. يميل المحيطون بك لإلقاء اللوم عليك، بينما تحاول أنت الهروب من مشاعر جلد الذات مقنعًا نفسك أنه مرض، خروج عن السيطرة، أنت لست مسئولاً عن تدمير حياتك.. وفي كلا الاعتقادين بعض الصحة: لا يمكن العلاج إلا بإرادة منك،لذا فأنت -رغم صعوبة الأمر- لا تفقد المسئولية تمامًا، على الجانب الآخر، الأمر في غاية الصعوبة، ليس سهلاً كما يتخيله البعض.

ولفض هذا الاشتباك، سأستعير كلام الدكتور لطفي الشربيني في كتابه "الاكتئاب المرض والعلاج" :"يجب أن نذكر أن وقائع وأحداث الحياة مهما كانت أليمة ليست هي السبب الوحيد وراء الاضطرابات النفسية، ولكن الطريقة التي نفسر بها هذه المواقف ومدى شعورنا بما تتضمنه لنا من التهديد وكذلك إمكانياتنا في السيطرة عليها هي العامل الرئيسي وراء ما تحدثه هذه الضغوط من آثار. ولتوضيح ذلك نضرب مثلاً لشخصين تعرضا لموقف متشابه، حيث فقد كل منهما حافظة نقوده على سبيل المثال، فنجد أن أحدهما قد تأثر لفترة قصيرة ثم انتهى الموضوع عند هذا الحد، حيث إنه فكر وأقنع نفسه أنه يستطيع تعويض خسارة هذه الأموال فيما بعد، ونجد الآخر قد تأثر بشدة وظهرت عليه علامات الأسى الشديد، وراح ينعي حظه ويتهم نفسه، حتى يصل الأمر به إلى حالة من الإحباط وقد يصاب بالاكتئاب"

إذن نفهم من هذا أننا مسئولون عن إصابتنا بالاكتئاب؟ 
يوضح الدكتور قائلاً: "يعني ذلك أن واقعة بنفس الحجم والشكل قد تسبب تأثيرًا متفاوتًا من شخص لآخر، ويعود السبب في ذلك إلى التكوين النفسي للفرد، وصفات شخصيته، واستعداده للإصابة بالاضطرابات النفسية ومنها الاكتئاب".

إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال العوامل الكيميائية في الإصابة بالاكتئاب، يُجمل الشربيني:

" -أمكن الاستدلال على العوامل الكيميائية في مرضى الاكتئاب من خلال نقص بعض الموصلات العصبية، مثل: نورتبنفرين، وسيروتونين.

-تم الاستفادة من المعلومات الخاصة بكيمياء الجهاز العصبي، والتغيرات التي تحدث في حالات الاكتئاب في استخدام أدوية تقوم بتصحيح الخلل الكيميائي ويؤدي ذلك إلى تحسن أعراض الاكتئاب".

يكون مفيدًا جدًا لأي مريض نفسي أن يفهم ما يمر به، ويكون على وعي بمرضه والأهم أن يتقبله، تكون هذه الخطوة الأولى للعلاج، وهي الخطوة الأصعب. ومع هذا الجهاد الذي تخوضه كمريض بالاكتئاب أو مريض نفسي عامًة، يكون من الصعب وجود أشخاص متفهمين يساعدونك في التحسن، تكون مضطرًا للتعايش مع ضغوط مرضك وضغوط المحيطين بك والذين ربما يظنون أنهم يساعدونك.

وعلى الرغم من أن اكتئابي لم يزد عن الدرجة المتوسطة، إلا أنني عانيت منه على مر سنوات، وفتح لي نافذة على عالم المرض النفسي الذي كان مجهولاً بالنسبة إلي، ملايين الناس الذين يعانون من أمراض نفسية مختلفة، ربما بعضها بخطورة السرطان، لكن لا أحد يتعاطف معهم، ولا توجد حملات توعية بهذه الأمراض، حتى إن المرض النفسي يكون مرادفًا للجنون في مجتمعاتنا، لدرجة أنني أتجنب الحديث عن العل النفسي مع صديقاتي واللاتي تمتلك بعضهن أفكارًا سيئة للغاية عنه.


  • 8

   نشر في 07 يونيو 2017  وآخر تعديل بتاريخ 12 يونيو 2017 .

التعليقات

لم أجرؤ على اﻷعتراف أمام أهلي بهذا الأمر الذي يدكني دكا.. لإني عندما أخبرهم سينهالون علي بالإتهامات المختلفة...ولكن الله سيكون للمنكسرة قلوبهم عونا وسندا...
1
مريم ناصف
لكنك تكتب، وهذا بحد ذاته جيد :)
Sima Kattaa منذ 5 شهر
الصوت الذي بداخلك يشبه صوتي ، كأنكي توصفين حالي قبل مدة ، خلال قرائتي لمقالك تعمقت به جدا وابحرت بكلماته الى لجته لدرجة أني اغلقت عيني خوفا من العودة الى اللاشيء والى الحزن الذي كنت سعيدة به.
بالتوفيق ياصديقتي مقالك رائع جداا
0
مريم ناصف
شكرًا لكِ صديقتي ❤
كان الله في عون كل شخص مصاب بهذا المرض .. لقد عشت تجربة شخصية مع المرضى والمصابين بالاكتئاب والقلق الشديد .. فعلا هو مرض جلل ويحتاج عناية وطول بال وعلاج حقيقي.
2

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا