أزمة بطالة أم أزمة كفاءات؟ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أزمة بطالة أم أزمة كفاءات؟

مسؤولية الحكومة اتجاه تشغيل المواطنين

  نشر في 19 يناير 2016 .

تربى المواطن العربي على عدة مفاهيم و مسلمات من بينها ، أن على الدولة توظيف كل طالب أنهى دراسته و حاز على الشهادة الجماعية، كما تربى أيضا أن يتعاطف مع كل خرجة احتجاجية كونها حرية و ديموقراطية، كما صور الفنان الكبير عادل إمام في فيلم "هالو أميركا" حين مشى مع أول مسيرة احتجاجية التقاها في أمريكا ليكتشف ما اكتشف بعد ذلك.

شارع محمد الخامس

في سنة 2006، كنت متوجها رفقة زميل فرنسي نحو مقر الزبون الكائن بشارع محمد الخامس، و صادف -مع المدة اكتشفت أنه نشاط دوري - أن كان الشارع مقطوعا من طرف حملة الشواهد المحتجين على عدم توظيفهم مباشرة و ما إلى ذلك، حينها كنت في بداية التحرر من الفكرتين التي تبرمجت عليهما لسنين، لكن عقلي الباطن كان لازال متشبثا بهما، فسألني زميلي عن سبب خروج هؤلاء، فشرحت له موقفهم و كلي دفاع عنهم و عن مطالبهم، فتعجب حينها أولا من اعتقادهم، و ثانيا من دفاعي المستميت عنهم.

أزمة كفاءة

بعد أن أنهينا زيارتنا الخفيفة للمركز، و عدنا في الطريق وجدناهم لا زالوا في احتجاجاتهم مع انخفاض في حدة الصوت، فكانت فرصة أن فتح الموضوع مرة أخرى، و ليستغرب من عدم بحثهم عن العمل في الشركات الخاصة، فأخبرته أن الشركات الخاصة لا توفر العدد الكافي من المناصب، كما أن تكوين معظم هؤلاء لا يخول لهم القيام بالمهام المطلوبة في الشركات الخاصة، حينها صدمني بلهجة باريسية أصيلة : "أنتم تعانون من أزمة كفاءة أيضا"، لم أستسلم بسهولة فأخبرته أن الإختصاصات التي درسها معظم هؤلاء هي بعيدة عن المجال العملي التطبيقي، و بما أنه كان مشهود له بعناده و لا يحب أن ينهزم في أي نزال يخوضه فقد أعطاني الضربة القاضية جعلتني أختلق سببا للذهاب مباشرة لمحطة سيارات الأجرة، حين قال "كلامك يؤكد استنتاجي، فحصول هؤلاء أصلا على معدلات عادية، هو ما يمنعهم من دراسة الهندسة و الطب، و تواجدهم هنا"

و تبقى الدولة هي المسؤولة رقم واحد 

من خلال هذا الحوار البسيط الذي أعدته في ذهني مرات مؤخرا أستطيع أن أضيف صوتي لمن يقول أن تشغيل الشباب هو مسؤولية الدولة ، لكن ليس كما تطبل و تغني معظم المنابر، فأستطيع من وجهة نظري أن ألخص مسؤوليات الدولة في النقاط التالية :

1- تكوين لا يسمح بولوج سوق العمل

صحيح أن معظم الطلبة يذهب للجامعة  -و المدارس و المعاهد- مضطرا، و هناك لا يقوم بواجبه على أتم وجه، فلا يحضر سوى الحصص الإجبارية، و لا يستعد للإمتحان سوى أيام أو ساعات قبله، كما أنه لا يكلف نفسه عناء البحث و التحرير و يكتفي بنسخ و لصق تقارير زملائه و من سبقه و يغير فقط الإسم - و الطامة الكبرى أنه ينسى تغيير مؤلف المستند من الخصائص - إلا أن مراقبة المقرر الدراسي و محتوى المحاضرات و الأشعال العملية و كذلك أسئلة الإمتحان التي تكون في أحيان كثيرة خارج السياق تبقى مسؤولية الوزارة الوصية.

2- مباريات ولوج غير كافية

من الأشياء الجميلة التي أدخلتها الحكومات الأخيرة، إلغاء التوظيف المباشر و الإحتكام فقط للمباريات، لكن هاته المباريات تبقى غير كافية لسببين : فالسبب الأول كما قال أحد نواب المعارضة في سؤال شفهي لرئيس الحكومة يرجع إلى طبيعة الأسئلة التي تُطرح في هاته المباريات، و السبب الثاني يرجع لدخول العامل البشري في التصحيح، خاصة مع الإختبارات الشفهية التي تغيب فيها المنطقية.

3- الوظيفة العمومية = بر الأمان

في برنامج حواري على قناة مغربية، سألت المذيعة أحد ممثلي المتظاهرين عن سبب عزوفهم عن العمل في الشركات الخاصة فأجابها جوابا لم أستحمل معه متابعة البرنامج، حين قال "العمل في القطاع الخاص ليس مضمونا، لا أدري ماذا يحدث ربما تضرب أزمة اقتصادية،و ربما يرى رئيسي أن مردودي لم يعد كما كان، و أجد نفسي في الشارع، أما في الدولة فلن يحركني أحد من مكاني"

هنا يكمن مربط الفرس، و هذا ما يسبب ضعف إنتاجية القطاع العام، على عكس القطاع الخاص الذي لا يؤمن إلا بالمردودية و الإنتاجية.

4- بيئة مقاولاتية غير مشجعة

إن قلنا أن الدولة ليست ملزمة بالتوظيف المباشر، و كذلك غير ملزمة بتوظيف كل الخريجين، فإن ذلك يعني وجود سوق عمل خاص يستطيع استيعاب كل الطاقات، هاته الطاقات يجب أن تجد عروض عمل متوفرة أو تجد ظروفا و تسهيلات لخلق مقاولاتها الخاصة.

و الأرقام الأخيرة التي تنشر عن الأموال و التسهيلات في بعض الدول للمقاولات الصغرى و الناشئة خير دليل على إعطاء ثمار توجيه الشباب للمجال الخاص.

واسطة الفقراء 

خلال تشويقية هذا المقال التي شاركتها قبل شهرين، دخلت في حوار مع أحد الأصدقاء الذي رأى أنه من حق الخريجين أن يطالبوا بالتوظيف المباشر، كونه الواسطة الوحيدة التي يملكها أبناء الفقراء.

هذا الحوار ذكرني بحوار آخر عمره خمس سنوات حول الطريقة التي يتم اختبار فيها الأسماء التي سوف تلتحق بأسلاك الوظيفة العمومية حال إعطاء الدولة لعدد من المنصاب للنقابات، فكنت دائما أتساءل  عن المعيار، لأجد الإجابة أن المناصب توزع على حسب الإنضباط في الحضور للوقفات الإحتجاجية و تصدر المسيرات و ربما - و الله أعلم - عدد الضربات التي تلقاها من رجال الأمن، حينها استنتجت أن هذا المعيار أيضا ليس معيارا لانتقاء أفضل الموظفين ويبقى مجرد واسطة، فلو كانت المهمة التي سوف يقوم بها هذا الموظف هي الإحتجاج فأكيد إن اختياره على هذ الأساس يعد رائزا مثاليا، أما غير ذلك فهو توظيف بالواسطة. 

يبقى ملف التشغيل بالإضافة للصحة و التعليم من أعقد الملفات التي تواجها الحكومات في العالم، حل إحداها قد يؤثر على الأخرى أحيانا، لكن في جميع الحالات فالحل يأتي رويدا رويدا



  • 18

  • ضياء الحق الفلوس
    طالب علم في مدرسة الحياة. مهم بالتنمية الذاتية و طالب في الأكاديمية الدولية للتنمية الذاتية. مولع بالبرمجيات و مسابقات البرمجة و التكنولوجيا الحديثة. مؤسس مشارك في منصة www.scorify.me المختصة في توطيف المطورين المعلوماتي ...
   نشر في 19 يناير 2016 .

التعليقات

لفتني جدا عنوان المقالة
وأتفق معك تماما في أن الدولة ليست مجبرة على أن توفر لكل الخريجين فرص عمل ، من أجل هذا أدرج في أغلب المقررات الداسية سواء في مدارس المهندسين أو الجامعات أوالمعاهد مادرة دراسية entrepreneuriat من أجل تشجيع الشباب على خلف شركات و فرص عمل و مشاريع خاصة بهم ....لكن مع ذلك ليس كل من تخرج لديه المقدرة على فتح شركة أو مشروع خاص وذلك يرجع الى عدم توفرهم على رأس المال اللازم للإستثمار أو على نقض الخبرة وليس الكفاءة .

لكن ما لفت انتباهي هي هذه الجملة "معظم هؤلاء لا يخول لهم القيام بالمهام المطلوبة في الشركات الخاصة".
من قال أ هناك نقص كفائات و هل هذه الشركات الخاصة لا تجد فعلا أطر ومهندسين أكفاء ؟ و من يسمع مصطلح "نقص كفائات" سيتصور أن هذه الشركات تعاني فعلا من نقص الموراد البشرية و تستنجد بأطر من الخارج ؟؟؟؟؟

أغلبية المهندسين و الأطر يقومون بدورات تدربية موازية لدراستهم عذا الأعمال الموازية التي تمكنهم نسبيا من امتلاك تجارب و خبرات .

أظن أن المشكلة فعلا هي في نوعية الشركات الخاصة ، فأغلبية الشركات الخاصة في أغلبية المدن صغيرة تصنف ضمن الشركات TPE و هذه الشركات لا تستطيع أن توظف أطر أومهندسين الذين سيتقاضون 8000DH على أقل تقدير ـ،و تستعين بتقنيين أو متدربين لا يتجاوز راتبهم SMIG .
باستثناء المدن الكبرى كطنجة أو الدار البيضاء و في هذا دعوة جماعية لأن تسافر جميع الأطر و المهندسين الى مدن كبيرة بحثا عن شركات قد تطلب تخصصهم و لا أظن أن هذا هو الحل.


إذا توفر فعلا نسيج اقتصادي متماسك و شركات خاصة كبرى تطلب مهندسين و أطر و لم تجدفعلا من موارد بشرية تلبي الغرض في هذه الحالة يمكن أن نتحدث عن أزمة كفائات .
تقبل مروري و شكرا
:)

5
ضياء الحق الفلوس
شكرا جزيلا أحتي على تعليقك المفصل، بالنسبة للكفاءة فأنا أعني ما أقول بالفعل، أما بخصوص فتح مشروع خاص فليس هو الحل الوبديل الوحيد الذي اقترحته، فهناك البحث عن عمل في القطاع الخاص، و أخيرا بخصوص مسألة الرواتب و ما إلى ذلك فذلك يدخل من اختصاصات الدولة في التقنين و المراقبة، لكن بصفة عامة ليس هناك قانون يجبر الشركات على إعطاء راتب معين فحتى في الدول المتقدمة مسألة الراتب تتعرض لمعيار العرض و الطلب و التضخم، كما هو معلوم فراتب مهندس كفؤ في البرازيل و الأرجنتين و الصين و الهيند مثلا يقل بكثير عن راتب المهندس المبتدئ في المغرب (الدار البيضاء و الرباط خصوصا)
Zied Rezgui منذ 10 شهر
الدولة يجب ان تحل مشكلة الفساد فقط لا غير, لأن ذلك الشيء الوحيد الذي اجج التظاهرات لتي نراها اليوم
3
ضياء الحق الفلوس
الفساد مصطلح فضفاض، يجب تفكيكه و تقسيمه إلى فصول، و لا أتفق أنه هو السبب الوحيد لتأجج التظاهرات فهناك حسابات سياسية و تراكمات ثقافية، شخصيا لا أتعاطف مع كل مظاهرة فقط لأنها مظاهرة و في غالب الأحيان لا أتعاطف معها بعد سماعي الأسباب، لم اتعاطف مع احتجاجات الإساتذة - كما أنني لا أتفق مع تعنيفهم - ، كما أنني لم أتعاطف مع الأطباء -لكن بشكل أقل لأنني ضد تطبيق قانون على طلبة ولجو الطب بشروط و اتفاق و يتخرجوا بشروط أخرى -
Zied Rezgui
يبدو انك تحسبني مغربي, ولاكني صديقك من تونس . ربمى نظراتنا تختلف قليلا بخصوص الموضوع
أتفق معك صديقي مهمة الدولة الأساسية تكون في تحسين جودة التكوين و التعليم بالأساس و مواكبة سوق الشغل، و زرع روح المبادرة الفردية
أستغرب حين أجد إطار حامل لشهادة الدكتورا مثلا يصف نفسه بالمعطل، و ينتظر الدولة أن تقوم بتشغيله
بالنسبة لي، البحث عن عمل في القطاع الخاص أو المبادرة الفردية، هو ما من شأنه أن يساعد الفرد على تطوير نفسه بشكل كبير و اكتساب التنافسية العالية التي تفتقد في القطاع العام
4
ضياء الحق الفلوس
صحيـــــح، و أظن أن تجربتك في فرنسا ساعدتك كثيرا على توضيح الرؤية حول العديد من المفاهيم التي تربينا عليها
شكرا على المرور
رأيي أن التشغيل ليس مهمة "الدولة"، إنما هي ملزمة بتوفير البنيات التحتية التي تسهل ذلك، مثل القوانين التنظيمية لحماية العامل والمشغل، والبرامج التحفيزية لإنشاء المشاريع التجارية. في حين أن الوظيفة العمومية داء يجب القضاء عليه.


أما مسألة التعليم ومطابقة المناهج الدراسية لمتطلبات السوق فأمر معقد تتقاطع فيه المسؤلية بين: الدولة كونها فاشلة إستراتيجيا في كل القطاعات، الشركات كونها تتهرب من مسؤولياتها الإجتماعية، والشباب الجاهل الذي لا يبذل أي جهد لتطوير نفسه ويكدس نفسه في كليات هامشية لا قيمة لها ثم يخرج للتظاهر طالبا بتوظيف مباشر لا يستحقه وليس أهلا له.
4
ضياء الحق الفلوس
شكرا جزيلا على التوضيح فيما يخص مساألة تقاطع المسؤولية في التعليم
خلود شعبان
مقال رائع اوافقك الراي استغرب مثلك ميل الكثير من ابناء بلدي ال خدمة مسمار في حيط رغم ان العمل ضمن اليات الحكومة هو اكثر ما يقتل الابداع انا شخصيا منذ ايام الدراسة اقضي اكثر من اربعة اشهر تدريب في شركات خاصة وهو ما عزز ثقتي بذاتي ومدني مع شهادتي بثلاث سنوات من الخبرة مع تكويني الذاتي وتميزي علاماتي مما فتح امامي ابواب العمل في تونس وخارجها وهذا ما انصح به فان كنتم ستنتظرون الحكومة ان تشغلكم فستعانون من البطالة سنين

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم





عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا